Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: أسيرُ معكِ إلى نهاية الزمان


لا تعطيني من مال المُحسنين. لا تفتحي الشبَّاك عندما أعبر في الشارع، سريعاً كفكرة داهمة. لا تقولي إنَّني أعرف الجهات الأربع، فإنَّني قليلاً ما أعرفها. أكتفي برغيف خبز يابس وقطرة ماء. أعطيت ثيابي للفلاَّحين والرُّعاة، ولبستُ حصير الأرض وبردَ الجبال. ذهبتُ مع الصيَّادين على مركب، وغنَّيت مع الموج.

كلُّ الناس يعرفون أنَّني متقشِّف مثل طاغور. الصلاة معي، بين شفتيَّ، زرقاء مثل عظامي. والشِّعرُ قامتي. ليس عندي بيت يؤويني، ولا طريق أسير عليه. الطريق غبار ودمار، وغالباً ما أتَّجه إلى اللامكان. إذا كان اللامكان هو أنتِ، فلا بأس بقبلة، بعناق طويل، بصورة داخل إطار، وعندها فقط لا يمكنكِ المغادرة. لا أريد شيئاً لكن أريدكِ أنتِ. أن تكوني السماء والماء. البحر والمراكب. الأرض والهواء. إذا لم تكوني معي، فلن أصعد إلى نجمة، ولن أعبر إلى كلمة. يصبح الشعر يباساً والضوء عتمة. يمكنني أن أسير معكِ إلى نهاية الزمان. إلى موت جماعي، لا يبقى فيه أحد سوى أنتِ وأنا، وبقيَّة من جمر في معبد روحي.

***

خبر عاجل:

عندما خلقَ الله كلمة "حُبّ" من حرفَين، كان يعرف كم ستكونين بخيلة.

***

أنا أكتب والناس يتكلّمون

أنا أكتب وهم يتكلّمون. عليّ أن أضيء لهم، أن أكون بابور كاز. شاحنة نقل أحملهم على ظهري، صعوداً وهبوطاً. كلّما سعَلوا أمجِّدهم. كلّما ناموا وقاموا إلى الصلاة. كلَّما تلعثموا أصفِّق لهم. أعمل مصفّقاً بأجر معقول. يسيطرون عليَّ بالسِّحر والتنجيم. يتمتمون بكلمات لا أفهمها. نسيتُ فقه اللغة. نسيتُ أنَّني تعلَّمت الكلام. كتابتي باطون، أعمدة من خشب، أصباغ للأحذية... لا ينزل عليَّ الوحي إلاّ عندما يأمرون. يحتجزونني في علبة، يحرقونني بالأسيد. يضعون عليَّ شروطاً لكي آكل من أرغفتهم، لكنَّني آكل الأرغفة وألتهم الشروط. غير قادر على الصمت. ضفدعة في بركة. محرِّك ديزل لا يتوقّف عن الهدير. الرياح قامتي، والبرق من معجزاتي. أنا أكتب والكتاب يصير زورقاً، والكلمات عاصفة من صنع أفكاري. لا يقنعْني أحد بأنّ التلوُّث فضيلة، لا تُغسل دماغي مساحيق الغسيل. أقول للأعمى أعمى في عينه. أقول للبحر: أنا أنزلتُك عن يدِي طفلاً وكبرتَ في غمضة عين. لو علمتُ أنّك ستصبح مشاغباً كنتُ أعطيتك لساحر، كنت أنقذتُك من المدِّ والجزر. كنت علّقتُك في خزانتي وارتديتُك في ليلة العيد. حزين أنا أكثر من الأمِّ الحزينة، والحبر مقبرة الحروف. أصرخ من أعماق الأعماق والناس لا يسمعون. أكتب وأكتب وأكتب، لكنّ المجد فقط لمَن لا يكتبون.

#كتاب

5 views0 comments

 

حبّي لكِ

نحن ابتدأنا الحبّ، ما من قبلِنا          شعرٌ يُقــــالُ، ولا ربيعٌ يُزْهِرُ

وأنا بعينيكِ اكتشفتُ حضارةً،        وكواكباً طولَ الزمانِ تنوِّرُ
وسرقتُ من فمكِ الجميلِ قصيدةً        مــا زلت أكتبُها، ومنها أسكرُ
وقطفتُ من تفّاحِ صدركِ غلَّةً،         فأنا بما ملكتْ يميني قيْــصـرُ
يا سرّ إبداعي، وسرّ بدايتي...         يـــــا مَن تغيّرُني ولا تتغيَّرُ

يا فكرتي الأولى التي وُلِدت معي،      فأنـــا أعيشُ لأجلها وأفكِّرُ...

متصوِّفٌ حتّى أذوبَ وأختفـي،          متداخلٌ فيكِ، ولا أتحــرَّرُ...
تتكسّرُ الأيّامُ لولا غبتِ من            حولي، وقلبي مثلـهـا يتكسّرُ…
نمشي معاً والأرض تعشقُ خطْوَنا، ويدِي على الشعر الجميل تثرثرُ
لولا الهوى ما كنتُ أُبصرُ عالمي،   فالريح تأخذ مركبي، والأبحُــرُ
كنتُ الجمودَ، وأنتِ مَن أحييتِني...     كنتُ المعانـــــــاةَ التي تتكرَّرُ
علّمْتِني أن الحـــيــــاة جميلةٌ،        فبدأتُ أحترف الغناءَ، وأشعُــرُ
ورقصتُ من طرَبٍ كطيرٍ عاشقٍ،   فإذا الفضاءُ يضيقُ فيَّ ويَصغُرُ
لولاكِ أنتِ، فما حياتي كـــلُّها؟         ماذا أنــــــــا إلاّ خيالاً يعْبرُ؟
كم يَكْذِبُ العشّاقُ في وصْف الهوى     فجميع ما قالوه ليس يعبِّرُ
ما البحرُ؟ ما طولُ السماء وعرضها؟   حبّي لكِ من كلِّ شيءٍ أكبَرُ.

________________________

هيدي حياتي (المدوّر العاميّ)

هَيدي حياتي كتبْتها ومحَّيتها، تا تسمعي صوتي متل رعد الجبل عا سطور كلّا نار من قبل الزمان، شعّلتها بالحبر تا صرخت متل صرخة يوحنّا المعمدان. عم إركض بها الليل متل الريح، متل البرق هلّي بالسما، والغيم خيل الحرْب، فرسان وعَبيد زغار، وقلاع الحجر، ومخزّقه تياب الحقول الخضر عا مَدّ النظر. قدّيش بَدّو بعْد يغمرْني الشتي، إتْصوَّر وإبعت من غْيابي صوّر؟ عمري تركني وراح. تركوني الغجر ببلاد ما فيها شجر. روحي ما بعرف وين؟ ما بعرف مصيري. هون عم خرطش لكي بيوت الشعر... مطلع وحيد... وما قدرت أفهم كلامي... كيف بدّو يطْلع الشعر الحلو من محبَرة جرحي الغميق؟ وإنتي ما فيّي لقيتْ عا ذوقِك قصايد من عَقيق. غير السكت ما قدرت إهدي... وما قدرتْ إشرح لكي إنّو هَواكي من حريق. من صرخة البركان، من نغمة قصب. حُبّي لكي ما بينْكتبْ... إلاّ بقصيدِه من غضبْ.

***

حُبّي لكي الغيم اللي فوق المملكِه. القمح. الفجر. وجنينة الفيها عَبير الياسمين. حبّي لِكي أحلَى من غناني الطيور الطايرَه فوق الشجر. أعلى من سيوف الملوك الفاتحين. ساعات هادي متل طفل زْغير عا مَرجُوحتو. ساعات بيهبّط دِني، وبْيتْرك جْوانح سُنونو عالرَّصيف منتّفين. هُوّي التناقُض... صرتْ مِنّو إهرُب وهُوّي معي. وكلما قلت: بدّي شي لحظه نام، لحظه غمِّض العينين، بيفِيق الحنين. كلّ القصص عنونتها إنتي وأنا، وإنتي وأنا متل الحياة معذّبين.

***

يا زْغيَّره وخصْرك عِلي، متل الكأنّو حَور عا مرايِة سَما. وصوتِك ورايي، بْيـِطلَع من الأرض، وبْيحْكي معي... ولولا قلت ما بِسْمعو، بيضلّ طُول الليل قدّامي، وأنا شاعر وحيد. ليلى ما إنتي ولا هند، إنتي إلاهه من قبل فينيقيا، عيونِك بُحيرَه ضاع فيها ناس، وشفافِك عِنب أحمر تا فيّي إقطْفو عربَشتْ عا أعلى جَبل، علّقت حالي بالهوا، وما قدرتْ حَبِّه طالها. وتا ضَلّ إقشع درفة الشبّاك، تا إبقى عا طول العمر شمّ العطرْ من فستانك الكلّو زَهر، قاعد بنصّ الشارع بغنّي لكي، والناس وقفو بالبرد تا يسمعو، قلتلّهن روحو اسألوها كيف هالشبّاك ما بيفْتَح إلو مِيّة سنِه، وشوقي لها أكبر من بحور الدّني؟

***

هيدي حياتي، عايش بلا قلب، من وقت اللي قلبي راح تا يزورِك بفيّ القنطره. والناس قالو: حالْتك حالي، وأنا بالسوق عم دوّر عا قلب جديد، لكنْ... سكّر البيّاع من شهرين، ودْروبي عا طُول مْسَكّرَه.

________________________

مشروع الأديب د. جميل الدويهي " أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني أستراليا

لا يتلقّى مشروع أفكار اغترابيّة أي دعم أو مساعدة من مؤسسات حكومية أو غير حكومية.

هو مشروع شخصي أطلقه الأديب د. جميل الدويهي عام 2014-2015، ويعمل بمحبة الناس وتقديرهم للدور الأدبي الكبير الذي يقوم به المشروع لتطوير الحركة الأدبية، وإبراز الوجه المشرق لحضارتنا وثقافتنا العريقة.

يقوم أفكار اغترابية على تعدد في الأنواع الأدبية، ورعاية الأقلام المبدعة واحتضانها... وتحديث في وسائل التعبير، بهدف إطلاق النهضة الاغترابية الثانية من أستراليا. 

_____________________________

 

قصيدة الشاعر د. جميل الدويهي "كلما طلعتْ عا خيمتي"

في جريدة "نداء الوطن" - بيروت - عدد السبت 2 كانون الثاني 2021