Search
  • Jamil Doaihi

سليمان ابراهيم - عنايا: قراءة في "تأملات" الدويهي


قراءةٌ في " تأمُّلات من صفاء الرّوح " للدكتور جميل ميلاد الدّويهي

بقلم سليمان يوسف ابراهيم -عنايا لبنان

يوم أَمسكته الغِصَّةُ على وطن الفينيق، أَفرج جميل ميلاد الدّويهي عن "طائر هامته"، حيث أَفلته من عقاله يستصرخ الإنسانيّةَ، علَّها إن سقته يسترجع وطنًا تفقّده فافتقد إليه! يمَّم من بعد فقده، شطر الأقاصي في المغترب الأُوسترالي، حيث قبض على حفنة حنين، عجنها بماء حنان العينين وأودعها حقيبةَ سفره ذخيرةً من وطن الأجداد والآباء، يبني بطينها حجارة عمارته الفكريّة هناك... ولم يتخلّ عن أَحلامٍ زرعها في الوطن وما أفرخت!!

كانت أولى ثماره اليانعات التي وصلتني من التربة الغريبة، كتابه "في معبد الرّوح"، من ضمن مشروعه الفكري: "أَفكار إِعترابيّة" الّذي غدا موقعًا إلكترونيًّا ناشطًا، يجتمع فيه فكر اللّبنانيين وسواهم من العرب، يتنادون ويتسامرون في تلاقح فكريٍّ مُستدام. وصولًا لربيع هذا العام2017، حيث صحوت ذات صباحٍ على لقاءٍ يتجدّد مع حارس المعبد، وهو يتلو على قرّائه "تأملاتٍ من صفاء الرّوح" كتابه الفكري الثّالث.

فبعد أنّ نقّى الألم روحه على وطنٍ تناثرت أَحلامه فيه أمام عينيه هباءً، صفى ذهنه وختم قصّته الباكورة وحبره يلفظ نفسها الأخير على لسان فؤاد السّرنوك: "لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظّلام غصنٌ في غابة. لقد عبرنا على الخيل من اللّيل إلى النّهار، وماتت كلّ الكلمات الحمراء." استوطن من بعدها، ميلاد جميل الدّويهي، "في معبد الرّوح" كاهنًا "أَدرك أنّ الإنسان ليس إلهًا ولن يكون، ولكن فيه قطرة من عبير الإله فلماذا يفرِّط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟ إذهب يا ولدي وتواضع للنّاس لتكون ضغيفًا في جسدكَ وقويًّا في تألُهكَ".

استوطن الكاتب "معبد الرّوح"، فعاش فيه متبتِّلاً ما تأمر به، خادمًا لأهوائهاوالمرامي السّعيدة، خدين أهل الأرض، من فلاّحين وحطّابين ومِكارين، أولئك الطيبون من صقاع الأرض، يبثّهم المعارف من معين الرُّوح وما تأمر به من سلوك الصلاح، من غير مشاوفةٍ ولا عنجهيةٍ، داعيًا لعيش السّلام وبثِّه بينهم، سراط عيشٍ، لبناء عالمٍ محبٍّ مُحترِمٍ للإنسان وقيمه، وقد نجح بإقنعاهم وجذبهم إليه. فنسمعه يختم كلمته متوجّهًا إليهم في خاتمة المواعظ: "ولن تكون لي، في ما تبقّى من حياة، غبطة أكبر من غبطتي بإله السّلام الّذي يعيش معكم، ولن يخرجَ من بينكم بعد الآن".

واليوم، أَمتطي سحابة تأملات من صفاء الروح" خيلاً أَصيلةً من جياد فكر جميل ميلاد الدويهي، يسوح بي في رحاب النّفس البشرية وكل ما ينتابها من هموم، ظنون ومآرب تشدُّ بها إلى تحت كي يتسامى بها وبأهلها إلى فوق فوق، وكأني به المصطفى... وقراؤه "أهل أورفيليسَ" والكل يتناوب دور "المطرة" من موقعه! فغناء الحطّابين أثناء مأدبتهم يرى إليها الكاتب أنّها نوعٌ من الصلاة! والحطّاب يرى إليها ضربًا من ضروب غسل التّعب وليس احتفاءً وتعبيرًا عن فرح! وهو يرى إلى الموجودات ضربًا من ضروب خدمة الإنسانيّة، ولو لم تكن الغاية منها كذلك لما كان الخالق أوجدها! أمّا في نص "المتواضعون"، يحذر صاحب التّأملات سكان مدينته – الّرمز- من ذوات الأقنعة الّذين يتوارون خلفها مضمرين الحقد، مريدين ثبط عزيمة العمّال المكافحين كي يثنوهم عن نشاطهم والتّقدّم؛ موصيهم أن لا يتوانوا عن قولة الحق، لأنه ليس في جهر الحقيقة من تشاوف أو ادعاء، بل "نحت للإرادة المؤمنة على أَلواح الخلود." وفي “المرأة على الشّاطئ”، يتبدى لنا على لسانها محاورة الكاهن، أن المرتحلين عنّا يماثلون قطرات الماء التي بالرّغم من معرفتها أنّها صائرة إلى زَبَد، فهي تسير غير آبهةٍ، فرِحَةً بحلول أوان الوصول... والنّفس الإنسانيّة، قدرها أن تنتصر خلودا كما تنتصر الزّهرة بالرّغم من ضعفها عند كلّ ربيع... والأرواح هي العازفات أبدًا على قيثارة الخلود مناقضةً لنظرية الموت والإنمحاق!! رسائلٌ عدّة أيضًا يبثّها الكاتب سطوره في كلامه عن "الرّجل العائد من الحرب"،حول مفهوم النّصر والهزيمة، وسبب الإرتداد إلى ما يمليه صوت الضمير أو قلِ الخوف من فداحة العقاب... وفي ختام تصوفه الأدب لقاءات، وقد اتّخذ من الطّبيعة كرسي اعتراف، نسمعه يهتف داعيًا إلى انتصار الياسمينه رمزا للمحبّة والسلام يعمان قلب الإنسانيّة جمعاء، حيث لن تجوع نفوسها إلى أمانٍ بعد. وتسكر فرحًا من خمرة فرحٍ عصرها من كروم العمر صافية معتّقة في أقبية الرُّشد والنُّصح وحسن السّيرة بينهم... فإنّ كان الكرّام صادقًا بمعاملة الكرم، ستفيض خوابي الخمّار إِبّان تشارينه بعتيقةٍ تذهبُ بالأحزان وتُبقي على الأفراح والغبطة الأبديّة.

إن ذرف الحبر هذا، على وجوه الورق بإشعاعات على الكتاب، يبقى بعضًا ممّا تستحقه تأملاتك في خضم صفاء روحكَ جميل ميلاد الدّويهي، وأنت تسخو كاهنًا في معبد الكلمة، على بناء صروحٍ للّغة العربيّة في بلاد غربتك القسريّة، عن وطنٍ حمّلتَ منه راحتيك الكثير من عبق قنّوبين، شاحذًا صدرك بالكثير من نسيمه العابق طيبًا وقداسةً تزهر من عود قلمك، كلّما غرسته أو غرزته في كبد ورقة.

سليمان يوسف إبراهيم

عنّايا، في 18/11/2017

#كتاب

0 views