Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: كان خطأ كبيراً يا بودلير


كان خطأ كبيراً يا بولير (حوار مع بودلير - جميل الدويهي)

أتذكّرُ يا بودلير، ما حدث لذلك الطائر؟...

طائر مسكين... يصفّق بجناحيه... يبحث عن روحه في غربته.

طار وحيداً في فضائه الواسع، فاعتدى عليه أناس. أناس كثيرون، وضربه أطفال بالحجارة فكسروا قائمته.

أفلت منهم بصعوبة، بعد أن حبسوه بقفص. حطّم الأقفال بصراخه، وترك جرحاً على الحديد، وحلّق غير مصدّق أنّه فرّ من أمامهم.

كان يريد أن يقصد جزيرة مجهولة، فلا يرى أحداً ولا أحد يراه، لكنه رأى تلك السفينة عائمة في المحيط، وعليها بحّارة متعبون، ويائسون.

فكّر في نفسه: "لماذا لا أذهب إليهم لأسعدهم، فقد يحتاجون إلى من يخفّف عنهم صعوبة الرحلة؟... لكن لا... سيفعلون بي كما فعل أولئك الصبية"...

كان خطأ كبيراً يا بودلير أن ينزل الطائر الأزرق على السفينة. أنت أعدته إلى ماضيه.

كان يمكنك أن تحوّر في القصيدة. أن تغيّر المضمون. أن تجعله سعيداً ذات مرّة في الزمان.

كان يمكنك أن تتركه ليواصل رحلته إلى تلك الجزيرة، فيبني له أيْكاً في أغصان شجرة عالية، ويشرب من ماء الصباح، وينام إلى جانب الوردة.

ها هو الآن يمشي بين البحّارة الأشقياء. لقد نهضوا جميعاً من نومهم البطيء، وأخذوا يتصايحون حوله، ويسخرون به، وكان أحدهم يقلّده في مشيته، والآخر يطفئ سيجارة في جسده النحيل، وثالث يضع أصابعه القويّة حول عنقه الهزيل.

قاسٍ أنت يا بودلير. لأنك لم تقدر أن تحرّر الطائر من مأساته... وتمّت الحكاية كما تريد... فلا تخبر أحداً بأنّك تعرف أسرار ذلك الطائر الحزين... أو مَن هم أولئك البحّارة الأشقياء.

***

الشاعر والطائر (قصيدة لشارل بودلير)

كثيراً ما يمسك بحّارة السّفن، وهم يلهون،

بعض طيور "النورس"، تلك الطيور البحرية الضخمة،

التي تتبع السفن ماخرة العباب، وترافقها محلّقة بخمول،

ولا يكاد البحّارة يضعونها على ظهر السفينة،

حتّى تترك هذه الطيور، التي كانت ملوك الأجواء،

أجنحتها الكبيرة تتدلى كالمجاذيف وتزحف على جانبيها،

هذه الطيور المهاجرة، كم تبدو عند ذلك،

ضعيفة وفاقدة الحيلة،

هي التي كانت في الجوّ ساحرة الجمال،

لكم أصبحت مضحكة وقبيحة يلهو بها البحّارة،

هذا يحرقه بسيجارته،

وذاك يقلد الطائر العاجز عن الطيران.

وأنت، أيها الشّاعر، مثلك في ذلك مثل أمير الأجواء،

هذاالذي يتحدّى العاصفة في الجوّ ويهزأ بالصيّاد،

ولكنّه عندما يقع على الأرض، منفيّاً،

تعيقه أجنحته الكبيرة،

وتمنعه من المشي.

#كتاب

0 views