Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: كلود ناصيف حرب والحنين


كلود ناصيف حرب والحنين: التعبير يخرج من العينين في قدسيّة اسمها الصمت

(جولة في نصّ "كيف لا أحنّ إليك؟" بقلم د. جميل الدويهي)

لا نكاد تعثر على نصّ لكلود ناصيف حرب لا نجد فيه لفظة "حنين". وحنين كلود التي جاءت من باب الإعلام إلى الأدب هو تعبير عن شعور حقيقيّ ونبيل وصادق. وبصفتي من محبّي كتابات هذه المرأة المشاغبة في حنينها، الراقية في تعاطيها مع الناس، الرقيقة في انتقائها لمفرداتها، أجد نفسي متتبّعاً لنصوصها، وأقرأها بشغف، فهي ذات لغة خاصّة. صحيح أنّها لا تدّعي الأدب، وليست في مستوى جبران وسعيد عقل ونزار قباني وغوته وموليير، لكنّها لا تيئس، وهذا ما يغبطني في شخصيّتها، وتلاحق الأمل والحلم، حتّى بات العديد يريدون اللحاق بها ومعرفة السرّ الذي استطاعت من خلاله أن تقتحم عالم الأدب وتثبت نفسها في كتاب صغير، أنيق، ليست فيه رموز كثيرة ولا سوريالية معقّدة، بل لغة واقعية عذبة تتسلل من بين الضلوع إلى القلب. ولكن هذه البساطة لا تعني السطحية، بل بساطة صعبة، ولا يستطيع أن يعرف أسرارها إلا القليلون، وخصوصاً أولئك الذين تعوّدوا أن ينفذوا إلى الروح الداخليّة، ويفهموا تعابيرها ومكنوناتها. فما أجمل هذه البساطة في قول كلود: "أكره حين أصمت فتخرج الكلمات من عينيّ، فالصمت أحياناً يأتي بمعنى ويحتاج إلى الإصغاء..". لا يمكن لأحد مهما كان أكاديمياً صارماً، أو متكابراً، أن يغض الطرف عن جمالية هذه الكلمات القليلة. حبّات من اللؤلؤ كانت مهملة، فجمعتها كلود في عقد صغير، أو سوار يلتف على اليد، فيطيب إليه النظر. التعبير يخرج من العينين، في قدسيّة اسمها الصمت... والنص "كيف لا أحنّ إليك؟" من كتاب "كلمات من أعماق الحبّ" يختصر عالم الشوق، فلا حبّ من غير حنين إلى اللقاء، ولو كان لقاء يمتنع. وفي ظنّي أن كلود من الناس الذين يعتنقون حبّ الروح لأنه خالد وأنيق. وحبّ الروح يصرخ به الصادقون والمترفّعون عن النزوات والمادّة: "أحتاج إليك ولا أستطيع الاعتراف بذلك... مغرمة أنا بعالمي الخاصّ هدوئي... صمتي... ضجيج قلبي... فعالمي لا يفهمه أحد سواي أنا"!

ولست أدري، في هذا النصّ تحديداً، إذا كانت كلود من الذين يتقنون التمثيل في الأدب، فتتخيّل وتكتب... أو هي تقول الحقيقة عن نفسها. قد تكون أحبّت حقيقة أو تصوّرت مَن تحبّه، لكن هذا الحبّ من نوع آخر، عصيّ على التصديق...حيث تتوحّد فيه الذات مع الحبيب الغائب، وكأن الغياب هو حضور أيضاً، والتعبير يمتنع أن يصدر عن فم امرأة تدور حول نفسها وتدور من الحيرة، بحيث أنها لا تجد الكلمات التي تصوّر بها حبها، فتكتفي بالقول: "كلّ كلمات الدنيا لا تملأ الفراغ حين تغيب عن عينيّ" .

إن التحليل النفسي لشخصية كلود ناصيف حرب في قصيدة "كيف لا أحنّ إليك؟" لهو صعب جداً، لأنّ صاحبته شخصيّة نادرة، تعشق وتحنّ من بعيد، ليصبح الحب في درجة الألم... وتريد في لحظة غضب من نفسها أن تعيش بلا قلب لكي تنجو من العذاب والحنين المتمادي: "في أوقات كثيرة نرغب في العيش بلا قلب، فالإحساس أصبح يؤلم جدّاً". ويتصاعد النص في لهجة راقية، مدهشة، تفاجئ المتلقي بمجموعة من التناقضات والمواقف المتعارضة: "أيقنت بأنّك حلم، وحلمتُ بأنّك واقع... أنا لا ألومك على الغياب، ولكن ألوم نفسي على الانتظار". في كلمات قليلة يتم كل شيء: يتم الحلم، والواقع، والغياب وانتظار طويل... والسؤال هنا: لماذا يكون الحلم بديلاً عن الواقع ويكون الانتظار بديلاً عن الغياب؟ التحليل ذاته يؤكد أن كلود تعيش في وضع التعذيب الذاتي من أجل أن يبقى الحبّ ولا يزول، والتعذيب للنفس هنا ليس مازوشياً masochist ، أي بهدف جذب اهتمام الآخرين والحصول على عطفهم بأي ثمن، لكنه تحمّل من نوع آخر، صوفيّة، وترفّع وصبر... فالهوى الجسدي سرعان ما يتلاشى، والحبّ الروحي هو الأبقى والأنقى. فلتعِش هي الحلم كتعويض عن واقع تخشى أن يصيبه الموت، ولتنتظر إلى ما شاء الله في محطة الوجود لصورة، لخيال، لرجل تحبّه وتحنّ إليه، لكنّه في الغياب يبقى وفي الحضور يتوارى... وما أجمله من تصاعد في الفكرة قول كلود: "نادوا باسمك فالتفت قلبي"، وهنا أحكّم الشعراء والنقّاد والمنتقدين وأسألهم بضمير أدبي: أليس هذا بربّكم من أجمل ما سمعتم من التعبير؟ أغار منكِ يا كلود، لأنّ هذا الكلام لك ولا تسمحين لي بسرقته... بحروف قليلة قليلة أشعلت ناراً على سطر وأحرقت كل المفاهيم الجامدة، وأعلنت من قلب النار أنّ الأدب حريّة... وأنّ الإبداع لا ينحصر بمقاييس وأزمنة، وأن لا حاجة للمبدع إلى أن يكتب كثيراً، فكلمة منه قد تغيّر وتُخيّل وتأخذنا إلى عالم بعيد وعميق. وعرسُك الأدبيّ كنتُ فيه أنا من المغامرين لا المقامرين، من المؤمنين لا المشكّكين، من الفرحين لا المتفارحين... لأنني أؤمن بقدرتك... وكثيرون بعد هذا العرس حزموا أمورهم وقرّروا أن تكون لهم أعراس، وكم جميل أن تحرّكي البحيرة الراكدة بصدى من كتاب أخضر هو كالربيع، كابتسامة الخلود. ثم تقولين وتقولين: "على توقيت ابتسامتكَ يضبط الياسمين موعد انتشار العطر"... أهذا من كلام بشر أم من كلام إلهة من عصور قديمة؟ إنّ فينوس في سحرها وجلالها حين سمعتك تقولينه، فرّت على غير هدى واعترفت بأنها خرساء باردة ولا تعرف كيف تحبّ... كما اعترفتْ بأنها لم تمنح أحداً حقّ التجول في تفاصيلها، كما منحتِ أنت ذلك الحبيب الخفيّ الذي تحنين إليه في كل مساء... وعند إشراقة كلّ صباح... فألف تحيّة لحنينك الساهر لأنّه سيّد الكلام... ورقيق كما كأس مترعة بالخمرة الطيّبة.

#كتاب

17 views