Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: لا خوف على وطن الله


...وتنشقُّ جفوني على رؤية مشهدٍ من رسم يد الله على مرايا جبل القداسة، فأُيقنُ أنّ الدّنيا بالرُّغم من مساوئ أَهلها وبنعمةٍ من باريها، لا زالت بألف خير.

أِشجارٌ بمسحةٍ من يد مُعطيها قد غدت هياكل لروحه البيضاء، يسجدُ معظمها رُكّعًا ما عدا شجرة الخلود، تنحني انحناءة خاشعٍ قد تبتّل!!

وأُرهفُ السَّمع إلى الطّبيعة وكلّ ما فيها يتمتمُ مُصلّيا... حتى ساعة الحائط الّتي تعُدُّ عليّ لحظات الهناءة التي قُيّضَ لي أن أحياها وسط مَهيَع سحرٍ بلّوريّ القسمات، مكفّنًا بريحٍ جليديّة الأَنفاس، هي أيصًا تتمتم العُمر برتابة ضجر الإنتظار!!

أَمتطي صهوة الـمُنى رغبةً مني أن أُجيلَ الطّرف الآن، في مراتع الصّيف وملاعب الخصب: فأتجلببُ عباءةً من عزم الجُرديّ غيرَ الهيّاب، وأسوح سوحةً قصيرة في أَرض الميلاد: هنا جفناتٌ قد أَسلمت عيونها لإغفاءةٍ سكرى بانتظار عودة الرّبيع. هناك، عماد الزيتون خُشّعًا لا يوقظها قصف رعودٍ، ولا هبوب زمهرير ينفض عن أَكتافها التي كانت حتّى العشيّة القريبة، مثقلةً بحبّات البركة. وهنالكَ جبلٌ أَشمٌّ يهزأ من عناصر الطَّبيعة وملامحها الثّائرة جميعها. أَما عند الـمُنحنى، فعينٌ التحفت شيرَ "القطّين" ولا زالت مصرّةً على إرواء العطاشى، هادرةً بالماء الزّلال... وهنيئًا لمَن قُيِّض له إليها سبيلاُ!! والحورُ؟ آهٍ من موسيقاه التي تبثُّ النّفسَ طيبَ لحنٍ ربيعًا بصيف، فحسرةً على حاله وقد جُرِّد من أوتاره المشدودة نغمًا إلهيًّا في زمن الزّرع كما الحصاد...أَلفيته قاماتٍ مُردٍ تستجدي من الرّيح العاصفة أَنفاسًا... فعلّه يقيَّضُ لها صحوةً إبّان شهر الشّهور؛ لتعود تبني سيرة ظلالها وفيئها للطّير وللبشر مع بسمة نيسان وسط سنفونيّة حياةٍ، نياطها تبقى أبدًا بيد الملحِّن الأوّل.الكلّ في الحقل حاضرٌ حيّ وإن لم تبدُ على محيّاه سمات الحيويّة... لم أَفتقد إلاّ لثلاث: الرّاعي وقطيعه وتلك الشّبابة الّتي لا تفارق شفتاه إلاّ لتستقرّ في خصره... كما أنّهُ لم يكن يتناهى لحنها من الثّقوب إلاّ ليستقر في قلب مَن يسمعها فتجيشُ في قلبه الأَشجان جراء ذكرى حبيبٍ هجر أو صديقٍ طوى البحر دون عودةٍ أو عزيزٍ أَعلن غيابه جرس ُكنيسة البلدة مستجديًا بأنينه دموعًا مهرار...

وأعودُ من سفرتي وسط الأبيض المغناج الّذي تتأوه حبَّاته وغلائله تحت خطوي، من غير أن يُصدِر صراخًا، وقد نال مني صقيعه الصّامت كلّ مأخذٍ، فأَهرعُ إلى مجاورة موقد الدّار الّذي يعز هجر جواره، حيثُ يتأوّه حطبهُ جمرًا ودفءً فتبشُّ الأطايبُ باسمةً على محيّاه كما سمات المتحلّقين من حوله... وما أطيب التّقرّب منه، في مثل هذه الأُويقات اللّذيذة صبح مساء، حيثُ يغدق على كلّ مَن يجاوره أَطايبًا ساخنةً تُدفئ القلب بهجةً وهناءةً!!

يا باري البرايا، زدنا في هذا الوقت العصيب من نقاوة الثلوج نقاءً، ومن صمود الأرز في وجه العواصف الكالحات ثباتًا، ومن هبوب الرياح صولةً في وجه الظُلاّم وتعنُّت المتكبّرين المُكابرين، ومن أَكف نيسان خصبًا وعطاءً، ومن زيتونك تبرّكًا، ومن كرمتك خمرةً ليفرح قلبنا كثيرًا، فتُحفَظُ كرامتنا بحفظك لوطننا وما مِزتَهُ به عن سواه من بين بقاع الأرض وصقاعها... فبما أنَّ لبناننا هو وطنك، فلا خوف ولا وجف عليه، من أَيادٍ عابثةٍ ونوايا خبيثةٍ حيث لن تقوى الأيّام على النوال منّا ولا منه.

سليمان يوسف إبراهيم

20/2/2015

#كتاب

2 views