Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي يكتب: رنده رفعت شرارة في قصيدة "زلغطي يا شمس"


بَعد نشْر قصيدتي المدوّرة العاميّة "ما بقا العنوان عم يتذكّرو" نشرت الشاعرة رنده رفعت شرارة -مونتريال قصيدة تعقيباً، بعنوان "زلغطي يا شمس"، وعلى هذه الصفحة أثبتّ القصيدتين، وبعدهما مقالة عن الشعر المدور العامي ومعاييره الجمالية، والتزام الشاعرة شرارة بهذه المعايير، وهي أول شاعرة على الإطلاق في الأدب العربي تكتب هذا النوع من بعدي، وكنت ابتكرتُه في عام 2015 عندما كتبتُ أول قصيده فيه "بيتِك حلو".

جميل الدويهي: ما بقا العنوان عم يتذكّرو

عَم إفتح كتاب الأسامي عالهدا، ومطرح ما كنتي تمرقي صار الشعر ورده حزينه، وما بقي عا دفتري غير الصدى، محّى ضباب السهل كلّ اللي انكتب، وحروف كانو من دهب، إسوارتِك، عقد اللي متلو ما انْهدى لملكات من قبل الزمان، والتوب يللي كان لونو أرجوان، عطرو تركني وغاب... هيك العمر... هيك شراع بدّو يْروح ما يسأل عن الماضي، وما عندي غير قلّك: كنت حبّك. كنت إعطيكي حرير الشمس، كنتي نور بعيوني. وانا هلّق متل طير الغريب، الجرح بين جوانحي، وما بيلتقى لجرحي طبيب. شو كتبت؟ شو حبّيت؟ ما بْعدّ الحروف. قلبي المدينة الغاليه، قلبي ربيع، مراية الفيها خيالك طلّ من قبل العصور، كنتي حلم والحلم ما تفسّر، بقي منّو حريق كبير. صوره مخزّقه بين السطور. عم تسأليني ليش ما بكتب لكي؟ صارو قصصنا من الدفاتر يوقعو، وأوقع أنا متل الشجر تحت الخريف، لا ناس دلّوني عا بيتي... ولا بكي عليّي الرصيف. كذبه حياتي، ومتل كذبه كنت عم إكبَر أنا، من ضحكتك، من صوت أحلى من رنين العود، لكن بعد مدّه تلبّكو الإيّام، واصفّرو الوعود. يا ريت فيها ترْجع الساعات، مطرح ما التقينا، هون كنّا نسابق الوديان، نسرق من جنينِه لون... حتّى نلوّن بيوت المدينه، وهون موعِد كان يجمعْنا تركنا، وما لبِس من بعدنا تياب الحرير... لا تسألي: قدّيش عمري بعد ما تركتي حياتي... وانكسر من بعدِك الحبّ الكبير؟ يا معلّقه برموش عينيّي، ومعي بيضلّ طيفك رايح وجايي، وأنا ما زعلت من مقعد حزين بيركض بها الليل تا يسأل عن اللي تغيّرو، وبيقول: ليش تغيّرو؟ وما عاد بدهُن مع قمَرنا يسْهرو. وبابي أنا ما تسكّر بعزّ الشتي... بسّ اللي كانو يعرفو عنوان بيتي ما بقا العنوان عم يتذكّرو... لولا التقينا بعد مَرّه، يمكن تقولي: حبيبي كنتْ، يمكن تهربي، ولوين فيكي تهربي من صرخة عيوني، أنا البحر البعيد كتير، وسكوتي غضب... والعاصْفه بتضلّ عا دروبي متل خيل العرب... حبّي لكي ساعات غنّيّة قصب... ساعات فوق الجمر والنار انكتب. بتتنكّري... وسنين راحو متل ما بيروح مركب خلف سبع بحور... صارو من خزف، متحف قديم كتير. يمكن بعد ما رفوف السنونو تودّعو، رح يرجعو... يمكن حنينِك يكسر الشبّاك تا لعندي يجي. ورح ضلّ وحْدي ناطر بهالليل، علّق عا الشجر قنديل... غنّي، وتسْمعي صوتي من الشطّ البعيد. وتقشعي بالحلم ضحِكه من عيوني... عالسكت قلّك: أنا بحبّك... أنا بحبّك... متل ما كنتْ. هيك الحبّ كلما بينتهي، بيعود يخلق من جديد.

***

قصيدة الشاعرة رنده رفعت شرارة "زلغطي يا شمس"

سألتِ شو إسمَك يوم لاقيتِكْ، من وين جايي وكيف حاكيتِكْ. إنتِ لْ معِك عم إخلق من جديد، و إسمي ع تمِّك كل مرّة عيدْ، تخيّلت حاليّ نِسر عَ قمِّة جَبَلْ، تخيّلت حالي فرحِة الوادي. كتبتِك معنّى كتبْتِك شروقي، كتَبتْ قرّادي.

كتَبتِك حزن مجروح عم يبكي أنين، وصِرتْ ع مرّ العمر رمز الحنين. وما لقيت حالي غير بحّار وشريد، شراعي بحر ومرافِق الموج العنيد. إسمِك شلحني بعيد عن حالي، وضاع منّي بالمدى خيالي جَمّعتْ بكتاب الهوى قصايِد غَزَل. شي نثر، شي مدوّر وشي نغمِة زجَلْ. وحْدِة إلك من قبل ما يطلّ الفجر، ووحْدِة وأنا عم إمسح دموع القمرْ. وقصدان تشرح حالة القلب اللي صَبَرْ. وقِفتْ عَ مراية زماني لْ ضاع، لقيت صورة ما بتشبه هالبشرْ. لقيت غابة من وجوه مغبّرَة، ووراق صفرا مجمّعة تحت الشَجَرْ. سمِعت نغمة ناي عم تبكي، ما عرفت حالي ليش عم إشكي. وما عدت إذكر من زماني غير عينيكِ، شَحطِة كحِل..يااااا كحِل عينيكِ. هيدا لْ حبسني وصرت مجنون الهوى، وصِرتِ إلي علِّة حياتي... والدّوا غبتِ وما رح بيغيب عن بالي، مركب لمحتو بيوم خلف البحر، حامِل عَ متنه كل أحلامي. حامل صبيّة مسافرة عالوهم، وزادها دموعي وآلامي. ولمّا عَبكرة تصحصحي من النوم، رح تلمحي عَ درفِة الشبّاك. طيف ناطر تا يطلّ الصبح، يمحي من الأيام معنى اللوم. يصرَخ بحبِك يا حلا هالعمر، زلغطي بِ عرسنا يا شمس، وكون شاهد عالوعد يا بدر!! ______________________________________ صعب تخسر غالي، وصعب ما تلاقي بقلبك غير دموع وتهرب منك حروفك وما تعود تشوفا. تنطر الليل تتخبى تحت جناحه وتمسك بخيالك قلم، تكتب ع ورق منُّه موجود ومع هيك تخلق من القصيدة قصيدة يا شعر يا رفيق القلب، الدنيا معك أحلى وانقى... تحياتي أمير الكلمة د.جميل الدويهي.

***

مقالتي عن قصيدة الشاعرة شرارة:

المدور العامي: زلغطي يا شمس نموذجاً متقدّماً

كنتُ أول من كتب القصيدة المدورة العامية في عام 2015، وكانت قصيدتي "بيتِك حلو" أول قصيدة على الإطلاق تُكتب من هذا النوع، وقد طورتُ هذا النوع من الشعر العامي من المدور الفصيح الذي كان معروفاً في الشعر العربي منذ الأربعينات من القرن الماضي. ولا بد من أن يواجَه هذا النوع، ككل جديد، تأييداً ممن يحبون التغيير في النمط السائد، واعتراضاً من بعض شعراء الزجل الذين يعتقدون أن التطوير هو نقض للتراث، وخروج غير مألوف عليه، فالزجل هو نوع أدبي متوارث منذ عصور، ويختص به لبنان وحده، وإن يكن تسرب إلى سوريا وفلسطين. وبعض شعراء الزجل يعتقدون أن هذا النوع هو ثروة وطنية ويدعون إلى تضمينه في الكتب المدرسية. أما أنا، فلي رأي آخر، وأرى أن الحياة في حركة دائمة، ولا يهمّني كشاعر أن أتخطى أي نمط معروف إلى نمط آخر أكثر حداثة، ولا تعنيني التعليقات المضحكة كالغمز عن التدوير والتكعيب، وكأننا على مسرح ساخر لا اعتبار فيه للهيبة الأدبية، ولا لإنجاز حققه أحد أفراد المجتمع ينبغي الوقوف عنده بحكمة وروية قبل الاندفاع إلى السخف.

ولا يحق لأحد اتهامي بأنني أتخطى الزجل أو أعبث به، أو أكسر الجرة بيني وبين التراث، فإن عندي أعمالي الزجلية، وكتبت على القصيد والمعنّى والشروقي والقرادي، ونشرت هذه الأعمال في ديوانين صدرا في سيدني، فذهابي إلى المدور العامي هو من باب التنويع، مع احترامي لما هو سائد ولأقطابه أيضاً.

ولا يسعني هنا إلا أنوه بالاديبة الشاعرة المبدعة رنده رفعت شرارة - كندا، التي كانت من أوائل من أعجبوا بالمدور العامي، وكتبت أول قصيدة من بعدي من هذا النوع، وفي تقديري أن عندها الآن مجموعة من القصائد الرائعة، وأعرف أيضاً أن هناك من حاولوا كتابة المدور العامي، لكنه وببساطة نوع صعب يقوم على تقنيات معينة، تحتاج إلى كثير من الأذن الموسيقية، وطول الباع والصبر، والقدرة على اكتشاف الصور المكثفة والخيالات البعيدة. وهذه العناصر موجودة في قصيدة شرارة "زلغطي يا شمس"، التي جاءت رداً على قصيدتي "ما بقا العنوان عم يتذكّروا" والأخيرة حازت على إعجاب الكثيرين، لما فيها من عاطفة وخيال وأبعاد في المضمون والشكل الموسيقي الأنيق.

وإذا عدنا إلى القصيدة "الشرارية" نجد أنها تختلف عن قصيدتي، فالوزن الذي استخدمتُه موحّد، أي تفعيلة واحدة تسير من أول حرف في القصيدة إلى آخر حرف وهي "متفاعلن"، أما رنده فاشتغلت على التفعيلة ذاتها، لكنها استعانت بتفعيلة أخرى هي فعلن: "سألتِ شو إسمَك يوم لاقيتِكْ" : مستفعلن مستفعلن فعلن. وهذا التنويع جمالي، ولا يكتشفه إلا من لديه أذن موسيقية مرهفة، ومن له اطلاع واسع على علم العروض. وأرى أن المقطع الأول من قصيدة رنده يجري في جزء منه على وزن القصيد أي مستفعلن مستفعلن فعلن، والدليل:

"سألتِ شو إسمَك يوم لاقيتِكْ من وين جايي وكيف حاكيتِكْ.

إنتِ لْ معِك عم إخلق من جديد، و إسمي ع تمِّك كل مرّة عيدْ"...

وشعراء الزجل يعرفون أنّ هذا هو القصيد بعينه، قبل أن تعود رنده إلى المجرى الأساسي للقصيدة المدورة. وهذا التنويع في رأيي أضفى على القصيدة جمالية وأبعادًا موسيقية، من غير أن يشعر المتلقي بأن الوزن قد انكسر أو تعرض للخلل.

وتعتمد رنده على طريقتي ذاتها في استخدام القوافي ضمن المقطع الواحد، ومن يقرأ المقطع الأول من قصيدتي يقع على مجموعة من القوافي المختلفة، فاسمع رنده تقول:

"تخيّلت حالي فرحِة الوادي. كتبتِك معنّى كتبْتِك شروقي، كتَبتْ قرّادي".

القافية واضحة... ولكن لسيت القوافي شرطاً في الشعر المدور، فلديّ قصائد ليس فيها قوافٍ إلا في نهاية المقطع، فيمكن كتابة هذا النوع من غير استخدام للقوافي إطلاقاً، ولكن نحن نستخدمها للتجميل، ولا نستعمل قافية واحدة في المقطع، بل تغيّر ونعدّد القوافي، ولكي تنساب القراءة بطريقة موسيقية حلوة ورقيقة.

وفي المقطع الأخير من قصيدتي نقرأ:

"بتتنكّري... وسنين راحو متل ما بيروح مركب خلف سبع بحور... صارو من خزف، متحف قديم كتير. يمكن بعد ما رفوف السنونو تودّعو، رح يرجعو... يمكن حنينِك يكسر الشبّاك تا لعندي يجي. ورح ضلّ وحْدي ناطر بهالليل، علّق عا الشجر قنديل... غنّي، وتسْمعي صوتي من الشطّ البعيد".

ففي هذا المقطع هناك قافية واحدة هي: تودعو - بيرجعو، ولو قلت: تودعو وصارو خبر، فهذا لا يفسد للود قضية، والقصيدة ستبقى قصيدة. وفي المحصلة لا ضرورة للقوافي في الشعر المدور إذا أراد الشاعر ذلك.

ونأتي إلى النقطة الأهم في القصيدة المدورة، بل النقطة الأصعب، وهي استمرار القصيدة على وزن واحد، مع الالتزام بوحدة المعنى، فالقصيدة عند رنده من بدايتها إلى نهايتها قصة قصيرة مكتوبة على الوزن... أي لها بداية وصلب موضوع ونهاية، والأجمل أن نهاية كل مقطع مختومة بطريقة قوية، تترك أثراً بليغاً في نفس المتلقي. والنهاية القوية شرط مهم من شروط القصيدة المدورة، فلا وجود لقصة قصيرة من دون خاتمة تترك الدهشة الإعجاب في نفس المطلع.

ويزيد من صعوبة القصيدة المدورة تراكم الصور والخيالات البعيدة، فبين القصيدة المدورة والمدرسة الواقعية خصام كبير، والزجل في أغلبه واقعي. ولو اعتمدت القصيدة المدورة على الواقع لفقدت قيمتها وأصبحت حجراً بارداً. فالصور والرموز والأبعاد العميقة، والإيماءات الذكية هي أقانيم جمالية لهذا النوع، وبدون هذه الأقانيم تتعرى الشجرة من أوراقها وتصبح جثة هامدة في ليالي الخريف، فلنقرأ لرنده: "وقِفتْ عَ مراية زماني لْ ضاع، لقيت صورة ما بتشبه هالبشرْ. لقيت غابة من وجوه مغبّرَة، ووراق صفرا مجمّعة تحت الشَجَرْ. سمِعت نغمة ناي عم تبكي، ما عرفت حالي ليش عم إشكي. وما عدت إذكر من زماني غير عينيكِ، شَحطِة كحِل..يااااا كحِل عينيكِ. هيدا لْ حبسني وصرت مجنون الهوى، وصِرتِ إلي علِّة حياتي... والدّوا"

مراية الزمان، صورة ما بتشبه البشر، غابة وجوه مغبّرة، كحل عينيك حبسني... كلها صور رائعة وراقية، وتأتي من شاعرة طويلة الباع، لها خبرة في الالتفاف على المعنى وتطويعه بقدرة ساحرة.

وهكذا استطاعت الشاعرة الرائدة رنده رفعت شرارة، بما لديها من قدرة شعرية، ودقة ملاحظة، وسرعة بديهة، وشعريّة أخاذة... أن تكتب قصيدة من البدع البدع، وهي تتأثر بقصيدتي، وتستخدم كثيراً من المعاني التي تشير إليّ، وإلى شغفي بجوانب معينة من الحبّ والحبيبة، جوانب روحية وجسدية... وستبقى رنده رفعت شرارة قامة أدبية كبيرة، ومن الصعب أن يلحق بها أحد في محراب القصيدة المدورة، وإنني لا أستبعد أن شعراء في أستراليا وخارجها قد حاولوا كتابة هذا النوع، ومنذ ابتكاري له في عام 2015، لم أقرا قصيدة واحدة منه، إما لصعوبته وإما لأن الكثيرين اعتبروه نوعاً غير جدير بالاهتمام، لكن الزجل نفسه بدأ في وقت ما وفي ظرف ما، والقصيدة المدورة العامية بدأت من أستراليا، وقد يمضي وقت طويل قبل أن يمسك بمفاصلها أحد بعد الجميلين: جميل ورنده.

#كتاب

3 views