Search
  • Jamil Doaihi

نبيل عودة: حكاية نصراوية


اعترف أني لا اعلم هل مقولة "لا دخان بلا نار" صحيحة؟

من ناحية علمية حصل تقدما هائلا في العلوم والتكنولوجيا منذ قيل المثل المذكور. ليس سرا مثلا ان هناك قنابل دخانية بلا نار، فهل يعتقد البعض ان الدخان بلا نار هو اعجوبة لم يقم بها حتى الساحر البارع هوديني؟ او انها قنبلة لتفريق التجمهرات غير القانونية بإرعاب المشاركين بصوتها ودخانها؟

هي حقا اعجوبة نصراوية بامتياز، وتعجب بعض السفسطائيين النصراويين (سفسطائي تعني "شخص مموه بالحكمة" – يعني بالعربي الدارج "راس كبير وعقل حمير")، فليس أسهل على من يتقنون فن التضليل والتلويث الفكري من ان يخترعوا بدعة لا أصل ولا فصل لها، وربما كانت مناقضة بشكل واضح للعقل، وامثالنا العربية لم تقف مكتوفة الأيدي بل نجد مثلا يقول: "لم يبقَ في المكان إلاّ دُخانه".

حين فتحت قواميس اللغة العربية تفاجأت بكثرة الاشتقاقات من كلمة دخان، وها انا امتع محبي الدخان بمفردات لغتهم لعلها تفيدهم فيما تطمع له نفوسهم من جعل الدخان مادة مرعبة حتى لو كانت بلا نار.

من المفردات المشتقة من الدخان، وليس من الرعب الذي يسببه الدخان، جمعت المفردات التالية: دخان أَدْخَنَ أدخِنَة تَدَخَّنَ تدخين دَخَن دَخْنَاءُ دَوَاخِنُ دَوَاخِينُ دُخْنَة دُخّان دُخانة دُخانيّ دُخون داخِن مَداخِنُ مَدخَنة مُتدخِّن مُدَخَّن. اقسم ان المفردات لوحدها تجعلني ارتعب من كل دخان مهما كان مصدره، ان كان بسبب النار او بدون نار.

طبعا أتوجه للغويين ان يمدوني بما فاتني جمعه من مفردات الدخان. لكن لا بد من إضافة حتى تكتمل صورة "لا دُخان بلا نار"، اذ تقول العرب "لا إشاعة بدون مصدر أو أساس تنطلق منه"، مع الأسف اغلب الشائعات لدى العرب لا مصدر لها، وهي أشبه بانتشار الدخان حتى لو لم يكن مصدره النار، يبدأ من لا شيء ويختفي كما ظهر لأنه أصلا لم يكن الا شيئا طارئا. وبالتالي لا رعب بدون مواجهة تنافسية، الا عند من صار عقله مجرد كومة قش مثل المموه بالحكمة، إذا أشتعل القش (أي عقله) يزكم انوفنا برائحة دخان تنفع لتفريق المظاهرات من قوة ما تسبب من اختناق ورعب.

يبدو أحيانا ان للحكاية جذور مخفية، لكنها لا تخفى عن كاتب هذا المقال، ويبدو ان الذكاء قد حل على البعض بعد ان طيرت العشوش فراخها، وخاصة على سفسطائي مغمور، لكني اتعهد له ان أجعله مشهورا إذا ما نقلت عنه قصته.

الحكاية قديمة، كان السفسطائي صاحب حمار يتنقل به بين حزب قومي عربي وحزب صهيوني يهودي، رغم ان الحواجز كثيرا ما تغلق الا انه متقد الذكاء ودائما يجد طريقة للدخول والخروج من والى وهو راكب على حمار.

عُين قائد جديد للحاجز ولاحظ ان جنوده يعطون لراكب الحمار حق المرور وقتما شاء وكيفما شاء، دخولا وخروجا، وتساءل: ترى ماذا ينقل على حماره؟

كان السفسطائي يبدو فقيرا وبائسا مثل حماره، لكن المثل العربي يقول "يا ما تحت السواهي دواهي" والقائد تعلم ان لا يثق بالمنظر البائس .. لأي عربي.

راقب مرات عديدة عبور الحمار وراكبه البائس دخولا وخروجا، وكيف يرحب به الجنود ويناولهم من خرج الحمار علب لم يعرف في البداية ما هي. قرر ان يفحص ما يجري.

لم يكن صعبا ان يكتشف ان راكب الحمار يقدم هدايا من علب دخان فاخر لجنود الحاجز وهذا أشبه بتصريح مرور. غضب القائد وطلب ان يحضر السفسطائي صاحب الحمار الى مكتبه.

- كيف تنجح بالمرور رغم ان الحواجز القومية بيننا مغلقة؟

- يا سيدي انا رجل فقير يشفق على الجنود فأمر.

- لكني وجدتك تبرطلهم بدخان فاخر؟

- يا سيدي هذا لا شيء بل حسنة لمن يرحموني ويجعلوني أعبر.

- هذا مخالف للقانون وستعاقب عليه.

اخرج السفسطائي ربطة دخان أمريكي فاخر وقدمها هدية للقائد.

  • ما هذا صرخ القائد؟

  • هدية صغيرة من رجل غلبان؟

تأمل القائد ربطة الدخان، وحسب ثمنها، ووجد انها أكثر من معاش يومين في الشهر. سأل:

  • كيف تنجح ان تقدم هدايا دخان وانت فقير وتدب على عصا ولا تملك سيارة فاخرة بل مجرد حمار متهالك مثلك؟ كيف تربح الأموال لشراء هذا الدخان الفاخر؟

  • اصارحك القول سيدي القائد على شرط ان لا تمنعني من المرور وسأقدم كل السجائر التي احضرها لحضرتك فقط؟

  • حسنا .. اتفقنا.

  • يا سيدي انا مجرد تاجر حمير، اشتري من الحزب القومي العربي حمارا عجوزا قربت نهاية أجله بسعر بخس جدا، وانتقل به عبر الحاجز الى رجال الحزب الصهيوني الذين يشترونه بمبلغ كبير ليلعب عليه الأولاد او يربطونه بحدائقهم ليشاهده من لم يروا حمارا في وطنهم السابق. وقبل عودتي اشتري حمارا صغير العمر وابيعه للحزب القومي بمبلغ كبير، بذلك احقق أرباحا كبيرة وشهرة كبيرة أني تاجر حمير بارع. وهكذا سيدي أكرر شراء حمير متهالكة وابيعها للجانب الصهيوني واشتري حمير شابة وابيعها للجانب العربي .. ولعلمك سيدي بسبب كثرة المخالفات أصبحت تجارة الحمير مربحة جدا .. وخاصة ان الحمير لم يشملها قانون القوميات، وهي معفية من الترخيص السنوي ومن التأمين والصيانة الميكانيكية، ولا تشملها مخالفات السير .. فلا أحد يميز بين حمار عربي وحمار يهودي .. لذا يجري التعامل مع الحمير بمساواة كاملة.

  • اذن لي ربطة دخان مع كل دخول وخروج؟

  • بل ربطتين سيدي القائد!!

nabiloudeh@gmail.com

#كتاب

4 views0 comments

 

حبّي لكِ

نحن ابتدأنا الحبّ، ما من قبلِنا          شعرٌ يُقــــالُ، ولا ربيعٌ يُزْهِرُ

وأنا بعينيكِ اكتشفتُ حضارةً،        وكواكباً طولَ الزمانِ تنوِّرُ
وسرقتُ من فمكِ الجميلِ قصيدةً        مــا زلت أكتبُها، ومنها أسكرُ
وقطفتُ من تفّاحِ صدركِ غلَّةً،         فأنا بما ملكتْ يميني قيْــصـرُ
يا سرّ إبداعي، وسرّ بدايتي...         يـــــا مَن تغيّرُني ولا تتغيَّرُ

يا فكرتي الأولى التي وُلِدت معي،      فأنـــا أعيشُ لأجلها وأفكِّرُ...

متصوِّفٌ حتّى أذوبَ وأختفـي،          متداخلٌ فيكِ، ولا أتحــرَّرُ...
تتكسّرُ الأيّامُ لولا غبتِ من            حولي، وقلبي مثلـهـا يتكسّرُ…
نمشي معاً والأرض تعشقُ خطْوَنا، ويدِي على الشعر الجميل تثرثرُ
لولا الهوى ما كنتُ أُبصرُ عالمي،   فالريح تأخذ مركبي، والأبحُــرُ
كنتُ الجمودَ، وأنتِ مَن أحييتِني...     كنتُ المعانـــــــاةَ التي تتكرَّرُ
علّمْتِني أن الحـــيــــاة جميلةٌ،        فبدأتُ أحترف الغناءَ، وأشعُــرُ
ورقصتُ من طرَبٍ كطيرٍ عاشقٍ،   فإذا الفضاءُ يضيقُ فيَّ ويَصغُرُ
لولاكِ أنتِ، فما حياتي كـــلُّها؟         ماذا أنــــــــا إلاّ خيالاً يعْبرُ؟
كم يَكْذِبُ العشّاقُ في وصْف الهوى     فجميع ما قالوه ليس يعبِّرُ
ما البحرُ؟ ما طولُ السماء وعرضها؟   حبّي لكِ من كلِّ شيءٍ أكبَرُ.

________________________

هيدي حياتي (المدوّر العاميّ)

هَيدي حياتي كتبْتها ومحَّيتها، تا تسمعي صوتي متل رعد الجبل عا سطور كلّا نار من قبل الزمان، شعّلتها بالحبر تا صرخت متل صرخة يوحنّا المعمدان. عم إركض بها الليل متل الريح، متل البرق هلّي بالسما، والغيم خيل الحرْب، فرسان وعَبيد زغار، وقلاع الحجر، ومخزّقه تياب الحقول الخضر عا مَدّ النظر. قدّيش بَدّو بعْد يغمرْني الشتي، إتْصوَّر وإبعت من غْيابي صوّر؟ عمري تركني وراح. تركوني الغجر ببلاد ما فيها شجر. روحي ما بعرف وين؟ ما بعرف مصيري. هون عم خرطش لكي بيوت الشعر... مطلع وحيد... وما قدرت أفهم كلامي... كيف بدّو يطْلع الشعر الحلو من محبَرة جرحي الغميق؟ وإنتي ما فيّي لقيتْ عا ذوقِك قصايد من عَقيق. غير السكت ما قدرت إهدي... وما قدرتْ إشرح لكي إنّو هَواكي من حريق. من صرخة البركان، من نغمة قصب. حُبّي لكي ما بينْكتبْ... إلاّ بقصيدِه من غضبْ.

***

حُبّي لكي الغيم اللي فوق المملكِه. القمح. الفجر. وجنينة الفيها عَبير الياسمين. حبّي لِكي أحلَى من غناني الطيور الطايرَه فوق الشجر. أعلى من سيوف الملوك الفاتحين. ساعات هادي متل طفل زْغير عا مَرجُوحتو. ساعات بيهبّط دِني، وبْيتْرك جْوانح سُنونو عالرَّصيف منتّفين. هُوّي التناقُض... صرتْ مِنّو إهرُب وهُوّي معي. وكلما قلت: بدّي شي لحظه نام، لحظه غمِّض العينين، بيفِيق الحنين. كلّ القصص عنونتها إنتي وأنا، وإنتي وأنا متل الحياة معذّبين.

***

يا زْغيَّره وخصْرك عِلي، متل الكأنّو حَور عا مرايِة سَما. وصوتِك ورايي، بْيـِطلَع من الأرض، وبْيحْكي معي... ولولا قلت ما بِسْمعو، بيضلّ طُول الليل قدّامي، وأنا شاعر وحيد. ليلى ما إنتي ولا هند، إنتي إلاهه من قبل فينيقيا، عيونِك بُحيرَه ضاع فيها ناس، وشفافِك عِنب أحمر تا فيّي إقطْفو عربَشتْ عا أعلى جَبل، علّقت حالي بالهوا، وما قدرتْ حَبِّه طالها. وتا ضَلّ إقشع درفة الشبّاك، تا إبقى عا طول العمر شمّ العطرْ من فستانك الكلّو زَهر، قاعد بنصّ الشارع بغنّي لكي، والناس وقفو بالبرد تا يسمعو، قلتلّهن روحو اسألوها كيف هالشبّاك ما بيفْتَح إلو مِيّة سنِه، وشوقي لها أكبر من بحور الدّني؟

***

هيدي حياتي، عايش بلا قلب، من وقت اللي قلبي راح تا يزورِك بفيّ القنطره. والناس قالو: حالْتك حالي، وأنا بالسوق عم دوّر عا قلب جديد، لكنْ... سكّر البيّاع من شهرين، ودْروبي عا طُول مْسَكّرَه.

________________________

مشروع الأديب د. جميل الدويهي " أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني أستراليا

لا يتلقّى مشروع أفكار اغترابيّة أي دعم أو مساعدة من مؤسسات حكومية أو غير حكومية.

هو مشروع شخصي أطلقه الأديب د. جميل الدويهي عام 2014-2015، ويعمل بمحبة الناس وتقديرهم للدور الأدبي الكبير الذي يقوم به المشروع لتطوير الحركة الأدبية، وإبراز الوجه المشرق لحضارتنا وثقافتنا العريقة.

يقوم أفكار اغترابية على تعدد في الأنواع الأدبية، ورعاية الأقلام المبدعة واحتضانها... وتحديث في وسائل التعبير، بهدف إطلاق النهضة الاغترابية الثانية من أستراليا. 

_____________________________

 

قصيدة الشاعر د. جميل الدويهي "كلما طلعتْ عا خيمتي"

في جريدة "نداء الوطن" - بيروت - عدد السبت 2 كانون الثاني 2021