Search
  • Jamil Doaihi

الشاعر نمر سعدي- فلسطين: إيقاعات رعوية


(1)

لا أسحبُ من قصيدةٍ يديَّ في الليلِ

ولا أغفو لأستريحَ من لواعجِ النهارِ

لا أمشي لكي أبلغَ ايثاكا وكي أُقارنَ الصدَّ بمعنى الوصلِ

أو جرحي بوردِ الريحِ

هل تسحبُ غالا عطرها من زرقةِ الشبَّاكِ في لوحةِ دالي

وهي في أقصى حنينِ الروحِ؟

هل تغمضُ إلسا وردةً في قلبها من غيرِ أن يكونَ فيها وجهُ أراغونَ؟

كلُّ امرأةٍ إلسا

لها من رغوةِ التفَّاحِ جسمٌ هائجٌ

ومن حفيفِ الماءِ صوتٌ ناعمُ الفحيحِ

يستديرُ نصفُ قمرٍ في وجهها النائمِ كالمهزومِ بعدَ الحربِ..

لا يشيرُ للأعلى لا ينوحْ

*

(2)

لا أتبعُ الغاوينَ، لا يتبعني غيري

أنا الهائمُ بينَ المتنِ والهامشِ، بينَ الصوتِ والصدى

وبينَ امرأةٍ تولدُ من جمالها، وشاعرٍ يولدُ من مجازهِ

لا أتبعُ الغاوينَ، لا يتبعني الغاوونَ

لي من آخري المسكونِ بالناياتِ تأويلٌ

ولي تفَّاحةٌ عذراءُ لا تقربها حوَّاءُ

لي ضفيرةٌ صغيرةٌ مطويَّةٌ في آخرِ الديوانِ

لي أنوثةُ النثريِّ في (مدامِ بوفاري)

ولي الشعريُّ في (نهايةِ التاريخِ) أو في (معجمِ البلدانْ)

*

(3)

ليسَ يا دو موسيه بالضرورةِ أن يجعلَ الألمُ الفذُّ منَّا عظاماً، أتذكرُ جورج صاندَ يا أتعسَ العاشقينَ؟ أنا أتذكَّرُ كلَّ شبيهاتها العابثاتِ، وأعرفُ كلَّ وريثاتها، لا تقل لي بأنَّكَ ما زلتَ تعشقُها، لا تقل لي بأنَّكَ... لا شيءَ، لا شيءَ، قلبي عليكَ، لأنَّكَ قطَّرتَ من أجلها كلَّ كحلِ لياليكَ حبراً يضيءُ، لو أنَّكَ كنتَ قسوتَ قليلاً على من تحبُّ، لو أنَّكَ عالجتها بالفراقِ، وعاجلتها بالعناقِ، لخلَّصتَ قلبكَ من مخلبِ الحبِّ في جسمها، ولنمتَ قريرَ الرؤى في سريرِ الأبدْ.

*

(4)

رجلٌ إلى امرأتينِ في امرأةٍ يقولُ لمن تعالجُ بالصدودِ غيابهُ عنها: احملي عني الغيومَ لبرهةٍ كي أستريحَ من الوقوفِ على طلولِ الذكرياتِ..

يقولُ للأخرى: انزلي من برجكِ العاجيِّ كيْ تخضرَّ هذي الأرضُ بعدَ مرورِ أنكيدو.. انزلي من شهوةٍ بيضاءَ في سفرِ المزاميرِ.. انزلي من قطرةِ الصلصالِ

في أثوابِ آدمَ.. من بكاءِ العطرِ.. أو من دمعةِ التفَّاحِ يا حوَّاءَ أحلامي..

أراكِ الآنَ فيَّ وفي الظلالِ تعانقينَ الصيفَ..

أشربُ عزلةَ الشعراءِ والمتسوِّلينَ

وأنتِ كالمتأملِّينَ البحرَ ترتشفينَ قهوتكِ المضاءةَ بالنعاسِ وبالنيونِ

أعيشُ منقطعاً عن الأشعارِ، فيما أنتِ تنشغلينَ بالأزهارِ عن كلِّ الحروبِ

وتبحثينَ عن المرايا المستحيلةِ والفوارقِ بينَ شكلِ يديكِ والسونيتِ

قلتُ كشاعرٍ يهذي: الوحيدةُ في الحياةِ وفي النساءِ هيَ الجميعُ

هيَ الحديقةُ والصديقةُ والرقيقةُ كالفراشةِ والأنيقةُ كالعروسِ

هيَ المصابةُ بالسنابلِ والمحاطةُ بالسواحلِ والشموسِ

فقلتِ: لا النعناعُ يكفي كي أُقطِّرَ من ندى عطري ولا الليمونُ

عالجْ رغبةَ امرأةٍ برائحةِ الزنابقِ كيْ ترى..

أو عاجلْ امرأةً تُسمِّيها القصيدةَ.. بالصُدودْ

*

(5)

الحياةُ التي لا تكونُ قصيدةَ حبٍّ على شفتيْ عاشقينِ

أو امرأةً سكبتْ شهدها لطيورِ الشمالِ..

الحياةُ التي لا تكونُ طريقاً عموديَّةً للطفولةِ

أو وردَ شاعرةٍ يتفتَّحُ في ليلها

ويعانقها وحدها ثمَّ يقفلُ أكمامهُ

هيَ ما لا أفسِّرُها بالكؤوسِ التي فرغتْ آخرَ البارِ..

لا بالرياحِ التي أعولتْ في الدماءِ

ولا بسكارى السواحلِ والراقصاتِ النحيلاتِ..

تلكَ الحياةُ التي لا تكونُ سوى قُبلةٍ في كتابٍ.. وما بعدها

*

(6)

الجميلاتُ يتركنَ سهواً رسائلَ عشَّاقهنَّ

ويذهبنَ للصيفِ أو لاصطيادِ الندى..

لستُ عرَّابهنَّ.. ولستُ الوصيَّ على شهدِ أجسادهنَّ..

الجميلاتُ يتركنَ للشعراءِ صدى الماءِ خلفَ الصحارى

أو القمحَ خلفَ الأغاني

يقلنَ لعشَّاقهنَّ: عناقيدنا المشتهاةُ قناديلُ أجسادكم..

لا تروموا سوانا

فلن تجدوا في مدينتكم نسوةً غيرنا

*

(7)

نادلةٌ خضراءُ العينينْ

ترسمُ فوقَ الحائطِ أشجاراً وبحيراتٍ تنضحُ بالدفلى

وتئنُّ لأنَّ حبيباً ما ودَّعها في النصفِ الآخر من نهدِ الكرةِ الأرضيَّةِ..

كالظبيةِ يتبعها منِّي شبحٌ يتوزَّعُ في ذئبينِ

فتدخلُ في إحدى لوحاتِ الحائطِ هرباً

أو تأكلُ تفَّاحةَ شهوتها خلفَ حديقةِ بيكاسو ليلاً

وتراني من برزخها الجسديِّ

أُطيِّرُ غيمةَ قبلتها وحدي في الصيفِ كطائرتي الورقيَّةِ

فيما ترمقني من غيرِ مبالاةٍ وبنظرتها البلهاءِ

تحاولُ أن تمسحَ رغوةَ غزلي عن قدميها

وأنا أطفئُ شغفي بأصابعها الولهى عن بُعدٍ

مشتعلاً بالوجدِ ومسكوناً بالحُمَّى في الما بينْ

*

(8)

لظهيرةٍ خضراءَ أو للقطَّةِ البيضاءِ أكتبُ

للفراشةِ، للحنينِ وللصدى الأبديِّ في أقصى الهشاشةِ

لاحتراقاتِ المحبِّ

لما يشفُّ الماءُ في تنهيدةٍ عن ضوئهِ الجسديِّ.. أكتبُ

للرمالِ البيضِ تغمرُ ساحلَ امرأةٍ

تقولُ لشمسها: انتظري لأكبرَ أو تعالي نشربُ الليمونَ بالنعناعِ

أكتبُ «للرياح العاتياتِ كأنها تعوي بأسماء النساءِ الميِّتاتِ هناكَ من زمنٍ طويلٍ»

أو بأسماءِ الرجالِ الميِّتينْ

*

(9)

لغتي لا تعبِّرُ عن أيِّ شيءٍ

ولا تتناسبُ مع شكلِ حبٍّ حديثٍ

وينقصها كي تلائمَ تسريحةَ امرأةٍ

وتصاميمَ قمصانها وفساتينها

سهرٌ عائليٌّ على السطحِ

أو غزلٌ جاهليُّ المديحِ

وينقصها كيْ تقولَ الذي لا يقالُ

خريفٌ سريعُ الزوالِ

غموضُ الأنوثةِ في الأربعينَ

الكثيرُ الكثيرُ من الماءِ والأقحوانِ

وخبطُ الفراشاتِ في أوَّلِ الصيفِ

أو رقصةُ اثنينِ في الظلِّ

طعمُ اشتباكِ الأصابعِ فوقَ السريرِ

بكاءُ الحريرِ على رغوةِ البحرِ

تنهيدةُ الأربيعنيِّ لامرأةٍ في القطارِ

حديقةُ قلبِ المتيَّمِ

تفَّاحةُ الليلِ

أو ملتقى جسدينِ يصبَّانِ في ساحلٍ ناحلٍ

واحتراقٌ بلا أيِّ نارٍ وأضغاثُ حلمٍ وريحٍ

وبيتٌ يقولُ: أُحبُّكِ أو لا أُحبَّكِ حبَّينِ

لكنني أتخفَّفُ من نزوتي إذ أحبُّكِ

أنتِ تفاصيلُ يومي الصغيرةُ

أنتِ تشرُّدُ روحي وأنتِ مصبُّ الجسدْ

*

(10)

في كلِّ عامٍ ينضجُ الصُبَّارُ في النسيانِ

أو تنحلُّ خاصرةٌ من الضوءِ الكثيفِ

ويقتفي جسدٌ شبيهٌ بالرخامِ عروقهُ في نبتةِ الكاذي

وفي معنىً يضيقُ عن الحديقةِ

واتِّساعِ اللفظِ في ليلِ التخاطبِ..

لي خريفُ النايِ

لي جيتارةٌ بحريَّةُ التكوينِ

لي في كلِّ أُغنيةٍ يدانِ تسرِّحانِ ضفيرةً

لا ريحَ تنهرها عن الجريانِ

أو لا شخصَ يبصرها

تؤلِّفُ بينَ سهلٍ سنابلٍ عطشى

وماءِ زنابقٍ حيرانْ

*

(11)

الشوقُ ملحُ حياتنا العسليُّ أو أثرُ البنفسجِ في الدماءِ

توهُّجُ الرغباتِ، أنصافُ المكائدِ في النساءِ

حبائلُ التُفَّاحِ، فوبيا الماءِ والتقبيلِ

رائحةُ الحُداءِ العذبِ

موجُ القمحِ، تمُّوزُ الشهيُّ

طفولةُ الشعريِّ في الأشياءِ

ذاكرةُ الندى

وغموضُ فعلِ الحُبِّ في يونيو

هروبُ مراهقاتِ الصيفِ للعُشَّاقِ

والنثريِّ للايقاعِ

والجيتارِ للأحلامِ

والأزهارِ للأحداقِ..

كيفَ عناقنا الأبديُّ يحطمنا كنملٍ حائرٍ فينا

وتجمعُ شملنا وتضيئنا الأشواقُ؟

*

(12)

الرحيقُ المقطَّرُ ريقُ امرأةْ

في الحديقةِ تقرأُ كونرادَ أو تتململُ من شدَّةِ القيظِ

تضحكُ حين أغازلها مازحاً:

من ندى الأقحوانِ رضابكِ يُلصقُ حدَّ اللفافةِ

تبغكِ عطرُ قرنفلةٍ تتعرَّى لتسبحَ

في ماءِ إحدى مراياكِ...

*

#كتاب

0 views0 comments