Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي يكتب عن نص لنبيل عودة


نص نبيل عودة:

شاعر أصيل: لا اريد ان يتعرضوا لديواني بالنقد

حدثني صديق عزيز وشاعر مبدع اثبت نفسه على الساحة الأدبية، انه في سبيله لإصدار ديوانه الشعري الجديد.

قلت له بلا تردد، ان ذلك بشارة خير لعلها تساعد القارئ على التمييز من جديد بين الغث والسمين مما ينشر من شعر في بلاد صار الشعر فيها عقاب للقارئ.

قال: ولكني خائف من النقد.

استهجنت خوفه. فسارع يقول: لا أقصد الخوف من النقد الادبي، انما احتقر النقد الذي يسود صحافتنا ويسود بياض صفحاتها.

قلت: اذن اكتب مقدمة للديوان اذكر فيها ان نقد الديوان ممنوع الا لمن يحصل على اذن مسبق من الشاعر، وكل من يتجاوز ذلك، سيجازى قضائيا بتهمة التشهير وتجاوز الحدود.

ضحك حتى كاد يختنق.

عندما استعاد انفاسه اضفت: كنا في مشكلة ادبية واحدة فأصبحنا في مشكلتين.

سأل: ماذا تعني؟

أوضحت: كنا نتحدث عن فوضى الشعر في بلادنا، والمستوى المتدني لما ينشر، فبرز من يحول الفوضى والشعر المتدني الى شعر عبقري وابداعات لا مثيل لها منذ فجر الحضارة، حتى تبدو الياذة هوميروس بجانب الشعر غير الناضج الذي شحذ اقلام نقادنا الاوادم وسحرهم، عملا ضحلا ساقطا.

وواصلت القول وهو مصاب من جديد بالإغشاء ضحكا: حتى محمود درويش لم يحظ بمثل هذا المديح المنفلت وهو في قمة عطائه قبل ان يغادرنا. ولا أذكر ان شعراءنا المعروفين، بدءا من توفيق زياد وسميح القاسم وحنا ابو حنا وحنا ابراهيم وجمال قعوار وفوزي عبدالله وسالم جبران وغيرهم، حظوا بمثل هذا التقييم كعباقرة الشعر، كما يحدث اليوم فيما يسمى نقدا.

التقط انفاسه وسأل: والحل؟

قلت بلا تردد: أن نشترك بالتهريج !!

- كيف ؟

- من تجربتي الخاصة ، اعرف أن المصارحة لا تنفع وتحولك الى عدو لئيم وحقود... لذلك الحل بإضافة المدائح بلا حساب، وجعل الناقد قمة العبقرية .. والمنقود أبرع المبدعين وألمعهم.

- أي التخريب ..؟! سأل. فأجبت:

- الكلمة الصادقة لا تفهم .. المبالغة بلا منطق وبلا عقل هي أفضل تنبيه للمجزرة الأدبية التي ترتكب دون عقاب.

عبر عن خوفه من أن ذلك يقود الى مزيد من الغرور، لدى من لا يفقهون معنى الأدب والابداع الأدبي، ممن يحملون صفة الشعراء عنوة، أو يركبون حمار النقد بالشقلوب .. هذه المدائح الساخرة تزيدهم غرورا.

قلت: ربما .. ولكن القارئ سيفهم، وهذا هو المهم. وأضفت: أحد أصدقائي المقربين، والقريب من آرائي الثقافية أيضا، يمارس على موقع من مواقع الانترنت المديح المبالغ فيه ... والموقع ينشر والمهزلة مستمرة ... وبعض ردود الفعل التي وصلته تشير الى ان " السبت فات .. " وبدأ البعض يستهجن المديح .. ويبدو ان المدح بلا شواطئ أفضل من الكلمة الصادقة في عصرنا الشعري المريض ..

- " ولكن من يستوعب ان المبالغة في المدح هي ذم ؟" وأضاف :

- المهم كيف سأحل مشكلتي بأن لا يتعرض لديواني من أحسنت وصفهم ...؟

قلت: كن جريئا واطلب مباشرة ممن لا تراه أهلا لمراجعة ديوانك أن يبعد شره عنك .. والا صنع منك شاعرا كبيرا، وهذا انت تستحقه بجدارة .. ولكنك كبير مع خنافسه الشعرية، وبأسلوب ممجوج خلو من الفكر الثقافي والنقدي واللغوي.

قال بحزن: أنا في مشكلة.

سألته: هل تريدني أن أقوم بالمهمة بدلا منك .. أنا لا أتردد ..؟

تأخر في الاجابة، فسارعت أقول: هل اعتبر صمتك صمت العروس؟

فأجاب بحيرة واضحة: لا أستطيع أن أكون فظا.

غضبت: وهل تعتبرني فظا؟

اعتذر: اطلاقا لا، أعتبرك أجرأ من حمل القلم .. وأتمنى أن يكثر أمثالك.

قلت: لا تمدحني أكثر من اللزوم حتى لا يصبح مدحك ذما ..

وأنهينا الحديث، وصديقي الشاعر المبدع الأصيل، حائر كيف يطلب من بعض مهرجي النقد أن لا يكتبوا عن ديوانه الجديد?

nabiloudeh@gmail.com

***

تعليق د. جميل الدويهي: كوميديا هي شرّ البليّة

لا يكف الأديب والناقد العربي المخضرم الأستاذ نبيل عودة عن إضحاكي، فمن قصص الديوك التي تتعاطى السياسة والفسلفة إلى قفشات كوميدية هي في الحقيقة شرّ البلية، وقد صاغها النبيل المبدع في قوالب قصصية أو حوارية جاهزة للتصدير، ومكتوب عليها: "إحذروا شدّة الضحك أيها الحزانى والمتألمون".

ومن آخر هذه القفشات حوار بين النبيل وشاعر أصيل تحت عنوان "لا أريد ان يتعرضوا لديواني بالنقد". وإذا علمنا السبب بطل العجب، فالشاعر يريد أن يصدر ديواناً، ولا يريد أن يتناوله نقاد العصر وجهابذته بالنقد. وكلنا يعلم حالة النقد في الزمن الحاضر، وفي آخر اتصال هاتفي بيني وبين النبيل، حين كان في مدينة بيرث الأسترالية، أبدى عجبه من أن النقاد لا يتناولون أعمالي، على الرغم من الحالة الأدبية التي أوجدتها في أستراليا والتي يعترف بها الأبعدون قبل الأقربين. وأنا والحال هذه مستغرب جداً، حتى بت أعتقد أن النقاد لا تهمهم الأعمال الجيدة، بل ينصرفون إلى نقد الصداقات والصحبة، وأكثر من ذلك، تحظى بعض السيدات من الأدباء بكم هائل من المديح والتدليل، قياساً بأعمال ذكورية هي روائع، حتى بتنا نطالب بأقل قدر من المساواة مع النساء في المجال الأدبي.

وعلمت أن النبيل نفسه تعرض لحملة عشواء بعد أن انتقد أعمالاً هزيلة وأظهر ما فيها من ركاكة، وأعطى أمثلة دامغة، وتساءل عن مواطن الشعر فيها، فكان صدقه وفهمه، وتحليله الصحيح وبالاً عليه، وربّما لأجل ذلك لم يعد يتعاطى النقد إلاّ قليلاً.

ولأن شاعرنا، موضوع الحوار مع النبيل، يحتقر النقد الذي يسوّد بياض الصفحات، يقترح عليه نبيل أن يكتب مقدمة للديوان يذكر فيها أن نقد الديوان ممنوع الا لمن يحصل على اذن مسبق من الشاعر، وكل من يتجاوز ذلك، سيجازى قضائيا بتهمة التشهير وتجاوز الحدود.

والطامة الكبرى كما يبدو من الحوار هي أنّ هناك من النقاد أو أشباه النقاد من يحوّل الفوضى والشعر المتدني الى شعر عبقري وابداعات لا مثيل لها منذ فجر الحضارة، حتى تبدو الياذة هوميروس بجانب الشعر غير الناضج الذي شحذ اقلام نقادنا الاوادم وسحرهم، عملا ضحلا ساقطا، فحتى محمود درويش لم يحظ بمثل هذا المديح المنفلت وهو في قمة عطائه.

وما يقوله الحوار أكثر من صحيح، ففي أستراليا مثلاً تشحذ أقلام "النقاد" مديحاً لأعمال ضعيفة، وتسكت عن أعمال جليلة، فبارومتر النقد هو الصداقة وليس الإبداع، وبات اشاعرهم أشبه بالحاكم العربي الذي يمدحه المحظيون في انتصاره وانكساره، ولا يفوتون فرصة لوصفه بأوصاف مجيدة أين منها الأوصاف التي أغدقت على الحاكم بأمر الله؟ بينما أديب آخر أكثر إبداعاً وتنوعاً يعاني الإهمال والتجاهل، ويخوض حروبا طاحنة ليبقى على قيد الحياة.

وعبثاً تحاول أن تقنع الناس بأن الأدب ليس شعراً فقط، ولا هو شعر الزجل، كما أن الرمزية ليست تعمية وطلسمة وذراً للرماد في العيون، فيحدجونك بنظرات الشفقة، كما يحدجون العييّ الذي يخبط خبط عشواء ويقع في حفرة. كما من العبث أن تطالب بأن يكون للذهب والياقوت سعر أغلى من النخالة، وأن تقول إنّ الفواكه المتنوعة التي تضحك في صناديقها أجمل من فاكهة ممصوصة لا تنفع لشيء. وكم يؤلم المبدع هذا الكم الهائل من الفظاظة والتعدي على الأدب من كل فج وعميق، وفأصبح الجاهل الذي لا يعرف الكتابة كاتباً وناقداً، لأن هناك من يكتبون له، ويوقعون باسمه، في فضيحة مجلجلة.

وينتهي الحديث بين نبيل والشاعر المجهول، الذي يبقى حائراً كيف يطلب من مهرجي النقد أن لا يكتبوا عن ديوانه الجديد؟

وهذا الحوار الملتزم يعبر عن واقعية صارمة، وحالة ثقافية نعيشها، ونبيل عودة واحد من رواد الثقافة والمهتمين بالقضايا الثقافية، وهو يقارب الموضوع بطريقة مغايرة للمألوف، فمن الشائع أن الأدباء والشعراء يتلمسون الطريق إلى نقاد ليتحدثوا عنهم ويشيدوا بأعمالهم، لكن هذا الشاعر الذي أعتقد أنه من مخيلة عودة، يشترط أن لا يكتب عنه النقاد لكي ينشر كتاباً، وفي هذا أعجب العجب، وهو عجب مضحك، من جعبة نبيل عودة التي لا تخلو من كل جديد وطريف... وإبداعي...

#كتاب

4 views0 comments