Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: يعرفون عنّي أكثر من نفسي


يدخل الأشرار من ثقب الإبرة، من تحت الأبواب. إلى سريري يدخلون، بأحذيتي يتعثّرون... يقلبون الموائد. فأصرخ: بيتي لم يكن يوماً مغارة للصوص وباعة الحمام. وهذه الموائد ليست للصيارفة، فاخرجوا من سكينتي وهدوئي. واذهبوا إلى مكان آخر لتسكنوا فيه... والأشرار يعرفون بما أفكّر، ينطقون عنّي. يقتلعون لساني ويركّبونه على أفواههم، ويأخذون منّي أسراراً لا أعرفها عن نفسي، فأستغرب... وأعجب كيف أنّهم ساعدوني على التمييز بين الحقيقة والكذب. يستحقّ الأشرار جائزة نوبل للاختراع، فقد اخترعوني وألبسوني وحلقوا لي... وزوّجوني، ثمّ جعلوني أترك زوجتي وأهرب مع امرأة أخرى في جزيرة معزولة. وهناك قبض عليّ جماعة من اللصوص وغطّسوني في بحيرة الملح فخرجت منها فاقد الوعي، لا بصر لي ولا بصيرة، وأخذ العابرون يتذوّقونني ويشمئزّون. كلّ هذا حدث في سنوات عمري ولم أعرف به إلاّ من الإذاعة الرسميّة. ظننت أنّ النشرة عن إنسان آخر، حتّى ذكروا اسمي، فارتعدت فرائصي لأنّ كلّ الذنوب هي ذنوبي ولم أرتكب واحداً منها، فمن أخبرهم بأنّني أنا الإنسان الآخر؟ وهل صحيح أنّ المرء يجهل نفسه إلى هذا الحدّ من الغباء؟ الآن فهمت أنّني كنت في حياتي مزوّر عملة... مخادعاً كثعلب، وعندي وجه آخر لا يشبهني، لذلك أبكي على وجهي، وأنوح على صوتي الذي كان أرقّ من صوت فيروز... فقدت كلّ شيء من أجلهم، فهم المبدعون والبارعون في استنباط الأفكار، القيّمون على العدل الإلهيّ... ولا عدالة إلاّ في قوس محكمتهم... وسأظلّ أضحك حتّى الموت من جهلي بنفسي... طالما هم أحياء...

#كتاب