Search
  • Jamil Doaihi

كلود ناصيف حرب: الدويهي الجميل في "الإبحار إلى حافّة الزمن"


الدويهي الجميل

في "الابحار إلى حافة الزمن" فرادة المبدع والمحلق في غير سربه

بقلم: كلود ناصيف حرب

في روايته الثالثة "الابحار إلى حافة الزمن"، يذهب الأديب المهجري د. جميل الدويهي بنا في رحلة متعددة الأتجاهات: الأول اتجاه مكاني (من سيدني إلى هوبارت عاصمة تاسمانيا)، والثاني إنساني، والثالث وصفي، والرابع تأريخي، والخامس وليس الأخير قصصي جاذب يحبس الأنفاس. لقد حصلتُ على نسخة من الرواية، منشورة على موقع "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي، فالدويهي لا ينشر أعماله إلا في مهرجاناته التي أصبحت موعداً تنتظره الجالية بكل أطيافها، لما للأديب من مكانة إبداعية لا تخفى على عين بصير. وهو المتعدد شعراً ونثراً وفكراً وتأريخاً، وباللغتين. وإذا كان هناك من يستحق لقب "العبقري اللبق"، و"عميد الأدب المهجري" بامتياز، فهو الدويهي، والأعمال تحسب على الميزان وبالمقارنة، وليس بغير ذلك. وأجد من واجبي، وللأمانة، أن أضيء على واحد من أعمال الأديب المتميز الذي يقول عنه أحد كبار الأدباء العرب إن أعماله واجهت كثيراً من التجاهل الذي يثير الدهشة والاستغراب. باختصار، تبدأ الرواية بمقتل جون أندرو على يد سامنتا، وهي امرأة تملك حانة في قلب مدينة سيدني، والبطل، ريتشارد فنسنت، الذي هو صورة عن الدويهي نفسه، إنسان متشرد يتسكع من شارع إلى شارع، يكون مشبوهاً في قضية مقتل أندرو، ليظهر أن سامنتا هي القاتلة، بسبب اعتداء جون أندرو عليها. ولأن ريتشارد يرتعب من الدم، يتخلى عن سامنتا ويرفض العودة إليها، حتى بعد ثبات براءتها. ويعود إلى حياة التشرد، فيلتقي بروبرت، وهو مغامر أميركي يرغب في استكشاف تاسمانيا، فيذهب معه ريتشارد، حيث يلتقيان بستيف (صديق قديم)، وبامرأة تدعى ماريان، هي التي تقود المركب إلى المجاهل التاسمانية. وفي الغابات الكثيفة تتحول القصة إلى سلسلة من الوقائع الدرامية، حيث يَقتل ستيف روبرت طمعاً بخارطة يحملها وفيها إشارات إلى كنز مزعوم، ويحاول ستيف الاعتداء على سامنتا، فيقتله ريتشارد، في استعادة مطابقة لشريط مقتل جون أندرو على يد سامنتا... وأخيراً يعود بطل القصة وسامنتا إلى هوبارت وقد اكتشفا النمر التاسماني، وهو حيوان يعتقد الناس أنه انقرض منذ الثلاثينات من القرن الماضي. وتحتوي القصة على كثير من الوصف لطبيعة أستراليا وغاباتها، وعلى وقائع تاريخية وتسجيل لحوادث جرت في الماضي، يسوقها الأديب من خلال القصة من غير أن ينفصل المنحى التاريخي عن المنحى السردي، فيمتزج الأدب القصصي بأدب الرحلة، وبالأدب الوثائقي... ولا يشعر القارئ بأي ملل، بل تدهشه تلك الروايات التاريخية التي لم يسمع بها من قبل، فينمي ثقافته ومعارفه. وليس جديداً أن أقول إن الرواية مليئة بالجمالية، من أي الجهات أتيتها، وتمنيت على الأديب الدويهي أن ينشرها بالانكليزية لأن الحقائق التي تحتويها قد لا يكون الآلاف من الأستراليين يعرفونها، وفي اعتقادي أن قليلاً من اللبنانيين مثلاً، يعرفون خرافة البانييب (الغول الأسترالي)، وأنا شخصياً لم أعلم شيئاً عنه قبل قراءة القصة، ولم أسمع في حياتي قصة المغامر دوغلاس ماوسن، ولا قرأت عن تروغانيني... ولا قصة السجن الرهيب بورت أرثر... وغير ذلك من القصص الصغيرة التي يحشرها الدويهي في السرد، فيغني القصة ويجملها. يقول الدويهي عن البانييب: "سمعت عن "البانييب" من قبل. فعندما كنت صغيراً كانت أمِّي تخبرني عنه. كانت تصدِّق أنَّه موجود، كالأستراليِّين الآخرين الذين ليس عندهم غول، فوجدوا في "البانييب" حيواناً يعوِّض عن خسارتهم، وكأنّ وجود الغول أو ما يشبهه ضرورة لا بدّ منها. كان وجود "البانييب" في نظر هؤلاء شيئاً مقدَّساً، ولا يخضع للمناقشة. ومنهم كتَّاب وشعراء وفلاسفة ومتعلِّمون يقولون إنَّهم شاهدوه: حيوان كبير، له رأس صغير، وأذنان ضئيلتان. أسنانه بارزة إلى الخارج، وظهره واسع يشبه الطاولة، وليس له ذنب. وسمعوا صوته: مثل صوت مدفع أو انفجار أو هدير الرعد... وزعم بعضهم أنَّه حيوان برأسين يعيش في البحيرات والأنهار، يزأر كالأسد، أو ينبح كالكلب أو يغنِّي كالطائر. وادَّعى آخرون أنَّ "البانييب" يختبئ في الأماكن المظلمة ويختار ضحاياه بعناية. إنَّه يفضِّل النساء على الرجال... ربَّما أكون أنا واحداً من "البانييب"”! ولست أنا من يكشف لأول مرة عن أسلوب الدويهي الجمالي بامتياز، فهو شاعر متعدد الأنواع، وله خبرة طويلة في حقل الصور والرموز، وهذا انعكس على القصة، فالدويهي ليس متزمتاً في السرد، بل هو منفتح على الصورة الشعرية الجمالية التي تظهر هنا وهناك، في وصف الليل، والبحر، والغابة، والمطر... وأمور أخرى كثيرة، فلنراقب كيف وصف الدويهي الغرق في البحر، بأسلوب جمالي لا يخطر في بال: “من الصعب أن أتخيَّل كيف يغرق إنسان. لعلَّ قلبه يتخلَّع، وهو يشاهد الموت ينقضُّ عليه بسرعة، ويضغط بجسده إلى أسفل. يقاوم بضعف ويأس، وربَّما يبكي بكاء لا يسمعه أحد. يفكِّر بالله، في لحظة، ويراه. ليس هناك وقت للصلاة، ولا للتفكير بشيء، ما عدا الخلاص. البحر يدخل إلى رئتيه... يصدمه في فمه. في أنفه. في أذنيه فترتجَّان. وتصبح عيناه مثل كهفين في قعر المحيط. يريد أن يعاتب، يشتم، يصرخ، يعاند، يمزِّق، ويصارع... يرى سواداً يحيط به، ويطبق على قلبه. وفي أقلَّ من لحظة يتلاشى، ويدخل إلى الموت والملح في فمه”... لقد شعرت وأنا أقرأ هذا المقطع بفظاعة الغرق، فأي كاميرا خفية تستطيع أن تسجل مشاعر الإنسان الذي يواجه الغرق ويموت في قاع البحر، أدق من كاميرا الدويهي الخيالية؟ ويكمل هذه الجمالية عنصر المفاجأة الذي يشد القارئ ويدفعه إلى قراءة القصة دفعة واحدة من غير تأجيل، وكم من الناس قرأوا من قبل "طائر الهامة" القصة الرائعة للدويهي، ولم يتمكنوا من مغادرتها لحظة واحدة قبل الانتهاء من قراءتها؟ هذه هي فرادة الدويهي، المحلق في غير سربه، المبدع الذي لا يترك نوعاً من الأدب إلا ويسير إليه واثق الخطوة، ملكاً... وكأن الابداع مرمي على الطريق هو يلتقطه بأطراف أصابه أو بأذيال ثوبه. من هنا فإن الدويهي لا يتفاخر بأنه شاعر، بل يقول إنه أديب، وقد أثبت ذلك في أعماله الفكرية، وفي رواياته وقصصه القصيرة، فالشعر جزء بسيط من تألقه وتفرده... ومكانه في الحركة الأدبية حيث لا يجرؤ الآخرون. ولأن الدويهي مفكر، فإنه لا يترك فرصة للإضاءة على القيم والأفكار الإنسانية، ونحن نعرف أن قصته السابقة "طائر الهامة" مفعمة بهذه القيم التي تظهر أمامنا ونحن نقرأ ونستمتع. وفي "الإبحار إلى حافة الزمن" تعود القيم إلى البروز، فالدويهي لا يقطع الصلة مع الفكر، منذ "طائر الهامة" حتى "الابحار إلى حافة الزمن"، مروراً بـ"معبد الروح" و"تأملات من صفاء الروح" و"حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، و"رجل يرتدي عشب الأرض"... وله فلسفته التي تقوم على التوازن الدقيق بين الجسد والروح... ويؤمن بقيم انسانية كثيرة، وكلما لاحت له فرصة يبثها في مقاطع من قصته: "تركنا الغابة وراءنا، فالغابة لأهل الغابة، ونحن أهل المدينة التي لا تغيب عنها الشمس. قلوبنا أضواء، وأحلامنا كواكب في السماء. وستمضي عصور كثيرة قبل أن نكتشف أنّ الروح التي في داخلنا هي أهمّ ما لدينا، فلا ذهب، ولا أطماع، ولا حروب تغيّر الإنسانيّة التي نملكها، وهي صندوق الذهب الذي فينا. وهذا البحر هو الطموح المتمادي، هو الحياة التي لا تنتهي، وكلّ قطرة هي نبض قلب، وكلّ موجة هي حكاية تشهد وتتحدّث بما رأته من قديم العصور. لقد عبرَ على صفحة الماء بحّارة أشدّاء، وأبطال عتاة، غرقوا جميعاً، وطوى الموت مآثرهم، وبقي الجمال الذي في عيني ماريان. الجمال سيعيد خلقنا مرّة أخرى… وكم أتمنّى لو أنّ ماريان تعرف أنّ الذهب لا يزيد ولا ينقص! وكم أرجو أن اخبرها ذات يوم قصّة حياتي! وكيف أنّني رأيت الغنى والفقر لا يختلفان، فالغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والمارد والهزيل، يمتلكون معاً هذه الدنيا بما فيها”. وكما في قصة "الذئب والبحيرة"، وقصة "طائر الهامة"، عمليه الروائيين السابقين، يقدم الدويهي تحليلاً نفسياً وافياً لشخصيات قصته، فلا يمر مرور الكرام على أي منها، بل يمعن في تشريحها ليعرضها لنا بكل مواصفاتها، ففي بداية القصة مثلاً، يظهر المحقق لبضع دقائق فقط، ورغم ذلك فالدويهي يصفه وصفاً دقيقاً، ويقدم صورة حية عن نفسيته... وكل شخصية في القصة تمثل دورها بإتقان يشرف عليه الأديب – المخرج ذاته، فلا تفلت الأدوار من عقاله،ا بل تبقى تحت مراقبة العين البصيرة، وتمثل كل منها نماذج اجتماعية واقعية، فسامنتا هي المرأة الجميلة اللعوب التي تقتل رجلاً لا تحبه يحاول الاعتداء عليها، وروبرت هو الرجل الكريم الذي يحب المغامرة ويغدق على أسفاره من غير حساب، وستيف هو المحتال الذي يراوغ للحصول على ما يريد، فالخيانة لا تعني له شيئاً، لأن المال يعميه... وماريان هي المرأة الهادئة المحافظة التي تنتصر بالحب مع حبيبها... وتعيش معه. قصة "الإبحار إلى حافة الزمن" فيها الكثير من النواحي التي يمكن أن أتحدث عنها، لكن المجال لا يتسع... فهي عمل روائيّ رائع ويستحق التقدير، وأرجو أن يأخذ نصيبه من النقد، خصوصاً أنه من أدب الرواية الذي يقل في المهجر الأسترالي، ولا يقل أهمية عن أعمال أخرى حكي عنها الكثير.

#كتاب

0 views