Search
  • Jamil Doaihi

مريم رعيدي الدويهي: مأساة المبدع في نصّ "المحقّرون" لجميل الدويهي


أولاً: النص - من كتاب جميل الدويهي الفكري الثالث "رجل يرتدي عشب الأرض" ص 97

صدر عن مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي – سيدني 2018

المحقّرون: ​أقمتُ لمدّة قصيرة عند جماعة، ورأيت منهم في الأيّام الثلاثة التي قضيتها عندهم ما يشيب له شعر الغلمان، فقد أخذني أحدهم إلى جبل قريب حيث ترتفع أعمدة عُلّق عليها أناس كثيرون، فارتعبتُ من هول الشهد، وحزنتُ على هؤلاء الناس الذين تتأرجح أجسادهم في السماء الداكنة، وكلّما هبّت الريح يتمايلون، كأنّهم يسعون للقيامة من الموت. سألت الرجل عن هؤلاء المساكين، فأخبرني أنّ قومه من المحقّرين الذين لا يطيقون أن يكون بينهم إنسان يفكّر، أو يكتب، أو يتفلسف، أو يبدع في أيّ شأن من شؤون الحياة، وقد عاقبوا كلّ نابغة وطبيب وعالم، حتّى غصّت الجبال والأودية بتلك الأعمدة التي تنحتُ الفضاء بصريرها المتواصل. وقال الرجل أيضاً: لم يبقَ في هذه الأرض إلاّ بشر قليلون هم الذين يكتفون من الحياة بما قلّ، ولا يعملون إلاّ لكي يأكلوا ويشربوا. وسألني الرجل عن حالي، وماذا كنت أفعل في حياتي قبل أن أصل إلى دياره، فقلت له: أنا مزارع بسيط، لا يحدوني أمل إلاّ أن أزرع وأحصد وأعيش في الكفاف. فرحَ محدّثي فرحاً عظيماً، وبدا السرور على وجهه، وقال لي: يمكنك أن تبقى عندنا إلى ما تشاء، فنحن نعتبرك واحداً منّا. تالله ما أعدلَ المساواة، فليس لأحد فضل على أحد... لا بالتقوى ولا بعمل صالح! تركني الرجل ومضى في سبيله، وأنا لا أزال أحدّق في تلك الأجساد المصلوبة في عين الزمان، وترتعش روحي في داخلي من هول الحقيقة وفظاعتها. وبينما أنا في تلك الحال، مرّت قافلة من بلادي، فيها مكارون يعرفونني جيّداً، وما إن وقعتْ عيونهم عليّ، حتّى أسرعوا ليلقوا عليّ السلام، ويسألوني عمّا حدث لي، وكيف وصلتُ إلى هذه الناحية، فقلت لهم: إنّ دابّتي نفقت من العطش خلال سفري الطويل، وتهتُ في الصحراء حتّى اهتديتُ إلى هؤلاء القوم. قال لي أبناء بلادي: ونحن سنبيت هذه الليلة هنا، وفي الصباح، سنتابع طريقنا إلى بلاد الإفرنج. في ذلك الليل، لم يغمض لي جفن، وتسلّلت تحت جنح الظلام، لكي أفرّ من تلك البلدة، وأولّي الأدبار، ولم أعد أزورها من ذلك الحين.

ثانياً: تحليل النص

هو قصّة أقصر من قصيرة، والهدف منها ليس عنصر السرد كما يبدو، بل توصيل رسالة مهمة، وفكرة إنسانية. فالفكر يختلف عن الأدب في أنه يتقدم خطوة إلى الأمام ليتجاوز المفهوم الجمالي إلى مفهوم أكثر شمولاً وبعداً. وهذا ما فعله الأديب الدويهي في كتابه الرائع "في معبد الروح"، ومن الفئة نفسها "تأملات من صفاء الروح"... وكلاهما صدر باللغتين العربية والإنكليزية، وطبعاً في كتابه الثالث "رجل يرتدي عشب الأرض"، وقد جاءت الكتب الثلاثة في فترة من الفيض الأدبي عند الدويهي، حيث أصدر في أقل من 4 سنوات حوالي 20 كتاباً مختلفة الأنماط الأدبية، في تفرد وتنوع غير مسبوقين، وبزمن قياسي.

وفي النص الذي بين أيدينا، يجعل المفكر الدويهي البلدة التي وصل إليها، ربما عن طريق المصادفة أو القدر، مسرحاً صغيراً لحياة كبيرة، وهو قد واجه مثل هذه الحياة في أستراليا، ولحق به ما يلحق بأي مبدع أو "مختلف"، من إجحاف وتنكر وتجاهل، مقارنة بما يظهر عادة من"اهتمام" فظيع على المقلب الآخر من الحقيقة. فالبلدة تَحكم على كل مبدع أو فيلسوف أو مخترع بأن يُعلق على عمود ويُترك في الفضاء، كما عُلق الحلاج لكفر هو نوع من الإيمان، لم يفهمه الناس على حقيقته. وما يدمي القلب أن هذه المأساة لا تصيب فرداً واحداً على ذلك المسرح – العالم الكبير، بل تصيب كثيرين، فالجبال والأودية موقع لمقتلة جماعية، حتى بات الدويهي ينكر في موقع الجريمة، وأمام رهبتها، حقيقة عمله، فهو "مزارع بسيط" يعيش في الكفاف... وهذه الكذبة في الواقع هي حقيقة، لأن الدويهي مزارع بسيط في حقل الكلمة ويعيش في الكفاف، وما يزال منذ قدومه إلى أستراليا عام 1988، يبحث عن عمل ولا يجد، فبات يشبه العرب الرحّل في تنقلاته من بلاد إلى بلاد... واتسمت حياته بالاضطراب، والشعور بالخيبة والمرارة.

وفي اعتقادي المتواضع، أن نهاية القصة غير مفهومة، إلا إذا تمعنا فيها بعمق وتفكير مضن، فلماذا فرّ الدويهي من البلدة، وهو مطمئن إلى أنه "مزارع بسيط" ولن يعاقب ويعلق على عمود؟

إنها المصادفة، في ذروة الحبكة القصصية، التي جاءت بعدد من المكارين من بلاده، وهم يعرفونه جيداً، ويعرفون أنه مبدع. وهؤلاء سيبيتون في الليل عند أهل البلدة ويخبرونهم عن حقيقة الدويهي، ويكون مصيره العقاب، لكي تستقيم المساواة ويحل العدل...

في عالم الدويهي الخيالي كثير من النصوص التي لا تشبه شيئاً إلا صاحبها، وهذا هو الابتكار في لغة الدويهي النثرية. وعندما تقرأ له تعيش في عالم آخر، يتراوح بين الكذب والحقيقة، في سياق قصصي سوريالي، وهو مغرم بالسوريالية ومن قبلها بالرمزية. وتشعر معه كأنك تعيش في مشهد من أعمال الفريد هيتشكوك... قصص قصيرة غاية في الروعة وفي مناخ رعب وغرائبية، تصلح لان تكون أفلاماً قصيرة لما فيها من عمق ومعالجة إنسانية لمواقف حقيقية، يصوغها في قلب درامي جاذب يحبس الأنفاس.

#كتاب

1 view