Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: غبائي


مررتُ في شارع ضيّق لكنّ في أناساً كثيرين. سألني أحدهم: لماذ ترتدي الجميل من الثياب ونحن نرتدي أسمالاً ممزقة؟ فعطفت عليه وأعطيته ثوبي، وأصبحت أرتدي أوراق الغابات وأتغطّى بقماش زهيد الثمن. وسألني رجل آخر: لماذا كلامك من ذهب وأنا لا أتقن الكلام؟ فأعطيته من كلامي وصرت لا أعرف اللغةً، فمضى إلى أهله يخبرهم عن أدبه وإبداعه. وقال ثالث: لماذا أفكارك مضيئة وأفكاري عتمة دامسة؟ فاقتلعت أفكاري ووهبتها له، فراح ينشر تعاليمه ويعظ في الجموع، أمّا أنا فأصبحت تعاليمي بليدة ولا تنفع. وقال رابع: منذ عرفتك وأنا أحاول أن أقلّدك في كلّ شيء وأن أكون مثلك، ولو عن طريق الحيلة والخداع. ولكنّني لا أستطيع أن ألحق بك، فما تكاد تنجز عملاً حتّى تبدأ بآخر. ولن يهدأ لي بال حتّى أثبت أنّني أفضل منك... حزنت عليه لأنّه يشتهي مقتنى غيره، ويكذب من أجل الحصول عليه، فأعطيته إرادتي وعلمي وشهاداتي، فاغتبط وصار ذا شأن كبير. وبعد سنة مررت في الشارع ذاته، فصادفت أولئك الرجال الأربعة، وكانوا يرتدون ثيابي، ويتزيّنون بذهبي، ويتفاخرون بأفكاري ومعارفي... وما إن وقعت أبصارهم عليّ حتّى أخذوا يقولون عنّي أمام الجموع: أنظروا إلى هذا الصدّيق، لقد أمضى ردحاً من عمره في الجهاد والتعب، وما زال يرتدي أطماراً عتيقة، ويفتقر إلى الجواهر، وهو فوق ذلك جاهل وأحمق. مضت أعوام طويلة، وما زلت أعطي من ثيابي وأفكاري للناس، وكلّما أفتح خزائني، لا أجد فيها سوى غبائي. _______________

جميل الدويهي - مشروع أفكار اغترابيّة للأدب المهجري الراقي- سيدني 2019.

#كتاب