Search
  • Jamil Doaihi

مريم رعيدي الدويهي: قراءة لطفولة الدويهي وحاضره


مريم رعيدي الدويهي: قراءة لطفولة الدويهي وحاضره في نصّ هنا تسكن العاصفة - من كتاب "رجل يرتدي عشب الأرض"

نشرت في كتاب "إضاءات على فكر جميل الدويهي" (يصدر في 11-6-2019)

إنّها صورة جميل الدويهي الذي لم يأخذ حقه في الحياة، والذي قاوم الظروف والأقدار بصبر يشبه صبر الجبال على العواصف، وهنا، في قلبه تسكن العاصفة. في تحمله الصعاب وسنوات الغربة والضياع من بلد إلى آخر. هو المستعجل الذي يخاف أن يفقد اللحظة، وكل لحظة تعني له شيئاً، وكثيراً من العمل، وهو القائل: "أنا أكتب وأكتب وأكتب، والمجد لمن لا يكتبون”. وهو المتأمّل في الوجود الذي يشبه سفينة تعبر المحيط في غفلة من الزمان، فأمس جميل الطفولي مليء بالمشقّه وحاضره ليس أفضل. لذلك فإن حكايته خريف لا ينتهي... والسنونوة التي تركت بيتها ولم تعد هي حياته التي كان يفضل أن تكون حكاية فرح... لكنه تأبط يد الأحزان ومشى: "تلك السنوات الجميلة غادرتني، وطفولة أحبّها هي أغلى ما عندي، أرقّ من أجنحة الملائكة، أطيب من العبير”... الطفولة إذن هي أجمل ما كان يملكه الدويهي، ولم يبق منها سوى غبار الذكريات، وصور قليلة، إحداها مرسومة على وجهه، وعلى ابتسامته. ولماذا يصمت الدويهي على حافّة بئر عميقة؟ لأنّه بئر عميقة شرب منها كثيرون... وشرب هو العطش. لذلك يفرّ إلى الغابة، غابة الرومنطيقيّين الحالمة، حيث الخيالات والأوهام والظلال. وحيث يمكنه أن يعود طفلاً يمزّق ثيابه في شجرة، فلا تؤلمه الجروح لأنّه اعتاد عليها وأصبحت جزءاً من كينونته، وكفاحه المرير. لقد أصبحت الخسارة متداخلة في روح جميل، وليس غريباً أن يدعو القدر مرّة أخرى لزيارته، فيعطيه جميع ما يملك. فالدواء الذي يشفي الجروح هو الداء نفسه، والصديق هو العدو اللدود الذي يتربص به على كل طريق. ويرضى "الرجل الذي يرتدي عشب الأرض" بكل شيء... بالملح، بالشقاء، بمزيد من السفر يضاف إلى أسفاره التي أجبر عليها بسبب الاضطهاد والملاحقة... ولأنه لا يكذب ولا يساير ليعيش. أما تلك المرأة التي سرقت كتابه، فهي نفسها التي عبرت في كتاب "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، فقد سرقت كتابه وفرّت من المكان، ولم يكن في الكتاب غير صورتها. إنها الحلم الطفولي - الرجولي الذي بحث عنه جميل طويلاً، فلتسرق كتابه وقلبه وروحه إذا أرادت... وهي ستعود إلى دفء بيته وصباحات أشعاره وحنين قوافيه، وهي التي ستملأ كتبه بحبر عينيها... لكن حذار، فهي ستحزن عندما تقرأ صورته، وتفهم أبعاد ماضيه وحاضره. إطلالة المرأة هنا، تفتح النص على آفاق جديدة، تخرجه من إطاره الدرامي، لتكون هي الأمل بالانتصار والأمجاد... في مسيرة طويلة مليئة بالتناقض: الحزن الذي يصنع الفرح، الليل الذي يصنع النور. الغضب الذي يصير مطبعة للكتب، وسيمفونية أغنيات. "هنا تسكن العاصفة"... ولها عناوين كثيرة، هي في قلب الدويهي، في وجهه، في عينيه، في قلمه ودفاتره المرمية في الأمكنة، في أحلامه. عاصفة تهب على اليأس فتمحوه، وعلى الأشجار لتعريها فتخلق منها وتملأ الربيع ألوانا... حيث يعجز أدباء كثيرون يقف الدويهي على القمة في شعره، ونثره، وفكره، وأعماله الأكاديمية... يقف هناك ليبارك المحبين ويشرب كأساً مع المحتفلين، ويضع كتبه على الطاولة لتكون زاداً وميعاداً... العاصفة التي تأتي من الخارج عصية على تهديم المعبد، وعاصفة الدويهي التي في روحه تنير المعابد، إنها معجزة التناقض: العاصفة – الشمعة، الدمعة – وتر، السكينة – أغنية... معجزة دويهية تتغلب فيها الإرادة على الواقع المرير. وكم هو جميل أن يغطي المرء كل دمعة بابتسامة، وكل ألم بوردة... ليصل إلى مرحلة متقدمة في النص: "كلوا من خبزي قبل أن أغادركم"... وخبز الدويهي كلماته وكتبه الغنية بكل أنواع الادب. وكم هو مؤلم أن يودع الجميل أحبابه عند التلة، وهم لن يذكروا كلمة قالها، لأن الموت يمحو كل شيء، فحياة الإنسان صدفة، وكل صدفة لا تعيش إلى الأبد. عميق هذا النص وفريد من نوعه... ولعل فيه كثيراً من الأسرار التي تبقى في نفس كاتبها، فلا أحد يستطيع أن يتغلغل في أبعاد روحه إلا هو. هو الجميل الباحث عن الطفولة لتسعده، المتمرد على الحاضر لينتصر عليه، اللاعب على حبال المعجزات ليحقق معجزة في أدب المهاجر... ولا... لا أيها الجميل العبقري... نحن سنتذكر كل كلمة قلتها، مهما كانت الظروف، وكثر التجاهل وعم الظلام... والموت لن يمحو كل شيء. الموت أعجز من أن يرمي بالعاصفة التي أتيتَ بها في غياهب النسيان. ________________________ مريم رعيدي الدويهي: من كتاب سيصدر في 11- 7- 2019 قريباً "إضاءات على فكر جميل الدويهي"- مشروع "أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي - سيدني 2019

#كتاب