Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم: ماذا سنهديهم؟


كنتُ في سنّ اليفاع يوم انقضّت على أعمارنا تلك الحرب الضّروس التي راحت تستنزف آمالنا والأحلام بألف مخلبٍ وناب!! لكنّي، ورعيل من أترابي بقينا مُصرِّين على متابعة مسيرة وإتمام رحلةٍ صوب مُستقبلٍ كُنّا نرنو إليه بعيونٍ شاخصةٍ وهِمَمٍ مشحوذة مُصرِّين على بقاء...

كنتُ ممَّن استقلوا سفينة الحياة، متسلحًا بهدف التّعّلم والتّثقف كما كان يريد لي أن أكون ومنّي أن أفعل... وكان أبي قد حبَّبني بوطني حبًّا لامس العبادة من قبل أن يُطوى شراعه وأنا في الثّانية عشر من عمري.... "ومَن تربّى على شيء شاب عليه". ولمّا كانت تلك الضّروس تسحب من تحت أقدامنا بساط ذاك الوطن يومًا بعد يوم، أضفنا إلى باقة أحلامنا، حلم أن يكون لنا وطنٌ يليق بطموحاتنا كما عملنا كي نصبح لائقين بأمجاد الجدود...

ورحنا نسعى، والحلم الأكبر يناغي عيوننا عند فجر كلّ صبيحةٍ من غير طائلٍ. نطوي الأيّام والأيام تمضغ أحلامنا أضغاثًا، حتّى لامستِ الكوابيسَ، غيرَ آبهة لأعمارنا والشّيب غدا يغزو مفارقنا كموج الإعصار يحطمها ،كما يأتي على مراكب بحارةٍ لا قوت لهم، إلاّ من بحر، كما نحن، لم يكن لنا ما يقيت أحلامنا سوى وطنٍ، تركه بين أيدينا آباءٌ وأجدادٌ... ونحن نرنو إليه: يزحل كما الرّمل، من بين أناملنا والرّاحات ، ولا حيلة لنا سوى الموت في سبيل بقائه!!

حدّثتني نفسي يومًا أن أُشارك أحلامي الّتي دنت أن تغدو أضغاثًا، مشاركتها حلم بناء عيلةٍ جديدة للوطن الجديد الّذي غادرني وأنا في غرة مراودته لقلبي وفكري معًا. ركبتُ السّفينة قبطانًا لحلمي الجديد، علّ ما لم أُحقِّقه لنفسي أُحققه لعيلتي. غير أن "الرِّياح بقيت تجري بما لا تشتهي سفني" وأترابي من الشّباب ... كابدنا وناضلنا، شقونا وكدحنا حتّى مذاق الأمرّين ولا زال حلمنا بوطن طفلاً يحبو في صحن مُخيِّلاتنا.

كبرت بناتي وتزوّج بعضهن، رُزقتِ البكر بأربعة أطفالٍ، باتوا لي أحفادًا، وعلّقوا على صدري وسامًا من رتبة "جدّو"!! فأبرز ما ورثوا-على صغرسنِّيِّهم الطريئة- على وجه العجلة مني، ومِمَّن هم في رتبتي اليوم:نحن الأجداد الجُدد، حلمنا الّذي ناهز أن يصير عمره من جيل فتوتنا، ولم يتململ بين أيدينا طفلاً بعدُ!!

نناغيهم، نرنو إلى عيونهم، نروي لهم حكايات الأبطال والبطولة، علّنا نلقّح حليبًا يرضعونه، ببعض لقاح حُبّ البقاء في وطن، أمِلنا به موئلَ كرامةٍ لأبنائه:فينجحون حيث فشلنا!!

ونحن على أبواب يوم الطّفل العالمي، ما عسانا نقدم لأطفال وطننا؟ أَشرعةٌ يحفظ حبرها حقهم بالحياة أكثر ممّا تصانُ به كرامتهم وحلمهم القابل التحقيق في وطنٍ يحمي أحلامهم ويسمح بتوظيف قدراتهم؛ وتأسيس عيَلٍ يكون لبنانُ لعديد أبنائها من بعدهم؛ موئل سيادة وموطئ عزّة، يستوطناه وتملكان على نفوس بنيها؟!!

أَليسَ من المُعيب، بعد مناهزة الإستقلال يوبيله الماسي، أن نجد أنفسنا عاجزين عن إهداء أَحفادنا وطنًا؟!!

سليمان يوسف إبراهيم

عنّايا، في17/2/2018

#كتاب

1 view