Search
  • Jamil Doaihi

خالد غنام أبو عدنان: طيور لبنانية ثائرة على ظلم النظام


أسراب الطيور التي ترقص فوق سماء بيروت ممنوعة من النزول ولو حتى لحظة واحدة للشوارع، رغم أن الغابات احترقت والأعشاش سقطت رمادا، رغم أن كل شيء هرب من النيران، لجأت بقايا الغابة لبيروت، حتى سموم الدخان، كل شيء سكن، رغماً عنه، في بيروت، ولم يمنعهم أحد، وبالتأكيد لا يمنع الآخرين من العبور لمدينة الحرية إلا كل ذي سلطة وسلطان.

قبل الحريق بيوم واحد وقع طير بحب عصفورة دلوعة، تمنعت عنه، فذاب بها عشقاً، بات على باب عشها، لم ينم وهو يغني مغرداً لها قصائد الحب، وهي تضحك متمنعة في عشها.

اشتعلت النيران أو تم اشعالها، الأمر سيان فنحن لم نمنع الحريق ولم نحم الغابة وقبلنا المحرقة رغم أن العالم يرفض الهولوكوست وكل المحارق المفتعلة أو المشتعلة، استشهدت الحقيقة بين أوراق الشجر المتساقطة ودفنت أسراب الحكايا في ثنايا الأخبار الكاذبة، وحدها الشمس بقيت باردة ولم تحترق.

قال الطير لعصفورته: حبي سيحرق عالمك إن لم أصبح أنا سلطانه، خرجت مختنقة من عشها تطلب الهواء، فرح بطلتها فحصن هالتها واقترب منها مداعباً، صرخت به وهي تشير لحريق يبتلع الغابة، لكنه أصر أن ينسى كل شيء إلا النظر لها، سحبته وطارت به إلى أعلى وهي تضحك قائلة: يا مجنون سنموت شوياً، فقال لها: ما أجمل أن تنقذي قلبي قبل جسدي أحبك، فصعدت محلقة بسرعة وهو يتبعها بهيام يسبقه ويدوس خيالها.

في ساحة الشهداء تجمهرت طيور الغابات، ورغم السواد الشحار وروائح الحرائق، تحلقت الطيور في دبكة هزت غضب الأرض، استفزت أركان السلطة فبصق سلاطين القرار على وجع الطيور النصف مشوية، صرخت الطيور من المسؤول عن الحرائق؟ ماذا سنأكل؟ أين سنسكن؟

اجتمع الوزراء واحتشدت القوات الأجهزة الأمنية الرسمية والحزبية والصديقة وتوحدت الصورة في وسائل الإعلام:- قرر الجميع أننا نجونا من المؤامرة الدولية وأن قوى أجنبية هي السبب، بالتأكيد لا يوجد بالوطن من يريده مشوياً، فطلب مجلس النواب أن يشرب الجميع حساء الطيور بالبندورة البلدية تحدياً للهجمة الأجنبية وإعلاناً عن أن قرارنا مستقل وأننا لن نرضخ لأي ضغوط أجنبية، وأن شواء الطاووق على الحطب جزء من ثقافتنا الشعبية وسوف نواصل حياتنا الطبيعية رغم تعرية الدولار للعملة المحلية واتساع الثقوف في جيوبنا الفارغة فنحن انتصرنا وهزمنا عداء الوطن.

عاد الطير يغازل حبيبته ويغرد لها بقصائد لها ألحان رحبانية، ضحكت كثيراً وهي تصرخ به مجنون أنت مجنون، نحن جياع لم نأكل منذ ثلاثة أيام، وننام في شارع، طيور تبات واقفة في برد اللامبالاة، فقدنا غابتنا الحنونة، قطعوا الاتصالات، سرقوا كل مدخراتنا، ثم طلبوا أن ندعم المقاومة، وندعم الحكومة، وندعم الحملة الدولية لإنقاذ الفأر المرقط رمز الحضارة السريانية.

وقف الدركي في وسط الساحة وطلب من كل الطيور المغردة أن تكف عن الضجيج لأنه لم يعد يسمع صوت طلقات الرصاص، قال: إننا انتصرنا وكل الثوار يطلقون الرصاص تعبيراً عن فرحة الانتصار، تقدمت عصفورة تحمل ابنها الجريح وقالت للدركي: رصاصة طائشة قتلت فرحتي، فقال لها: لماذا أنتم بالشوارع؟ لماذا تقفون في مرمى الهدف عليكم الاختباء في بيوتكم حتى الجراذين عادت لبيوتها إلا أنتم تتسكعون في الساحة مثل سكارى ليلة السبت.

قررت الطيور إغلاق الطريق العام لحين دفن قتلى الرصاص الطائش، لكن الدرك فتح الطريق وزاد عدد الجثث وأعلن ضريبة جديد أسماها ضريبة التغريد في المدينة.

وتم إزالة كلمة مخيم من الساحة وتم إجبار الطيور على مغادرة المكان، لأن عارضة أزياء أجنبية سوف تقوم بتصوير بث حي ومباشر من الساحة، سوف ترتدي خمسة فساتين حديثة تعرض لأول مرة، ثم ستتعشى مع الوزراء وتنام في فندق على حساب مجلس النواب، وسوف تكون طائرات الجيش بمرافقة الضيفة الغالية في زيارة الريف اللبناني وغابات الأرز.

قالت له: أنها تحبه وتحب الفرح معه، ثم طارت ودارت حوله، اقترب منها محاولاً تقبيلها، ابتعدت عنه وهي تغرد كلنا للوطن، فقال لها: ممنوع التغريد، فقالت: هذا ليس تغريد بل ضجيج المدينة الكاذب، طلب منها قبلة، فقالت: سوف أهبط أمام سيارة عارضة الأزياء وأريدك أن تقبلني أمام كل وسائل الإعلام، ليشهد العالم أننا هنا، وأنهم شردوننا من غابتنا من مخيمنا من ساحتنا.

قبل أن يصلا لأرض الشارع كانت قبلتهما قد بدأت، واصطدمت في سيارة عارضة الأزياء، استمر موكب السيارات يدوس العصفورين، منقارين فوق بعضهما البعض التصقا في سواد الشارع، خرج الوزير وهو يدخن سيجار كوبي فاخر، بصق على المناقرين وطلب تنظيف المكان من القاذورات، حتى لا تتضرر السياحة في الساحة.

#كتاب

2 views