Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبود الحايك: الطفولة البريئة


الطفولة بريئة، أحلامها كبيرة في واقع معطياته ضئيلة، شحّت، سُرِقَت والسارق يتنعّم بها فضميره لم يتعوّد المحاسبة... العيد يقترب لكن شعلته هذا العام شبه غائبة إِلّا من رمزية الفقر الذي يجسّده المذود والذي يطرق الأبواب التي كانت شبه آمنة والتي تعصف فيها الهموم إلى حد الإنفجار... الشباب في حالة غليان والشارع يعج بالصراخ من أجل الحرية ولقمة العيش التي حرقتها نار الطمع الجشع، والعجوز يلفّه الحزن يتدفأ من موقد خياله ويسدّ جوعه بالصبر والتقشّف، لقد تعوّد أن يطعم صغاره قبل أن يأكل واليوم عادت الذكرى ترفرف في أفقه، تلسعه كنار الشوق الحارقة، وفي النافذة شمعة أوشكت أن تنطفئ تشبه الأمل الغائب والذي عايشه سنين الحرب الطويلة والقاهرة، يسرح في نورها يتخيّل صغاره حواليه يدفئهم بعاطفته حتى يتوارى الضوء ويخلد بعدها إلى فراشه البارد إلّا من جمر الذكريات... الوحدة فراغ الروح، جدران منزله تعتّمت مع الأيام والفرح غاب وبقيت عينيه تلمع بشوق بعيد، بقي أسير المسافات والغربة الطويلة، أسير فكره وعاطفته وعنفوانه والإيمان بأرضه... هاجر أولاده وبقي وحيدًا يزرعها، يغدق عليها من روحه من ثواني عمره ونشاطه. استقبل الطيور في مواسم الخير وودّعها في فصول القحط عاش تناقضات الحياة ولم تكسره المصاعب أو انحنى جبينه وكبرياؤه، هو ابن الأرض صلابته من صخورها وكرامته من كرامتها يصونها ويدافع عنها، يحلم بها، معوله صولجانه وشرفه لا يستباح، إرادته لا تقهر وكلمته واحدة ترن كالسيف، لن يتخلّى عن هذه الأرض، لن يتركها، سيزرعها حتى آخر نفس وإذا شحّت المياه أو نضبت سيسقيها من دموع شوقه وعرق جبينه لتزهر وتحلو فيزيّن بها عتبة منزله عند رجوعهم وستقرع أجراس الفرح وتثمر سنابل القمح في بيادره لتصبح أرغفة الحق والكرامة على طاولة الشرفاء.

#كتاب

2 views