Search
  • Jamil Doaihi

محمّد الديراني: رحيل - ومطالعة نقديّة لسمر الخوري


رحيل

سوفَ أحملُ أقلامي وأسافر

وأضَعُ في جيبي كلَّ الدفاتر

وكلَّ حرفٍ انتقيتُه لكِ

من عباب المَحابر

سوفَ أهربُ من ضجيجِ اللّغات

وصَخبِ الألوان

وأنهار ِالألحان

وأقيمُ عزاءً للمنابر

وأهاجر...

أهاجرُ في بحرِ آلامي

حيثُ أمواجُ السّنين

رسَمتْ شَيبةً كالزَبَد

وزمناً من الأنين

وارحلُ عنكِ إلى الأبد

تاركًا لكِ زهرةَ أوجاعي

فاسقِها حُريّة

لتبقى مثلكِ أبيّة

فأنا لا أحبُّ القيودَ للورودِ

كي لا تصبحُ أشواكُها خَناجِر.

محمد الديراني من ديوان "خيّال على حصان طائر" . قيد الطبع . سيدني

كلمة سمر الخوري

المنفى رحيل... قصيدة للشاعر محمد الديراني، من ديوان "خيّال على حصان طائر". والرحيل/الهجرة/ التهجير متعدد الاتجاهات. إنه البعد المكاني عنها. فمن تكون هي؟ ضمير غائب بلا مرجعية. قد تكون الحبيبة، أو الام، او الأرض التي يعيش في ربوعها. هارب هو من الذل إلى جهنم الكرامة والحرية، على حد قول الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد:

ماء الحياة بذلّة كجهنم وجهنم بالعز أطيب منزل...

هارب لأن الكلمات/الأشعار/دفاتر بوحه كانت بلا جدوى. كلماته أصبحت عبئا عليه، لذلك سيضعها في جيبه ويسافر، كما فعل قدموس حاملا أبجديته وعينَي الزرقاء. لن يترك أي أثر له في أرض وطنه. سيحمل معه أقلامه والدفاتر وشظايا الحروف. أيّ يأس أصاب الشاعر كي يهجّره إلى منفاه الجديد؟ أنه الهجرة النفسية، بحيث أصبح الشاعر الديراني أسير الضجيج. ضجيج لغاته، ألوانه والألحان. أصبحت الأشعار التي يلقيها على المنابر خطبا جوفاء، ميتة، يُقام لها العزاء. لم يعد له في وطنه أعزاء. فليهاجر إلى مدن التيه، إلى أرض الغرباء. وهجرة الشاعر تقوده إلى بحر الآلام، تجرفه أمواج السنين، إلى عالم من الأنين والحنين، بلا هيام. هجرة بلا حنان تذكّرنا بطرد آدم من الجنان، إلى أرض الشقاء والدموع، أرض ظلام بلا شموع، تهجير سرمدي بلا رجاء. ولن يترك لأرضه/حبيبته إلا أوجاعه المصطفاة، كي تسقيها الحرية. وهذا ما يقودنا إلى نوع ثالث من الهجرة. إنها هجرة الشهادة، أو التضحية في سبيل بلاده، كي تبقى حرّة أبيّة. بلاده وردة جوريّة تحتاج إلى أن ترتوي بماء الحرية، لأن القيود خناجر تقضي على الإباء في أرض الآباء. بين عنوان القصيدة وعنوان الديوان ائتلاف. يصبح الرحيل سفرَ خيّال على أجنحة الخيال، الحصان الطائر. لم أستطع اختصار القصيدة في مقطع، كما أفعل عادة في تعليقاتي.فهي رحلة متعددة السمات، تتنوّع فيها حروف الجر: منها ، عنها، فيها، إليها، لها. ولكنها تصبّ جميعا في إرادة التضحية بالذات في سبيل الأرض. من جهة أخرى، قد نرى في أرض الشاعر صورة الأم التي عشقها الشاعر، إلى حد التضحية في سبيلها. وهذا ما يجعله أوديب الجديد، بعدما اكتشف مأساته، كبوة جواده، ففضل الرحيل، بعدما فقأ عينيه، تكفيرا عن الإثم الكبير الذي اقترفه. رحل عنها إلى الأبد، وفي قلبه أوجاع ندم بلا حدود، كي لا يجعل القيود والأشواك خناجر في صدر الورود. صديقي الشاعر الديراني، رحيلك ليس سفرا خياليا، ولا حلما من أحلام الأطفال. إنه مأساة الإنسان العربي، المنفي في أرضه، وبين أهله. مأساة شعب كامل مغترب عن الوطن رأى أمه/أرضه تهان، وترجم، كما الأنبياء، وحين أدرك أن حروفه وأشعاره لم تعد تفيد، أحرق نفسه كطائر الفينيق، في سبيل ولادة جديدة، من بين الرماد. لعل هذه الولادة توقظ الثورة المشتهاة.

#كتاب

6 views