Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: تحرير فلسطين يبدأ باغتيال الشعر العموديّ


ما كاد الرئيس الاميركي دونالد ترامب يعلن عن صفقة القرن، حتى انبرى أحد الأكاديميين ليعلن ثورة وكفاحاً مسلحاً ضد الشعر العمودي، فطالب بنبش قبور امرئ القيس وعنترة والنابغة والفرزدق وجرير والمتنبي وابن الرومي وبشار وأحمد شوقي ومطران وإيليا أبي ماضي ونزار قباني وسعيد عقل... والآلاف غيرهم من شعراء العرب للتمثيل بجثثهم علناً، بسبب الانتهاك الخطير الذي اقترفوه، وتسليم فلسطين العربية والمقدسات، والجولان، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى العدوو الصهيوني. إننا نشك في أن هذا الأكاديمي هو أكاديمي فعلاً، بل نشك بشهادته، ونعتقد أنه ينتحل صفة من غير إثبات حقيقي. أما العودة إلى الدراسة الثانوية فتثبت، ومع شهادات من طلاب زاملوه في تلك الفترة، أنه كان يرسب في صف العروض، ولا يعرف الآن، على الرغم من أنه في العقد السابع من عمره، كيف ينظم بيتاً واحداً على أي بحر، ولو كان هذا البحر "حمار الشعر"، وهو الأسهل عليه... ولأنه يكره أستاذ العروض فقد صبّ جام غضبه على الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكل مَن يكتب شعراً عمودياً... بينما رأيناه ذات مرة يصيح ويخرج من ثيابه وهو يشيد بشاعر حداثي. قد يعتقد من يقرأ هذه السطور أنّنا متحيّزون للشعر العمودي، والفرق بيننا وبين هذا الناقد الخطير أننا نكتب كلّ الأنواع، وهو يكتب نوعاً واحداً لا يحيد عنه ولا يطور نفسه أو يتعلم، فهو كالأعمى وراء الحصان. وهذا النوع الذي يكتبه ضعيف أساساً، ولا يرقى إلى الشعر الحداثي الذي يعوّض عن الوزن بكثير من الصور والرموز والتقنيات اللفظية، والموسيقى الداخلية، وموتيفات مطوّرة من الفكر والفلسفة... ولعله يريد من خلال التهجم على الشعر العمودي أن يستعطف طائفة من شعراء الحداثة الذين ينضوون في بوتقة واحدة يميزها الحقد على كلّ موزون، والتبخير لكل غير موزون، ولو كان هزيلاً ولا قيمة له. فلم يسبق لي في حياتي، وأنا أكاديمي متابع، أن قرأت نقداً كتبه شاعر حداثي وتناول فيه شاعراً حداثياً آخر، فكلّه مديح وتقريظ، ولو سألت بعضهم: ما هو المعنى من بعض النصوص التي يكتبون عنها؟ فهم لا يعرفون. نحن نحب الشعر الحديث، ونكتبه، ونتمتع بما يكتب الكثيرون منه، وبعضهم أصدقاء لنا على فايسبوك أو في الحياة الواقعية، نثني على أعمالهم، وهم يعرفون ذلك. فكما في الشعر العمودي قصائد رائعة كذلك في الشعر الحديث. فليس المهم النوع، بل المهم أن يأتي المرء بجديد ومفيد ويضيف على الثقافة، وما جاء به في الشعر الموزون شعراء كبار لا يمكن إغفاله إلا من وجهة نظر غير الأكاديمي، الذي يفشل في تقويم النصوص، والفصل بين الغث والثمين... وما زال الناس منذ مئات السنين يرددون أبياتاً من الشعر الجميل، وتحولت قصائد موزونة إلى أغنيات خالدة. فجميع الغناء العربي يقوم على شعر موزون، سواء الذي كُتب باللغة الفصحى أو بالعامية. أما صاحبنا الذي يحارب طواحين الهواء، فلم يحفظ له أحد سطراً، حتّى الذين يسارعون إلى مدح الشعر الحديث، وهم مغمضو العيون، بعد أن تم تحويل هذا النوع إلى طائفة، فالأخ للأخ، سواءٌ أخطا أم أصاب. وصاحبنا من الإخوة، ويريد أن يكون له مكان في الصفوف الأمامية، وكم كنا نتمنى لو يتعلم قليلاً من العروض، لعل تلميذاً جاءه في ليلة ليلاء، وطلب منه أن يساعده في أحد الفروض. وآخر نصيحة: إن الطريق إلى الأراضي المحتلة لا تمرّ باغتيال الخليل بن أحمد الفراهيدي. _________ جميل الدويهي: مشرع أفكار أفكار اغترابية للأدب الراقي- سيدني - 2020.

#كتاب

1 view