Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبود حايك: العودة إلى حضن الأرض


انتعل الأرض ومشى قُدُمًا يحمل أثقاله وأحلامه الكبيرة، يطنّ في أذنيه الصدى الذي يرافقه منذ أمد بعيد، يشعر به يتوهّج كالشعاع داخل روحه... دخل مدنًا غريبة، ناسها حاقدون.. أقفلوا الأبواب بوجهه، شعر كأنّ القدر يترصّده، بيديه مفاتيح الخير والشر، يفتح أبواب الحياة والموت وهو أداة في قبضته، يستكين كما يستكين الموج بعد العاصفة ويثور كالنار المشتعلة على طريق الرماد... أكمل الطريق الموحش. وقف على مفارق كثيرة، خانته الوجوه المقنّعة، حرقته شمس الظهيرة وأضنته المسافات، والطريق المتعرّج يطول ويطول... لم يتراجع حتى وصل هدفه... دخل أخيرًا مدينته التي كانت تراود أحلامه، كانت مظلمة، حزينة، لا تشبه الصورة التي رسمها في خياله، ولا طنين الصدى الذي رافقه على الطرقات الوعرة، فشعر بالوهن والخيبة... لقد دمّرها الطغاة، باعوا خيراتها وسجنوا الأبرياء، هجّروا أهلها وتركوها للعنكبوت وللغربان، يبست حقولها وبيادرها، ومات ربيعها، تشلّعت أبوابها وبقيت الريح تهبّ بين فينة وأخرى عازفة ألحانها الحزينة في أرجائها... ترمّدت الأرض ولم تترمّد المشاعر والذكريات في كهف روحه، فالحنطة عروس البيادر وقوت الجياع إلى الحق والعدالة والضمير... والحريّة عدوّة الظلم والحلم لا يُشنق أو يُغتصب أو يموت، كمشة من بذور الإرادة الصلبة والإيمان والمعرفة والحب والعنفوان نثرها في تلك الأرض الغالية، الجافة والمتعطّشة إلى الحياة، وانتظر... تلحّف الوحدة والأمل... هطل المطر الغزير وفاض، توارت السحب القاتمة، العائدون توافدوا، بدأ صدى المعاول يعلو والحقول تلمع... لن يرتحل بعد اليوم، فالفجر هنا يبزغ بروعة وصفاء ولطالما انتظر هذه اللحظات... فالحب الذي يزهر في الجذور يتغذى من ينابيع الروح والكرامة، لا يموت.

#كتاب

0 views