Search
  • Jamil Doaihi

هدى حجاجي أحمد - مصر: عزف منفرد


فرقة موسيقية تعزف لحنا منفردا خشنا متفردا من فتحتي أنفه، لا يسمعه وإلا كان أوقف ذلك الضجيج المتحشرج. يبدو عليه رجل أعمال انهكته تجارته أو راح يحلم بغيرها. وبقايا من طعام لا وجود لها على طاولة أمامه ضاغطة على ما دخل بطنه المكور المنفوخ منذ لحظة. فأطباق فارغة تكاد تكون ممسوحة وكأس فارغة هي الدليل الذي أقنعني! وأتلفت يمينا ويسارا بشيء من الملل، فأنا هنا مقيدة الحركة لا أرى منذ ثلاث ساعات إلا (قفا) رأس الذي أمامي ويبدو واضحا أنه من (خنافس) هذا العصر والأوان ذو شعر طويل مربوط من الخلف على هيئة (ذيل حصان) وإلى جانبه صاحبته. وقد خلتها أول الأمر أنها هي الولد وهو البنت أو هي الرجل وهو الأنثى، لولا عطر راح يتبخر ليسرى إلى أنفي. مضيفة الطائرة الممشوقة القوام، ساهرة تنثني مبتسمة رغم الجهد والوقوف تحاول أن تفهم كل واحد من المئة أو أكثر من راكب الطائرة. إنها في انتظار راحته. نعم أنها جميلة جداً. ولكن هناك ما يلفت نظرى بين العائدين بعض السياح. أرى شقراء منهم حائرة فهي تريد الحديث إلى من يجاورها. والظاهر أن لغة الكلام تحتاج إلى مترجم. تعطلت لغة الكلام. ابتسم كل منهما للآخر. وكأن الإبتسامة كانت الحروف الأولى لمعاهدة صداقة ستبدأ ويتم توقيعها النهائي خلال الرحلة. أبتسمُ. أحاول ان اقرأ كتابا في يدي ولكني لا اقرأ شيئا وانما أسرح إلى بعض ما حدث، متذكرة بعضا من أيامي ولياليَّ أمضيتها في أوروبا خلال رحلة عمل تابعة لأحدى الصحف... ثم أحاول أن أغير الموضوع مع نفسي. أتطلع من نافذة الطائرة أننا الآن فوق ربى اليونان وبعض السحب بدأت تتجمع ليفترشها خريف قادم، درء لصقيع شتاء قادم من بعده. وقمم جبال تعجب بدورها من ذلك الجريء الذي يخطو متعاليا عليها. أنها تعجب من تلك الطائرة التي اركبها من ضمن ركابها. وكأنها تسأل نفسها في صمت عجوز ساخر: أين هذه (الحديدة) الطائرة من أبطال الأساطار الأغريقية الذين كانوا يغزون الجوزاء والفضاء منطلقين مع الخيال كله إلى عنان السماء وفوق البحر والنار ولا يغرقهم بحر ولا تحرقهم نار ولا يحد لهم الفضاء سفرا! وأسررت أقنع نفسى (بلاش) فلسفة ! خليك واقعي. ومن جديد تختلط الفلسفة مع الأحلام مع الواقع... تائه مع الزمان. . بعد أن سرقتني لحظة تأمل إلى حضارة أوروبا وتاريخها القديم جدا. من إنسان العصر البلاستيك الحجرى ورجال الكهوف الذين يعيشون على وحشية الصيد وقوة السحر في ضوء المشاعل. إلى الإنسان صانع الصاروخ في عصر الإلكترونيات والتكنولوجيا والانطلاق إلى فضاء القمر والزهرة. وخيالات تروح وتجيء، تنسج صورا يجتمع فيها الماضي ليفترق من جديد. ونحن من نحن ابتسامة تختنق... تُكابِدُ لتتسلق وجع الفرح، عين الزمن المسمولة في مِحجر مسروق شمس بزوغها وأُفولها كأنه رفيف حزن وترحْ... وجع يتناثر ليملأ القلوب بالثقوب... كلمات غريبة... وردٌ بشوك نفسهِ... جُرحْ... نحن من؟.... ( وما نحنُ إلا عزف منفرد).

#كتاب

1 view0 comments