Search
  • Jamil Doaihi

د. عماد يونس فغالي يكتب عن قصيدة الدويهي "من أجلِ عينيكِ الحياة أبيعها"


ثروةٌ حبّ

"من أجل عينيكِ الحياةُ أبيعُها"، قصيدةُ غزلٍ أم قصّةٌ في واقعيّة الحبّ، وقوعه ووقعه؟ د. جميل الدويهيّ رفعتَ الحبيب إلى مرتبة الملهمين، ودعوتَ حبيبه إلى الارتقاء في سلّم الإنسانيّة، بلوغَ الحبّ... بدأتَ القصيدةَ حبيبًا "رداؤنا الأسمالُ"، ينظر بمادبّةٍ إلى فتاته، تماهت مع ما يعذّبه: "كم لي عذابٌ منكَ يا خلخالُ، ذهبٌ..." لكنّكَ تخطّيتَ الواقعَ وتحدّيت... "أنا بنتُ الأمير... فأجبتُها: متشرّدٌ رحّالُ"... لترقى "في الشعر عندي ثروةٌ.. أعطيكِ في قلبي الصغير مدينةٌ"... ما أحيلاه ارتفاعٌ بل سموٌّ من ثروةٍ تفنى نتركها إلى درٍّ خالص ذكرُه مؤبّدُ.. وكأنّي بكَ تُكمل بناءَ مدينةَ حبّكَ بَرًّا بالوعد الذي أطلقتَه... تبني لها المدينةَ شعرًا مجبولاً بصدق حالكَ يعلو بلا حساب، غير حاسبٍ فروقاتٍ "طبقيّة" سقطت في السياق اعتباراتُها... تحرّر النصّ من الحوار إلى مونولوجٍ غزليّ يرسمُ لوحةَ عاشقٍ يلتقي حبيبته في سمر ليلٍ تنيرُه النجوم، يستقي لها الكلمات المشاغبة من قمرٍ يفضح نورُه اللطيف حضورَ القلب هُيامًا مطلَقًا. "وأريدُ أن تتنازلي"، كأن في صحوةٍ من سكرته، يعي مكانتَها فلا تُحرجُه، فيهديها إليه، يعرض لها قائمةَ العشق في أفعالٍ تصف جلستهما: تغازلي... أن تضحكي... أن تشربي... كؤوسٌ تتساقط... حقلٌ معجميّ لسهرة الحبّ وبعد، إيّاكِ بها الإخلالُ "فالوقتُ يسبقنا ونحن ظلالُ". يُنهي الشاعرُ قصيدتَه بحكمةٍ في الحبّ، كأنّه يلقي على حبيبته درسًا ممنهَجًا، يعودُ بنا إلى شخصه المعلّميّ، لكنّ المادّةَ هنا تلامسُ العُلى، تطالُ الإنسانَ في ملئه، أيقونةَ الله في ملء ذاته الحبيب، الله المحبّة، تجسّدها البيتُ الأخير: "وإذا يغيبُ الحبّ يومًا واحدًا تبكي السماءُ ويعرُجُ الموّالُ". قصيدةٌ عموديّة اعتمدت البحرَ الكامل، كأنّي بشاعرها قصده ليكملَ من خلاله عبورَه بحرَ عمره من عذابِ الفقر الواقع فيه إلى شاطئ واقعِ الحبّ حيثُ ميناؤه الأمين، الذي فيه يودعُ كنزه، انتشله من بحر مغامرته مع الحبيبة، كاشفًا غناه آسرًا إيّاها في أحلام قصره الذي لا يفرّط بلؤلؤة من ثروته فيها.... من البيت الأوّل حيثُ الحبيبةُ عصيّة، لم يرَها إلاّ ثروةً ماديّة، توجّه إلى الخلخال دون لابسته، إلى انتصاره حبيبًا "من أجل عينيكِ الحياةَ أبيعها"، شكرًا د. جميل لهذه اللوحة الأدبيّة الصاعدة في المراقي، حيثُ الإنسانُ حبٌّ وسعَ الحياة!

***

قصيدة من أجل عينيكِ الحياة أبيعها ​لجميل الدويهي

كم لي عَذاباً فيك يا خَلخالُ... ذهَبٌ، ونحنُ رداؤُنا الأسْمالُ... جذلانةً ً تمْشي كعزف ربابةٍ وبنظرةٍ من عينها تغتالُ؟ قالت: أنا بنتُ الأميرِ، فأنتَ مَن؟ فأجبتُها: متشّرّد، رحّالُ... عندي من الأحزانِ مَوجٌ هادرٌ، وينوءُ تحت مصائبي العتّالُُ منذُ الولادة ِ ما لديّ هُويّةٌ، فأنا مصيرٌ غامِضٌ، وسؤالُ لكنّني في الحُبّ عندي ثروةٌ، ولديّ من شِعْر الهوى أحْمالُ... أعطِيكِ في قلبي الصغيرِ مدينة ً، ولكِ المَدى، وكَواكبٌ، وجبالُ... ماذا أحبُّ؟ أحبُّ أن تتدلّلي، ويشاغبَ الخصْرُ الذي يخْتالُ... وأحبُّ في الشفتين ِ أن تتَمرّدا... إنّ التمرّدَ في الشفاه جَمالُ. وأريدُ أن تتنازلي... وتُقبّلي حتّى يَصيرَ بأضْلُعي زلزالُ أن تـَضحكي... أن تشْربي كأساً معي، فالوقتُ يسبِقُنا، ونحنُ ظلالُ... ماذا يصيرُ إذا النجومُ تساقطتْ من بُرجِها، وتـَحطّمتْ أغلالُ... من أجل عينيكِ الحياة أبيعُها، فأنا بدونِك صُدفة ٌ، وزَوالُ... في دفتر المَجهولِ أكتب قصّتي، والريحُ تضر ِبُني كما التمثالُ... قالوا عن الحبّ الجميلِ: خـَطيئةٌ، فحياةُ كلِّ العاشقينَ ضَلالُ... أنا لا أفكِّر أنّ قلبي آلةٌ مكسورةٌ، ومشاعِري أطلالُ... فإذا رحلتِ أعيشُ بين هَزائمي، فعلى جَبينِي طعنةٌ، ورِمالُ... وإذا يغيبُ الحبُّ يوماً واحداً، تبكي السماءُ، ويَعرُجُ المَوّالُ.

#كتاب

1 view