Search
  • Jamil Doaihi

نبيل عودة: مسرحيّة "الملح الفاسد"


ساحة واسعة وفي صدر المسرح بناية ضخمة بها مدخل فخم يشبه مداخل الكنائس أو الجوامع او ما يجمع بينهما... وفوقه رسمت كل الرموز الدينية المعروفة كالمسيحية والإسلامية واليهودية والبهائية بتشابك سريالي. البناية تتكون من عدد كبير من النوافذ، والمقصود بها – الدير (تسمية مجازية). ربع الدير مدهون بالأبيض، وثلاثة أرباعه مدهون بالأسود، يستحسن أن يكون باب الدير في المنطقة الفاصلة بين اللونين، بحيث يكون نصفه أسود، ونصفه الآخر أبيض. لباس شخصيات المسرحية، ولنتفق علي تسميتهم بالرهبان... المفروض أن لا يحمل صفة دينية مميزة له، تشبه "الجلابية المصرية". أما شخصيات المسرحية - ولنسمّهم مجازا- الرهبان .... فيقرر عددهم المخرج. لا فرق بين راهب وآخر، حتى الأسماء والمميزات الشخصية لا ضرورة لها، المميز الوحيد المطلوب بين رهبان سود ورهبان بيض، والمقصود برهبان سود، أنهم رهبان "محليون" يرتدون الثوب الأسود كمميز لهم، ورمز "المحلي" هنا عام وشامل، بحيث يحوي كل شعب في وطنه، أما الرهبان البيض، فهم الرهبان الأجانب، ويرتدون الثوب الأبيض كمميز لهم. ورمز الأجانب هنا، هو الآخر عام وشامل، بحيث يشمل كل أمة تفرض نفسها على أمة أخرى، بكل الأشكال المعروفة في التاريخ، القديم أو الحديث... وهناك ثلاث شخصيات مميزة فقط، وهي: 1- رئيس الدير، ويميزه ثوبه الرمادي. 2- المساعدة السوداء، ويميزها ثوبها الأسود بنقاطه الرمادية. 3- المساعدة البيضاء، ويميزها ثوبها الأبيض بنقاطه الرمادية.

الحالة الأولى – دوامة (الضوء خافت... شبح لراهب أسود يلوح من زاوية المسرح. يقف وظهره منحن قليلاً، ويداه متشابكتان ومرتخيتان فوق بطنه، ومع تقديمه لدوره يحركهما حسب ما يقتضيه الموقف).

الراهب الأسود – (بعد أن يصل لمقدمة المسرح، ويجيل نظره في الجمهور) – كلهم نائمون، أما أنا فلم أستطع النوم. استسلموا لسلطان الكرى. أيها السادة مساء الخير. آه... المعذرة. بعد قليل يبزغ الفجر. ولكن... يا للسخرية!! بينما الوقت عندكم هو العشية، فالوقت عندنا هو الفجر. ما الفرق؟ الليل والفجر في حياتي متساويان، فأنا يا سادة أخدم الرب. أوقفت حياتي على خدمته.. سعادتي من سعادته.. وبؤسي لا يكون إلا بأمره. والرب عينه ساهرة لا تنام. يخدم كل الناس... يحب كل الناس بنفس القدر، ولا يميز بين أبنائه... ونحن... خدامه، رافعي كلمته للأعالي، محافظين على قدسية أسمه ومجده بين الناس. نحن المهللين لمجده، لنا منزلة خاصة في ملكوته. هذا ما تعلمناه وورثناه. الرب يحنو على خدامه، لهم في قلبه حب خاص، ولهم ملكوته في السموات، حيث السعادة والفرح الأبديين.. حيث لا موت... وإنما حياة أبدية، آه لعذاب قلبي وضميري . (بصوت حاد) يا سادة... رغم ذلك أنا قلق ممزق الفكر، مشغول البال، معذب الضمير، تائه في البرية.. خائف من الوحوش المفترسة. مرتعب من الذئاب... أعرف ما أريد، ولا أعرف كيف. أدري ما أنا به، وأتردد في القرار، أنوء تحت ثقل المعاناة. أفتقد الأمل، أفتقد السعادة. أفتقد أحياناً الرغبة في الحياة. مغلوب على أمري. مذل. مهان. أشرب كؤوس الذل مع إشراقه كل شمس، أمتلئ بالمهانة قبل أن تمتلئ معدتي بالطعام. لا أشرب فأرتوي، ولا آكل فأشبع. دائم العطش، ممتد الجوع. هل الصمت على ما نحن به هي طريق أبناء الرب المخلصين؟ هل الانفجار والرفض كفر وحرام؟ ترى، ماذا يريد الرب منها؟ وهل حقاً نخطر على باله؟ يا إلهي لطفك، عفوك يا غفور. تلطف بعبدك وهبه من لدنك راحة، ايضيع شقانا وتعب السنين؟ هبنا شيئاً من الأمل. يا غفور، يا من تكون... أناديك من أعماق الحيرة والخوف. أبتهل إليك من كابوس الضياع الرهيب... قد لا تكون أنت هو أنت نفسك؟ من يعلم؟ (ينظر نحو الجمهور برهة: ) قد لا يكون ربي هو نفس الرب الذي تعبدون وعالمي ليس عالمكم؟ أنا حائر وتائه، متردد ومتشكك، خائف مرتعب، هل نحن من نفس الزمن؟ هل يجمع بيننا نفس المكان؟ هل معاناتي هي لبنة من معاناتكم؟ (يرفع يديه للسماء) هبني لحظة تجلٍّ. أرى ما وراء الأقنعة. أكشف ما خفي علي أمره. أصل للحقيقة الساطعة المجلجلة يستقر يقيني... يترسخ إيماني، أبوح بما في صدري دون خوف. يا الهي... أنا لم أحب غيرك منذ فتحت عيني على هذه الفانية. لك كرست حياتي ومماتي. ها أنا بعد أن بلغت أرذل العمر، يعد أن بعثرت عمري بين جدران هذا الدير، ها أنا أعيش حيرتي ومأساتي ترددي ووجلي. ضياع مجلجل. يقين مهزوز. لا أستطيع النوم. لا أجد للاستقرار سبيلا. يتخلى عني الهدوء والاطمئنان تهجرني الثقة، أشتهي الأمل والسعادة. أحن للإيمان وأفتقده. كل ما هنالك كلمة واحدة مدوية. مرعبة بقدر كبير... الشك!!! (فترة صمت يتابع بعدها بصوت مرتفع) أيها السادة... أنا أشك. أشك بحقيقة الأشياء، أشك بحقيقة الوجود... أشك بأصل الإنسان. أشك بأصل الدنيا. (بصوت قوي جدا) أنا يا سادة أشك حتى بالرب. (يضاء المسرح بقوة للحظات، يرتبك الراهب، ويسرع متسللاً من جانب المسرح، الضوء يخفت تدريجياً، ولكنه يبقى أقوى من السابق، يفتح باب الدير ويخرج الرئيس وآثار النعاس بادية على وجهه).

الرئيس - أتراني أسمع أصواتاً شريرة؟ أم هي مؤامرة تحاك في منتصف الليل؟

المساعدتان- (من الخارج- أي من داخل الدير) - نور سماوي ظهر للرئيس.

- هي النبؤة يا أختي. يمنحها الرب لأخلص أبنائه.

- يا لها من ليلة عظيمة.. (تدخلان)

الرئيس: ما الذي أيقظكما، فأمامنا حتى الفجر ثلاث ساعات؟

المساعدة السوداء- منحنا الرب شرف الشهادة على نزول النبؤة عليك.

المساعدة البيضاء- لتنقلها للأجيال القادمة.. ليعرف عنها القاصي والداني. أنه ليوم عظيم...

السوداء - ولولا ذلك لما استيقظنا.

البيضاء - لقد كنت في نوم عميق عندما هزتني أختي.. كانت مرتعبة، وقالت أنها شاهدت شبحاً يتحرك بين الغرف.

السوداء - أجل أيها الأب المبجل. لقد خفنا أن يأتيك على حين غرة فيغدر بك. فقلنا نأتي لإيقاظك، حتى تقف له بالمرصاد، وتهزمه بقوة إيمانك، وتنزل عليه لعنات الرب فيحترق.

البيضاء - وتخرج روحه الشريرة من ديرنا المقدس.

السوداء - والآن أيها الأب المكلل بالقداسة.

السوداء - والآن أيها الأب المكلل بالقداسة والمجد، أطلب لنا المغفرة... فنحن لشدة حماقتنا اعتقدنا النور الرباني روحاً شريرة.

البيضاء- (ناظرة للسماء) سامحنا أيها الأب على خطيئتنا، أغفر لنا زلاتنا.

الرئيس- الرب راض عنكما ما دمتما في خدمته وتنفذان مشيئته، كفاكما ثرثرة، لقد أفسدتما علي خلوتي مع الرب. الغفران الغفران نطلب يا إلهي.

(المساعدتان تجفلان برهبة)

الرئيس- (يواصل) أما أنتما يا أختي بالرب فأنا لست بغاضب عليكما، بل أبارككما باسمه، وباسمه أمسح ما ارتكبتما من ذنوب.

(ينظر نحو السماء) باركهما، باركهما يا رب!!

(المساعدتان تلثمان يده واحدة بعد الأخرى بخشوع)

السوداء- شكراً أيها الأب.

البيضاء- شكراً جزيلاً..

(تخرجان)

الرئيس- (بعد تفكير)نور سماوي ظهر لي؟ أو هي النبؤة يمنحا الرب لأخلص أبنائه؟ يا لها من فكرة هائلة؟ لا شك أنها فكرة ربانية؟ أليس الهدف هو خدمة الرب، وإعلاء شأنه؟ ترسيخ ملكوته؟ تبجيل اسمه؟ نشر نوره؟ انتصار كلمته؟ لا شك في ذلك.

(يسير ويفكر، يقف قليلاً . يتأمل الجمهور بتمعن)

الرئيس- (يواصل) خطواتي أذن مباركة باسمه؟ من يدري؟ ربما يكون ذلك أسلوبه في إعلاء الأنبياء وبعث الرسل؟ من يعلم؟! ولكن من يستطيع أن ينكر؟

(يواصل النظر نحو الجمهور)

أما أنتم فلن أخاف منكم أبداً على هذا السر. أستطيع أن أقول بثقة كاملة إن الحقيقة لم تعد تجدي نفعا. باستطاعتكم أن تعلنوا الحقيقة كيفما شئتم. أن تنشروها بصحافتكم. أن تتبادلوها مع تهاني الأعياد أو مع التعازي!! تستطيعون أن تتراشقوها بمدافعكم.

أصرخوا في وجه الدنيا أنكم تعلمون الحقيقة. أنا أبشركم مسبقاً. الحقيقة لم تعد تجدي نفعاً. ألم تعتادوا على نقيضها؟! واصلوا الصمت. واصلوا الصمت هذا أفضل لكم. ها أنا أقف أمام عالمكم الصاخب. لم أمانع من الوقوف أمامكم. لتسمعوا وتروا. بالنسبة لكم هي حكاية، قد تعجبكم، وقد لا تعجبكم، أما الحقيقة..؟

(يصمت، إذ يبدأ عد كبير من الرهبان السود والبيض في الدخول للمسرح، الهمس يعلو وينخفض، السود يتشاورون فيما بينهم..).

رهبان سود وبيض سوية- نبؤه.. الرب ظهر.. نور سماوي.. الرب... بينما كنا هاجعين.. كان صوتًا غريباً.. شاهدنا.. نور ساطع..

نحن عبيدك يا رب. تحدث معه.. بينما الكل نيام.. المساعدتان.. أمر عظيم.. حكمة الله.. رب تمم بخير، نور عظيم، عجيبة.. يوم له ما بعده.. كان صوتاً قوياً.. جلجل حديث الرب فاستيقظتا.. كان في خلوة.. نوره دليل.. يا للفرح والسعادة..

الرئيس- ما الذي أيقظكم يا أبنائي؟ فأمامنا حتى الفجر وقت طويل؟

راهب أبيض- ما هذا الذي سمعناه؟ نحن في حلم أم في حقيقة؟

الرئيس- أنتم مباركون باسم الرب، ولكم محبته وملكوته.

راهب أسود – يخيل إلي أني سمعت صرخة، وعندما فتحت عيني، كان كل شيء هادئاً.

راهب أسود - في هذه البرية.. حيث يقوم ديرنا المقدس معلياً كلمة الرب. يوجد عشرات الوحوش ولكني، متوخياً للحقيقة – أقول، إن ما سمعته، لا يمت للغة لحيوان بصلة.

راهب أسود - كانت صرخة بشرية.

راهب أسود - صرخة طال احتباسها حتى تفجرت.

راهب أسود - نداء استغاثة من يائس.

راهب أسود- بل هي زفرة إنسان متألم، يعرف من أين يأتيه الألم.

راهب أبيض - (للرئيس) ما هذا الكفر الذي نسمع؟ وفي كنف الرب؟

الرئيس- (شاحب الوجه) ليت الرب قبض روحي قبل أن يصل لمسمعي مثل هذا الكلام.

راهب أبيض- رغم الحضارة التي نقلناها لإخواننا، أبناء هذا الدير التعيس المتأخر، رغم الحقيقة الربانية المتجلية التي أضأنا

بنورها المشرق ليل أيامهم..

راهب سود - (مقاطعا) وبها تنافسوننا على ديرنا وخيراتنا.

راهب أبيض- طوبى لناقلي نور الرب. طوبى للضاربين بسيفه. طوبى لمنفذي مشيئته. طوبى لأفضل أبنائه، وأقربهم إلى قلبه.

راهب أبيض- طوبى لأبنائه المختارون.

الرئيس- (فاتحاً ذراعيه طالباً الصمت) أسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض، قال أشعيا النبي: ((ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا علي)).نطلب لهم الصفح والغفران منك أيها العلي القدير

راهب أبيض - سنكون لمشيئته أطوع من البنان.

راهب أبيض - وباسمه نغرز دعوته في القلوب الشريرة. نطهرها من رجسها.

راهب أبيض - ننقذها من ضلالها

راهب بيض - ونجتث رؤوس الكفار العاصين عن قبول كلام الرب وننفذ مشيئته.

راهب أبيض- لا نرهب ولا نرتد، حتى نعلي شأنه في كل الأرض.

راهب أسود- نحن من أجل الرب. غير أن الرب لا يحب إلا الحقيقة.

راهب أسود- الحقيقة الكاملة. الساطعة كنور الشمس في ظهر يوم تموزي.

راهب أبيض- هي لغة الخارجين عن إرادته

راهب أبيض- بل هو العصيان.

الرئيس- كفاكم نزاعاً يا أبنائي. ألم يقل سيدنا: ((أحبوا بعضكم بعضاً؟))إن ما أراه منكم، يجعلني عاجزاً عن الكلام قبل الاختلاء بملكوته والصلاة لهعن نفسي وعن نفوسكم يا أبنائي، عله يسامحنا.. يصفح عنا.. نحن المذنبون أبداً.

راهب أسود- سامحنا أيها الرب، إن كنا قد أخطأنا.

الرهبان السود- (سوية) سامحنا.

راهب أبيض- حتى الخطأ لا يعترفون به.

الرئيس- (متحركاً بين الرهبان) يا ابنائي كفاكم نزاعا، بينما انتم نيام، زلزلت الأرض زلزالها، ونور ساطع أضاء غرفتي. مخترقاً جفني المسدلين. باثاً الضوء في عيني. فعرفت أنها مشيئة الرب...فخررت ساجداً لنوره

(يصمت الرئيس... يخطو حتى يقف في وسط المسرح... الرهبان يختلطون ببعض من كل الجوانب، ولكن يبقى واضحاً أن الاختلاط لا يزيل وجود جماعات سوداء وجماعات بيضاء. ويستحسن أن يكون في وسط المسرح مسطبة علوها لا يزيد عن نصف متر، ليقف فوقها الرئيس في الوقت الذي يحيط به الرهبان).

الرئيس- مبارك أنت أيها الرب.

الجميع- مبارك مبارك أيها القدوس

الرئيس- أما أنتم يا أبنائي، فالرب قد خصكم بقدسيته، فبعث نوره في ديركم..أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح يا أبنائي، فبماذا يملح؟ إياكم والمعصية، إياكم والمعصية. لا تدعو الشر يحتل مكان الإيمان في عقولكم، والنور في قلوبكم، والاطمئنان في نفوسكم، كونوا قلباً واحدا. هكذا هتف بي نداء من عند الرب. وقال، أطيعوني.. ولا تعصوا لي أمراً. وقال، كونوا معي على أعدائي، وأنتم يا أبنائي الذين رأيتم توهج النور في هذا الدير... في هذه البقعة المباركة. أقول لكم ما قاله لي الصوت المقدس:(( أحبو أعدائكم، باركوا لأعينكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات)).

راهب أبيض- صدق الله العظيم.

الرهبان البيض- صدق الله العظيم

(الرهبان السود يتشاورون)

الرئيس- لنصل على شرف الرب الذي بعث نوره في ديرنا رمزاً للخير...والمستقبل النير...رمزاً للمحبة والغفران الشامل لخطايانا وخطايا البشر.

(يواصل الصلاة بصوت غير مسموع)

(راهبان أسودان يقفان في جنب المسرح، ويتبادلان الحديث بصوت منخفض، ويدور بينهما الحوار التالي):

الأول- رئيسنا يكذب

الثاني- مغفرتك يا رب

الأول- الرب في القلوب أما الكذب فلا يمت للرب بصلة

الثاني- كلامك شرك خطير، مصيره جهنم وبئس المصير.

الأول- وهل حالنا أحسن من حال جهنم؟

الثاني- كلامك يخيفني. وما يتستر وراء الكلام مخيف أكثر. المغفرة يا إلهي أرحمنا بمحبتك

الأول- ستصلون لمعنى كلامي عاجلاً أم آجلاً والأفضل عاجلاً ، عندها تنتهي معاناتنا، أما استمرار الصمت وبقاء الحال على هذا المنوال فهو الكارثة بعينها.

الثاني- نجنا يا رب من الشرير، خذ عنا الشيطان.. وطهر قلوبنا. خلصنا من الخطيئة، أبعد عنا إغرائها...ومدنا بيقين الإيمان.. ولا ترمنا بالتجربة..

الأول- الخوف صفة لا يحبها الرب بالإنسان

الثاني- بدون الخوف نخطئ.. والخطيئة لا تليق بأبناء الرب

الأول- السكوت على الظلم خطيئة.. الصمت على الألم.. خطيئة.. الخضوع لنزوات الآخرين خطيئة.. كان الدير لنا، فأصبح لهم. كانت الأرض لنا، فأصبحت لهم. كانت الحرية لنا، فأصبحت لهم. كنا رؤساء أنفسنا، فأصبحنا مرؤوسين. فأي خطيئة نرتكبها إذا ما تحركتا لاستعادة حقنا أو بعضه...؟ أليس التنازل عن الحق خطيئة؟ أليس الصمت عن الذل خطيئة؟ أليس قبول الهوان خطيئة؟

الثاني- ربما تكون هي مشيأتة في علاه.

الأول- وهل أحببنا الرب لأنه يظلم؟

الثاني- بل يساعد المظلوم!!!

الأول- وهل أحببنا الرب لأنه لا يستمع لصراخ المعذبين والمساكين؟

الثاني- بل ينصرهم!!!

الأول- تماماً ما تقول... فلماذا الرب الذي عرفناه هنا .. يظلم المظلوم؟ ينصر المعتدي؟ يعطي للظالم ما لا يستحقه؟ يهب السارق أضعاف سرقته؟ أصم الأذنين؟ أعمى العينين؟ أي رب ذلك يكون ؟!

الثاني- أنت تدعي أمور رهيبة.

الأول- بل هي الحقيقة...عشتها أنت والآخرون.. ولا أنكر أنها رهيبة. إذا ما اخترقت الأعماق بإشعاعها المضيء. حتى الحب الذي يدعونا إليه الرئيس، هو حب من جانب واحد. حب المغلوب على أمره للذي غلبه، حب المهزوم لهازمه، أي طعم يكون لهذا الحب؟

الرئيس- (ينهي صلاته) صدق الله العظيم

ألبيض وجزء من السود- آمين.

(ينزل رئيس الدير، ويخرج)

راهب أبيض- الحق لا يعلو عليه أحد، أيها الأخوة، لأنه حق الرب.

راهب أبيض- الرب يأخذ والرب يعطي.

راهب أبيض- مباركة مشيئة الرب.

راهب أبيض- هللويا.. هللويا.

راهب أبيض- بيده الفرح والمسرة.

راهب أبيض- هللويا ... هللويا.

راهب أبيض- أخلص أبنائه، أحق بمسرة الرب وفرحه.

راهب أبيض- قدوس... قدوس ليكن اسمه مباركاً.

راهب أبيض- وبالروح والحق ينبغي أن نسجد له.

راهب أبيض- قال الرب ليشوع: ((لا تخف ولا ترتعب)).

راهب أبيض- لنقم مذبحاً للرب إلهنا. لنمجد اسمه دوماً.

راهب أبيض- نمجده مع إطلالة كل فجر.

راهب أبيض- نمجده في كل زمن، وفي كل وقت، حتى يتحقق وعده وتحل إرادته.

مجموعة رهبان بيض - هللويا ... هللويا... مقدس أسم الرب.

راهب أبيض- مباركة إرادة الرب.

راهب أبيض- مباركة ملكوت الرب.

مجموعة رهبان بيض- هللويا.. هللويا.. مباركة ملكوت الرب.

راهب أسود- أنتم يا أخوتي تكثرون من استعمال كلمة الرب

في أقوالكم. أما أفعالكم فبعيدة عن الصفات الربانية.

راهب أبيض- تتهمنا بالزندقة؟

راهب أبيض- تفو على الشيطان.

راهب أبيض- تفو على الوسواس الخناس.

راهب أبيض- نحن أخلص أبناء الرب ومجددي مجده.

راهب أبيض- هذه تهمة خطيرة، بأي حق تنكرون علينا إيماننا؟

راهب أبيض- كلامكم يخفي ما في الصدر من نوايا.

راهب أبيض- هلموا أيها الأخوة نرفع الأمر للرئيس ليكشف النوايا السيئة ويزهق الباطل، إن الباطل زهوق دوماً.

راهب أبيض- ليعلم سيدنا أي منزلق ينزلقون.

راهب أبيض- الرئيس الآن في خلوة، يفكر بما بعثه الرب من إشارة عبر توهج نوره إلى ديرنا المقدس..

راهب أبيض- ولكن الأمر خطير، والنفوس ملأى باللؤم والنوايا خطيرة.

راهب أبيض- نؤجل ذلك حتى الظهر..

راهب أسود- أنتم دجالون.. قلوبكم ملأى بالحقد، وإيمانكم خداع..

راهب أسود- خطيئتنا الكبرى أنا وثقنا بكم..

أعطيناكم مما لنا بلا حدود...

راهب أبيض- هذا حق لنا...

راهب أسود- من أعطاكم حق العيش هنا؟

راهب أبيض- الحق حق الرب، والدير دير الرب والملك ملكه ونحن هنا بمشيئته

راهب ابيض - نحن ابنائه المختارون.

الرهبان البيض- مباركة مشيئتة الرب.

راهب أسود- نحن بناة الدير وأصحابه.

راهب أسود- قطعنا الحجارة بأيدينا..

راهب أسود- وعلى أكتفانا نقلناها..

راهب أبيض- (مقاطعاً)طريقة بدائية....

راهب أبيض- نحن نستطيع أن نفعل ذلك كله بأقل من عشر الوقت.

راهب أبيض- عندنا المهندسون والمعماريون فماذا عندكم؟

راهب أسود- الإرادة والسواعد وقوة العمل.

راهب أبيض- نحن لدينا المعرفة.

راهب أسود- وبالمقابل تأخذون ديرنا فماذا نصنع بالمعرفة عندئذ؟

راهب أبيض- يا لكم من قوم متخلفين، جاحدين.

راهب أبيض- أرسلنا الله لبث الحضارة والمعرفة بينكم لتخليصكم من تخلفكم.

راهب أبيض- نحن أخلص ابنائه

راهب أبيض- نحن سيفه المسلول

راهب أبيض- لذلك اختصنا بالمكان الأول في ملكوته

راهب أبيض- بخيارنا من بين كل البشر، ومنذ أول التاريخ، هل من ينكر ذلك؟

راهب ابيض – حتى كتبكم تعترف بذلك.

راهب أبيض- (مخاطباً الجمهور)هل تنكرون ذلك؟

راهب أبيض- لم ينزل نور الرب في هذا الدير إلا بعد مجيئنا، وتلك أشارة الى ان مشيئته معنا دائماً، يحرس خطانا ويحمي أرواحنا وينصرنا نصراً مبيناً.

راهب أبيض- مشيئة الرب، تعطي النصر دوماً.

راهب أسود- (حانقاً)كفاكم كفراً وتجديفاً... كفاكم تلاعباً بالكلام والألفاظ الجوفاء...إن عملكم هو تكريهنا بالرب إلهنا، الرب ليس سلعة تشترى وتباع، ولا يقيم علاقات خاصة مع أحد...ولا يميز بين أبنائه.. والله لو لم يكن هذا الدير لنا، ولو كنا نملك سواه، لخلعنا هذه الثياب... ورحلنا!

راهب أبيض- نحن على استعداد لدفع كل تكاليف السفر.تذكروا ذلك دائماً.

راهب أسود- هذا ما تحلمون به، ولكنا باقون ..ابد الدهر باقون، وسيتحول بقائنا إلى كابوس يقض مضاجعكم.. إلى غول يفترس هدوء بالكم...

راهب أبيض- متخلفون، يتمسكون بالعذاب...أفتحوا عيونكم لتروا بلاد الله الواسعة،

راهب أسود- ما دمتم ترون، فما بالكم تنكدون عيشنا؟

راهب أبيض- تلك مشيئة الرئيس، ومشيئته هي أمر الله.

راهب أبيض- جئنا لهذه البقعة نزولاً عند كلام الرب.

راهب أسود- الرئيس خصكم بأحسن جناح في الدير رغم أننا شيدناه بكدنا وعرقنا.

راهب أسود- مفاهيم العدل انقلبت في هذا الزمان .. من يملك يجرد من ملكيته، ومن لا يملك يوهب بلا حساب.

راهب أسود- حتى الشمس تشرق من جهتكم..والنسيم يصلنا بعد أن يرطب غرفكم، حاملاً حرارة حقدكم.

ثلاثة رهبان سود سوية- فهل يكون مثل هذا الرئيس عادلاً؟

راهب أبيض- قالوها أخيراً!

راهب أبيض- قلوب سوداء مفعمة بالحقد.

راهب أبيض- كراهية عمياء لا تعرف حدود.

#كتاب

2 views