Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: التهجّم على السيّدة فيروز


التهجّم على السيدة فيروز... يا عيب الشوم

ليس لأنّها السيّدة فيروز الأسطورة التي لا تطيب صباحات العرب إلا بصوتها... وليس لأنها امرأة من لبنان أعطت للفن ما لم يعطه أحد آخر، وأصبحت منارة ثقافية وحضارية تجاوزت الحدود وطبقت الآفاق بنورها الكبير... ليس لأنها زوجة الكبير عاصي، وأم الكبير زياد، واقترن اسمها بالرحابنة، أشباه قلعة بعلبك، والأهرام، وآثار تدمر، والجنائن المعلقات في بلاد ما بين النهرين... بل لأنها امرأة في الثمانين من عمرها، أرادت أن تصلي، وهي التي غاب صوتها منذ سنوات طوال، حتى تساءل الناس: أين هي فيروز؟ وماذا حدث لها؟ وما سبب غيابها؟ أرادت أن تصلّي بطريقتها، وكما تحبّ، من غير إساءة إلى أحد، فتعرضت لشتى أشكال التفاهة من أناس لم يقدموا للبشرية شيئاً... ولو سألتهم عن إنجازاتهم في أي حقل من الحقول، لصمتوا كأن على رؤوسهم الطير، وعدّدوا لك نجاحاتهم في النوم والشخير والإنجاب ليلاً، وفي الأركيلة وصواني الكبة والفتوش، والمزاح السمج والنكات البائخة نهاراً. هؤلاء لا عمل لهم، إلا السخرية من كل ما يفعله الناس. يسخرون من المفكرين والعلماء والعباقرة، ولو مر سقراط في مدينتهم لرجموه و"شرشحوه" لأنه ليس على شاكلتهم. هؤلاء يشبهون رجلاً ساقطاً لا شغل له إلا التجريح بالناجحين وأصحاب الفهم والفضيلة. بل هم مثل العظم الذي "يحرتق" في الدست لكي يسمع الناس صوته ويعرفوا أنه موجود. هؤلاء عندهم "عقدة الخشخاش الطويل"، وهي عقدة موجودة عند الآلاف، بل الملايين من أبناء هذه الأمة. وهذه العقدة تحدّث عنها علماء الاجتماع، وتنطبق على مجموعات من مخلوقات الله، تنظر إلى كل طويل لتعمل على تقصيره، فالعيب في نظرها أن يتفوّق المرء، وأن يقدم شيئاُ جليلاً... فهذا يؤلمها ويشعرها بأنها محتقَرة وقليلة القيمة. ولهذا نرى المفكرين والعباقرة والعلماء يتعرضون للمهانة والسخرية، فكيف ترقى أمة من الأمم، مصابة بهذه العقدة على أوسع نطاق؟ تهجّموا على فيروز لأنها صلّت لإله لا يشبههم، فهم يريدون إلهاً ثرثاراً، يتحدّث بالكلام البذيء، والشتائم، والنكات "من الزنّار ونازل"، ويداوم على السهر في حانات جونيه وبيروت، ويرتدي الخليع من الثياب، ويحترف الرقص "على السح ندح نبو" و"بوس الواوا". أناس يفضلون أغنية "الحاصودي" على "سكن الليل"، وموسيقى الطناجر على سيمفونيات بيتهوفن وتشايكوفسكي وموزارت... أناس يعلّقون أكياس القمامة في أغصان الشجر مثل قناديل الحكاية، ويرمون بجثث الحيوانات في مجاري الأنهار، ويملأون البحار بالقناني والمحارم والصحون... وينجبون ويُكثرون ليملأوا الدنيا من ثمارهم الطيبة. أناس يريدون تحرير الأرض والعرض، ولا يحرّرون أنفسهم من الحسد والضغينة والحقد على كل كبير، فكيف ينتصرون وهم يقتلون جارهم لأنه في نظرهم من الخشخاش الطويل، ويحرقون كرمه المليء بالعنب لأن كرومهم لا تعطي؟ صلاة فيروز، لو كانت لهم لكانوا عشقوها، واعتبروها "سفيرتنا إلى النجوم"، لكنها صلّت للعالم أجمع، وهل هناك عالم في نظرهم إلاّ عالمهم المتأخّر الخالي من العِلم والمختبرات والاختراعات العجيبة؟ فيروز لا تعجبهم لأنها من دين الإنسانيّة. هي تؤمن بالله وتسأله الرحمة للشعوب، وهم يؤمنون بالشر، ويطلبون من إلههم أن يقتل الشعوب جميعاً ليبقى السخف والتقهقر والتحجّر والسكن في الكهوف النائية والعتمة الأبديّة... فيا عيب الشوم!

#كتاب

2 views