Search
  • Jamil Doaihi

خالد أبو غنام: سندريلا بيروتية ترفض حياة القصور


رغم إصرارها بأنها لم تذهب لحفلة ابن السلطان، إلا أن أوامر الجنود واضحة: على كل بنات بيروت أن تجربن لبس حذاء الفتاة التي أسرت قلب ابن السلطان، هذا الفتى المدلل الذي لا يبحث إلا عن اللهو والملذات، وهو لم يتعود أن يختلط بالعوام. أما أبوه السلطان فهو مجواز له شهرة بتذوقه مصاهرة الأكابر وتعلية شأن ذوات الحسن والجمال. قرر السلطان أن يقيم حفلة حتى يختار لابنه زوجة تتوج بلقب أميرة.

ذاع صيت الحفلة في أرجاء بيروت نواحيها، حتى أنه وصل للمدن المجاورة، إلا أن السلطان أمر أن تكون الحفلة لأهل بيروت فقط. فقد إذاع القراء الخبر بالأسواق وصعد فوق الأسوار الفريق المجولق وصرخ بالأبواق نبأ أفراح السلطان برؤية حسان العوام، وهمست العوانس والعجائز عن تناول العشاء السلطاني ليلة واحدة تكون مائدة للمحرومين، أما ثيبات الجدور وربات البيوت فكن يأملن بمشاهدة حياة الترف التي لا يعرفها إلا علية القوم.

لكن بارات سيدة الآلهة السماء وصفية حوريات البحر قالت:- لن يدخل العوام حفلة السلطان إلا بلباس حوريات الجنة، حتى تتساوى حسان فقراء العوام ومحظيات الطبقة المخملية. أرسلت بارات لكل فتاة في بيروت وصيفة سماوية وحورية بحرية لتخترن هندامها وتزين قوامها، حتى باتت بيروت مدينة حوريات الجنة.

تلوث عقول البنات بكل فساد ممكن، بعضهن كن تعرفن حظهن سيئ وكن يفكرن بعريس من الحرس السلطاني أو حتى من خدم القصر، كما أن هناك مجنونات قلن أنهن لن يخبرن القصر أنهن متزوجات، وإذا وجدن نصيباً أفضل فلن يترددن بالذهاب لحياة الدعة، ونسيان عذابات الفقر وأفواه أطفالهن التي تبيت دائماً بلا مغموس غير الماء.

لم يخلُ الأمر من إرهاب السلطان وجبروت ذوي السعفة وظلم كل ذي إمة:- فكل أكابر الدولة اتفقوا على أمر الحفلة ولم يعارضها ذوي الحسب والحساب ولا أهل النسب ومصارف، فكلهم اتفقوا أن الحفلة ستكون كما أمر الملك وبما وهبت بارات حتى يرضى السلطان ولابنه المدلل أن يختار عروس من العوام.

إلا أن الدموع ملأت شرفات العشاق، وما أعند عشاق بيروت، بيروت التي رقصت بها الإله العذراء عناة ولكنها لم تتعرى للقدموس، بيروت التي سرقوا منها أجمل إله المسمى أوروبا ولم يعرف أحد من سرقها وأن اللعنة ستحل على كل من ينال من بنات بيروت، آه يا بعل يا إله خلق آلهة وفرقهم على بلاد الدنيا لتبقى بيروت له وحده، آه يا بعل لم تلد زوجتك عشيرة أبناءها إلا منك وأنت قلت البغاء حرام ونساء بيروت أحرار ويقتل من يحاول استعبادهن.

صعد أنفاس البنات وقلنها عالياً: لا وألف لا نحن لسنا مرايا الجمال بل نحن أجساد لها قلوب تهوى، نزلت البنت الأولى لشارع وقالت: أنا فقيرة وأحب جاري الفقير ولن أكون لغيره ولن أحضر حفلة السلطان ولن أغادر حارتنا الفقيرة، نحن هنا باقون مثل أشجار الأرز، تشجعت أخريات وتدافعت احتجاجاً على القرار الإجباري، تجمهر البنات في الساحات: ممنوع إجبارنا على حضور الحفل، نحن فقيرات لكننا لسنا جواري نحن بيروتيات.

جاء همايون سلطاني: أن الحضور اختياري وأن بنات بيروت كلهن أهل حسب ونسب حتى لا تغضب آلهة السماء والبحر. وفي ليلة الحفلة كن البنات يذهبن فرحات بما وهبت لهن بارات، ويتشوقن لرؤية القصر السلطاني وملذاته.

من جانب آخر هبطت عناة من فوق الغيوم ومعها فرقة الطبل والزمر، والتف حولها العشاق كل بنت تشبك يدها بيد حبيبها وبدأوا يرقصوا الدبكة بحلقات لولبية كما لأنهم يشكلون أسوار داخل أسوار لحماية عناة إله العذرية الكنعانية.

قبل نهاية الحفل عرف السلطان أين سقط قلب ابنه، لكنها هربت ولم يعرف كيف يصلها؟ سأل عنها بارات وعناة وتحت قدمي بعل ركع وتوسل:- ابني يريدها زوجة إمنحنه إياها يا سيد السماء. فقبل بعل أن يسمح له أن يدخل بيوت العوام لن دون أن يرهبهم ولا يسوقهم عبيد له.

في الصباح أقبل الجنود أبواب بيروت، ممنوع الدخول لأي كان وممنوع مغادرة المنازل قبل أن تقيس كل بنات بيروت حذاء الفتاة المفقودة، والتي لا يعرف الأمير اسمها ولا لون عينيها ولا ماذا تناولت من العشاء السلطاني، وهل كان معها وردة جورية أم طوق ياسمين أم أساور سوسنية؟

تم فك الحصار عن أحياء بيروت الواحد تلو الآخر حتى وصلوا لآخر حي، وهنا بدأ اليأس يعبر قلوب الفريق المجولق بأن مهمتهم فشلت، إلا أن البيت القبل الأخير كان استثناء، إنها سندريلا التي لبست الحذاء مجبرة بعدما قالت:- إنها كانت ترقص مع حبيبها في حلقات عناة، وصرخت بأنها ليست جارية وأنها ستشكي أمرها لبارات وتسكب دموعها لعناة وتسجد لبعل لينقذوها، لكنهم لم يترددوا بسحبها للساحة معلنين أنها هي الأميرة.

سندريلا صرخت:- يا أهل بيروت لن أعيش إلا هنا بينكم، وإن كان أميركم يريدنا زوجة عليه أن يسكن في حينا ويحيى مثلنا، أما أنا فلن أغادر حينا الفقير فهو مائي وهوائي. وهذا الشاب المصلوب أمامكم هو حبيبي وجريمته أنني أحبه ومن أجله أطلب أن تدفنوني في قبره ليبقى لي للأبد.

#كتاب

1 view