قلائد من فكر جميل الدويهي

مختارات فكرية من ثلاثة كتب

للأديب د. جميل الدويهي: “في معبد الروح" -كتاب فكري، "تأمّلات من صفاء الروح"- كتاب فكري، و"طائر الهامة"-رواية

                                  

 

 المقدّمة


 

لا أزعم التأليف في هذا الكتاب، فكلّ الجهد الذي بذلتُه اقتصر على تجميع قلائد من فكر الأديب د. جميل الدويهي، من ثلاثة كتب له، هي "في معبد الروح"، "تأمّلات من صفاء الروح"، و"طائر الهامة". وهذا الجمع للمادّة الفكريةّ ضروري في غياب النقد الأ كاديميّ الصحيح، والمقارنة العلميّة. وقد وُصِف الدويهي بفيلسوف العصر، والعبقريّ، والأمير، والعميد للأدب المهجريّ، وخليفة سعيد عقل، وجبران الجديد... وهو الذي يأنف الجوائز والتصنيفات، ويقُصر همّه على أدب رفيع وراق، لا إقذاع فيه ولا كلام هابط. ويقول: "كتبي هي أوسمتي"،

و إذا كان الحاضر لا يلتفت الى هذه الكتب، فالمستقبل سينظر إليها، حيث لا مكان للترويج الاعلاميّ والدعائيّ، بل عِلْم لا يسُقط رقماً في حساب .

الدويهي الشاعر بأعمدة سبعة، والكاتب القصصيّ، والمؤرّخ، والأستاذ الجامعيّ،  والباحث الأ كاديميّ الذي نشُرت مقالاته في كتب ومجلاّت متخصّصة، والإعلاميّ، والكاتب السياسيّ، والذي تعَلّم الانكليزيةّ من غير معلّم وكتبها... هو مفكّر أيضاً. وماذا يمنعه أن يكون مفكّراً؟ وهل هناك سلطة قمع تفرض على الانسان أن يكون أو لا يكون؟

قالت إحدى الطبيبات العربيّات بعد أن حضرت "مهرجان الأدب المهجريّ  الراقي - 2" عام 2016، وسمعتْ الدويهي يلقي من7 أنواع شعره: "جميل الدويهي عبقريّ، هو سعيد عقل الثاني، وإنّي أعجب كيف أنهّ لا يأخذ حقهّ، لكنّ التاريخ سيعطيه هذا الحقّ  ."

ويقول الدويهي متعجّباً ممنّ يحْجبون عنه صفة "مفكّر"، بينما تعُطى لكثيرين غيرهممّن لم يكتبوا شيئاً يذُكر، ولم ينشروا كلمة، فيقول:

"أفكرّ في كلّ حين. التفكير صداع.  أخذت حبّة أسبيرين، وقال الطبيب: دعني  أفكِرّ عنك. لكننَّي فكرَّت: كيف يفكِرّ عنِّي؟  إذا فكرَّ عنِّي أكون من غير تفكير. أريد أن أفكِرّ، وعندما لا  أفكِرّ أفكِرّ في أيِّ شيء، في تنكة، في قمع، في جرَّار زراعيّ. دعوني  أفكِرّ لكي أتعب، و أشرب كأساً من الكونياك. أتأمَّل في الكونياك. أسأله عن عمره.  أطلب منه أن يقوِّيني. أقول له: الكحول ممنوع على الشعراء. الماء ممكن. جعلوه للعمادة...  أفكِّر وأفكِّر، وأخاف أن أغرق في التفكير. أنظر إلى رغوة الكونياك. هي ليست رغوة وليست من الصابون في شيء. هي قليل من فكري يعمل في الكأس. حقيقة  أنا مثل هذه الكأس، شفاَّف، تخترقني الشمس من جهة إلى جهة. يتركني أحدهم على طاولة في حانة. يريد كسري أيّ مشاغب. ومكتوب على الكأس: "فكري مرّ من هنا" (من كتاب الدويهي: حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان - شعر أو نثر).

وها إنّي أعرُض على الناس قلائد من فكر الدويهي، شهادة حيةّ وصادقة على  أعماله، وعلى تضحياته التي لا تصُدّق في سبيل الفكر والأدب، فعلى الأقلّ علينا أن نعترف بهذه التضحيات الماديةّ والمعنويةّ، ونكُبر هذا الكرم الدويهي الذي يشْبه الخيال، وإذا كان هذا الكرَم لا يظْهر لبعض العيون، فالمشكلة هي في تلك العيون التي لا تريد أن ترى، وتعتقد  أنّ عدم رؤيتها هو كلّ الحقيقة.

                                                        مريم رعيدي الدويهي

                                                          سيدني 2017

 


كتاب "في معبد الروح"


 

العظة الأولى "صورتي في المعبد"


 

- الشمس هي الهديَّة التي أعطاها الله للبشر ولم يحطِّموها. الشمس هي الأيقونة المقدَّسة التي صرف الله عليها كثيراً من الوقت قبل أن يعرضها على صدر السماء الزرقاء تحفة  من ذهب ونار. وهي عندما تسير إلى الماء بخطى ثقيلة، تعرف أنّ البشر ينتظرونها في ساعة معيَّنة، لكي يقوموا إلى حياتهم من نوم بائس. وعلى الرغم من أنَّهم يركضون وراء الوهم والعبث، فهي تضيء لهم وتضحك من بساطتهم، وتقول في سرِّها: الناس طائفة من أسوإ الملائكة.

-كنت أعطي المحاربين خبز الحياة، ولا أميِّز واحداً منهم عن الآخر. كانوا يجيئون إليَّ مستعجلين والدماء على أثوابهم، ورائحة الدخان تفوح منهم، وبعضهم كانوا يصخبون ويفاخرون بأنَّهم قتلوا امرأة أو هدموا بيتاً على رؤوس أصحابه، وكانوا  يسألونني بشغف: هل عندك خبز لنا في هذا اليوم؟

كنت أجيبهم: هذا هو خبزي يُعطى للذين كفروا، لأنَّ الكفر لن يكون نهاية، كما أنَّ الإيمان ليس بداية... الحياة أيُّها الأبناء تناديكم إلى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام. والله الذي أعطاكم الشرَّ سلاحاً أعطاكم الخير أيضاً، وسرعان ما سوف تكتشفون الخير في أنفسكم فتكرهون أرواحكم الماضية، وتبحثون عن منازل جديدة، ومعابد لا تهدمها العواصف. نعم  أيُّها الأبناء، لقد أخذتكم الحرب من نسائكم وأسرارِكم المقدَّسة، وظننتُم أنَّكم بالدماء ستطفئون عطشاً يجتاح أجسادكم، لكنَّكم لم تحصدوا من وحشيَّتكم إلاَّ مزيداً من العطش. وإنَّني أدعوكم إلى مأدبتي، مأدبة الخبز والماء، مأدبة السلام الجميل الذي يطير بكم على أجنحة علويَّة إلى سماء لا يتصوَّرها الفنَّانون والشعراء. الروح ليست في أجسادكم وهياكلكم، بل هي تمتدُّ إلى البعيد البعيد.  هي الشيء الذي لا يُرى في أعماق الإنسان، وهي الشجرة الكبيرة التي تُعلَّق عليها أراجيح الفصول. فكم من الأشياء نراها على غـير ما هي عليه، بل نراها لأنَّنا اعتدنا على رؤيتها كما هي من غير أن نحدِّق في الحقيقة، والحقيقة أننّا نبصر من غير عيون ونسمع من غير آذان.

-الذنوب لا تُقيَّد بزمن، ولا تنحصر في مكان. إنَّها حياة متواصلة، والله أوجد فينا نزوات لا تُقاوم عند الضعفاء، ولكنَّها تُقاوم بصعوبة عند الأقوياء، فيتقدَّسون بالإرادة التي ولدتهم وطهَّرتهم بنارِها.

-الناس يجهلون أنَّ المرء يولَد والخطايا في قلبه، وأنَّ الخطايا لا تأتي في أثناء الحياة من تلقاء نفسها. إنَّها كالعطر المخبوء في الزهرة، فما إن يهبَّ النسيم حتَّى يخرج إلى فضاء النور. الخطيئة ولادة، لكنَّها ولادة متعثِّرة، ومن نواتها القاسية خرجت هذه الآلاف المولَّفة من الرؤوس، وهذه الأقدام العارية التي تخبط في تراب الزمن.

-التسامح قنديل المعرفة، والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس، والشمس تناديهم، فاختاروا الظلمة الأبديَّة ودياجير العبث.


 

العظة الثانية "الرجل الغريب وطبيعة الله"


 

-الله ليس كائناً مجسَّماً كما أنا وأنت وهذه التلَّة العالية التي تسرح عليها القطعان، هو الكلُّ في الكلِّ والنور في النور، فأنت ترى بعضاً منه في الأشياء التي حولك، فكلُّ شيء قدر صغير من الله الذي لا يُحدُّ... لقد تاه بعض الفلاسفة الذين اختصروا الطريق، وأرادوا أن يكون الله محواً وزوالاً، فما أزالوه من الضمائر والقلوب، ولا محوه من الكتب. المسألة إذن أكبر من أن يتجرَّد الخالق كما هو المخلوق، ولذلك عليك أن تحدِّد النظر في المخلوق لكي تعرف الخالق معرفة غير كاملة، بيد أنَّها كافية لإقناعك بنبل وجودِك ومكانتك تحت الشمس.

-أنتَ لا تعرف من المعرفة إلاَّ شيئاً يسيراً هـو أصغر من قطرة الماء في بحر، وإذا كان العقل يوهمك بقدرته على الاكتشاف، فإنَّه مغرور أيضاً وأوقعك أنت في الغرور. لكي تعرف الله عليك أن تتواضع، وأن تعترف بالحكمة التي لا يمكنك شرحها، فما أدراك بالبحر وما فيه من أسرار؟ وما أدراك بالفلك وما ينطوي عليه من أبعاد قد لا تنتهي؟ وما أدراك بلون عينيك إن لم تستخدم المرآة؟ والمرآة أقلُّ قدراً من العين نفسها، لكنَّ فيها فائدة. وقد تريك المرآة أشياء غير حقيقيَّة، فاحذر منها أيضاً.

-الشريعة لا تقول الأشياء بحرفيَّتها، فحذار من الوقوع في فخِّ الفهم الخاطئ. إنَّ كثيراً من النصوص لا يمكن تفسيرها إلاَّ بالحكمة العميقة والـتأمُّل المضني... وهكذا طبيعة الله، فالله غير مرئيٍّ في شخصه، لكنَّه مرئيٌّ في جوهرِه، وعليك أن تعوِّد عينيك على الرؤية المجرَّدة من العناصر المادِّيَّة، وأن تسمع الأصوات التي يحدِثها الصمت، والكتابة التي يتركها الفراغ على الورق، والنور الذي يتولَّد من الظلام. إذا وصلتَ إلى هذه الدرجة من اليقظة، فأنت حتماً واصل إلى بعض الحقيقة التي تسعى إليها.

-عليَّ أن أغمض عينيَّ لكي أبصر الله في قلبي، بعيداً عن جميع المؤثِّرات الخارجيَّة التي تعطِّل الحواسَّ، وتبعث على الحيرة والقلق... فإذا فتحت عينيَّ لاحت لي مشاهد كاذبة قد تُعمي بصري وتدفع بي إلى الضلال.

-الحقيقة التي يراها أغلب الناس ما هي إلاَّ أكاذيب متتالية جاءت بها العصور، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير، وما تراه أمام عينيك من مظاهر الحرب الضروس على طبيعة الله، وملكيَّته، وحقوق مصادرته والدفاع عنه بعض من تلك الأكاذيب التي توارثتها الأجيال واحتربت من أجلها، فامتلأت القبور بالأحياء، وظلَّ الأموات يجترُّون الباطل ما عاشوا، فسخرت القبور من حماقتهم وضحكت منهم الحياة. ما هو الله؟ الله هو الحُبُّ الذي فيك وفيَّ، لكنَّنا جعلنا الحقد يطغى على قلوبنا، فإذا بالحبِّ جثّة هامدة على مذبح النزوات البغيضة.


 

العظة الثالثة "الحقّ والباطل"


 

-الحكمة موجودة في عناصر الكون: في العاصفة والسكون، في البحر الهائج والبحيرة الهادئة، في الصمت والضجيج، في الهواء والشمس والأودية العميقة. الحكمة لا تُعرَف بالغضب.

-الحكمة هـي الـمـرأة الـتـي أعطتكما الحياة، وهـي التي تسير معكما فـي الطريق وتحرسكما.

وإذا كنتما تجهلانِها فلأنَّكما عاجزان عن اختراق الحُجب الرقيقة التي تفصلكما عن المعرفة. أنتما في حاجة إلى النور، والشمس ساطعة في السماء، وتحتاجان إلى البصر وعيناكما تبصِران.

-ليس القلب عاجزاً عن الفهم، ولكنَّه في حاجة إلى هداية العقل، والعقل لا يسير إلاَّ على خطى القلب.

-إذا جرَّدنا إنساناً مريضاً من قلبه، ووضعنا له قلباً من الحديد لكي يبقى على قيد الحياة، فهل سيفقد هذا الرجل عاطفته على أبنائه وأحفاده؟ وهل ستموت عنده المشاعر أو تتحوَّل؟ وهل سيخسر الإيمان بالله؟ وهل سيتجرَّد من الغضب والانفعال؟ فالحكمة البشريَّة تأتي من عصارة القلب والعقل معاً.

-لـو لجأ الـنـاس إلى الحكمة، لكانوا نجوا من المجازر المروِّعة وأنهار الدماء التي سالت على مرِّ العصور. لو احتكم الناس إلى القلب والعقل معاً لكانوا خلَّصوا أولادهم من ميراث الموت والدمار.


عظة الرابعة "ما هو الزمان؟"


 

-الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية، فالمستعجل والمتمهِّل كلاهما يصل إلى مبتغاه. أنظروا إلى الأمواج العاتية، فإنَّها تتحطَّم قبل أن تصل إلى الشاطئ، وتفرش زبدها على الصخور البعيدة والقريبة، وكذلك الأمواج الرقيقة المتمهِّلة، فإنَّها تنساب في رقَّة حتَّى تغمر الرمال وتعانق المصير عناق المحبَّة والشوق. بيدَ أنَّ الذين يسيرون بسرعة إلى المنتهى قد لا يفرحون بالحياة، إذ يداهمهم الموت ويخطفهم قبل أوانهم، بينما يفرح المتباطئون بما حولهم، وعندما يموتون تكون أعينهم وقلوبهم قد شبعت من الوجود.

-إنَّ الزمان أيُّها الناس هو المركب الذي يبحر فينا، فلا نحن نخشى من السفر، ولا المركب يتعب من الدوران. ونحن المسافرين، بعضنا يريد أن يصل إلى مواعيده، وبعضنا لا يهمُّه في أيِّ موعد سيصل. والذين ينظرون إلى ساعاتهم لا يعرفون أنَّ كلَّ دقيقة تمضي هي ذهب خالص يُرمى في تلَّة من القمامة، وأنَّ الريح لا تسأل عن أوقات محدَّدة ولا عن أرض تستقرُّ عليها... فلا تنتظروا من الزمن أن يسير معكم إلى الأمام، بل الأجدى أن تسيروا معه راضين، ولا تنظروا وراءكـم، لأنَّكم منذ ولادتكم تسيرون إلى الوراء.

-لقد ولدنا في كلِّ الأزمنة، ونعيش فيها، وزمن ولادتنا لا ينفصل عن زمان موتنا... فهل يمكن أن يولد إنسان من غير أن يموت إنسان آخر في اللحظة ذاتها؟ وهل يمكن أن يفرح رجل بينما لا يحزن رجال آخرون؟ وهل يعيش إنسان من غير موت ينتظره في زمان ما؟

وإذا سألوكم: متى تموتون؟ فقولوا لهم: نموت في الزمان، في الشتاء الذي يحطِّم الأشجار ويعرِّي التلال، وفي كلِّ موت يصادفنا ولادة.

-الناس يستقبلون الزمان بثياب أنيقة، ويذهبون إلى الأعياد والجواهر في أعناقهم، لكنَّ تلك لا تُغني، فكم من البشر يرتدون الملابس الباهظة، ويقتنون الذهب والفضَّة، ويرفعون قناطر بيوتهم لتلامس الغيوم، وأرواحهم فيها الشرُّ والأحقاد! وكم من الناس يتقاتلون على المقاعد الأماميَّة في الهياكل، وقلوبهم خيَّمت عليها العتمة! لقد رأيت رجال دين يغضُّون الطرف عن أناس ضعفاء ليُظهروا اهتمامهم بالأغنياء الذين يغمرونهم بالهدايا، ويروِّضون عقولهم لكي يصيروا معهم في دائرة واحدة يمتنع على البائسين دخولها. وما هؤلاء جميعاً إلاَّ البائسون الحقيقيُّون الذين يجهلون أنَّ الإنسان قيمة وليس سلعة تباع وتُشترى. فما أقبحني عندما أكون في ضيافة أناس أثرياء في ليلة العيد، وأخجل مــن زيـارة امرأة فقيرة ليس عندها سوى كرسيٍّ حقير تجلسني عليه!

-إنَّ الثروة لا تغيِّر شيئاً في طبيعة الإنسان لكنَّ طبيعة الإنسان تشتهي، لأنَّه يخاف أن يموت وجيوبه فارغة، وكأنَّ الزمان يخضع فقط لأهوائه ورغباته. وصدقاً أقول إنَّ الزمان بريء ويطلب البراءة، وصامت يطلب الصمت والتأمُّل.

-اختار الناس منذ قديم العصور أن يكونوا عبيداً للأزمنة، بدلاً من أن يكونوا أسيادها. وأيديهم تمتدُّ إلى الدفاتر الصفراء ليقتنصوا منها أوقات الحزن والفرح، بينما عناصر الوجود كلُّها لا تفعل ذلك. وكم يكون جميلاً لو أنَّ أعيادنا تأتي إلينا من غير أن ندري، فلا نعدُّ طعاماً ولا شراباً ولا لباساً. وعندما يطرق العيد على أبوابنا ويرانا مرتدين أثواباً حقيرة، وليس في بيوتنا إلاَّ قناديل صغيرة تضيء في الزوايا، فسيفرح معنا أكثر ممَّا يفرح بالموائد العامرة، والهدايا اللامعة... الأعياد لا تركب السيَّارات الفخمة، ولا تذهب إلى دُور السينما، ولا تميِّز الفرق بين العقيق والحصى. وإنَّ الثياب التي نحرص على انتقائها قشور تغطِّي أجسادنا، ولا تغطِّي أرواحنا. ونحن في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف، وما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه!



 

العظة الخامسة "قيمة الحُبِّ"


 

-الحُبَّ هو النار التي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوِّله إلى لهب أبديٍّ.

-قد يحبُّ الإنسان الله في كثير من الأحيان، وقد لا يحبُّه، وقد يتظاهر بأنَّه يحبُّه أيضاً، والله يعرف مَن يحبُّه ممَّن لا يحبُّ، فينظر إليه بعين الحنان والشفقة. أمَّا حبُّ الناس لبعضهم فشيء نادر، وكلُّ من يدَّعي أنَّه يحبُّ الله وحده يكون حبُّه باطلاً، فالحبُّ يكون لله والمخلوقات وللكون أيضاً. الحبُّ يعطيكم الحرِّيَّة، وبالحرِّيَّة ينسجم الخالق معكم ويصير الحبُّ  في مرتبة العبادة.

- بعضكم يحبُّ امرأة واحدة، فحبُّه صادق وحميم، وبعضكم يحبُّ كثيراً من النساء، فحبُّه ليس باطلاً لأنَّ الذي يحبُّ أفضل من الذي يكره.

- لا ترجموا امرأة إذا أحبَّت رجالاً كثيرين فإنَّها أيضاً لا تكره، وإنَّكم لا تفرِّقون بين ذكر وأنثى كما أنَّ الله لا يفرِّق.

- الحبُّ للذات هو شعور طبيعيٌّ، ولذلك يخاف الإنسان من العذاب والألم والموت. ولكن يجب ألاَّ ينحصر الحبُّ في الذات وحدها، وأنتم تحصرون حبَّكم في أنفسكم وفي أقرب الناس إليكم. وحُبُّكم ليس مجرَّداً عن المصلحة، فالأب يحبُّ أبناءه لأنَّهم من لحمه ودمه، والرجل يحبُّ المرأة لأنَّها نصفه الآخر، والفلاَّح يحبُّ حقله لأنَّه يعطيه الغذاء، والصيَّاد يحبُّ البحر لأنَّه يقدِّم له الخير الوفير. وعلى الرغم من هذه المصلحة، فإنَّ الحُبَّ يرفعكم من مصاف الناس إلى مصــاف الملائكة. وكــم يكون جميلاً لــو تحبُّون مــن غــير فائدة، فـإذَّاك تطير أرواحكم إلى السماء كألحان الربيع، وتولَدون في معموديَّة الحبِّ!

- مـن أسوإ الحبِّ أيُّها الأبنـاء الحبُّ الذي يعبِّر عنه رجال الديـن لمَن يملكون الثروة والغِنى، وهذا الحبُّ يغيظ الفقراء الذين لا يملكون شيئاً ليعطوه، فأين من هؤلاء فلس الأرملة الذي أعطته الحكمة الإلهيَّة مثلاً يُحتذى؟ وماذا لو أنَّ الله خلق جميع الناس فقراء، ولا أغنياء بينهم؟ فهل كانت الديانات ستبطل؟ وهل كانت المعابد ستتهدَّم وتصبح هباء منثوراً؟ كلاَّ يا إخوتي، إنَّ الغنيَّ لا يضيف إلى ثروة الله فلساً واحداً، والمعابد التي تقوم على المال هي معابد فارغة من الصلاة ومن رائحة البخُّور. وأضيف إلى هذا أيُّها الأبناء أنَّ رجل الدين الذي يُهمل فقيراً لفقره، أو أرملة لحاجتها، أو يغضُّ طرفه عن آلام المتألِّمين ليمضي إلى حفلة عرس إنَّما هو رجل يقتل الحُبَّ فيه، ويخلق البغضاء في نفوس البائسين.

- مـن أسوإ الحبِّ أن يتظاهـر رجـل بحبِّ امرأة لكي تعطيه جسدها، فإذا حصل على مراده ألقى بها على قارعة الطريق، غير عابئ بمشاعرها. إنَّه الوحش المفترس الذي يتنكَّر في ثياب إنسان.

- من أسوإ أنواع الحبِّ أن يحبَّ المرء الربَّ إلهه عندما يكون في حاجة إلى شيء منه، أمَّا إذا كان مكتفياً بما لديه، فلا يرفع صلاة من قلبه إلى السماء.

- من أسوإ أنواع الحبِّ أن يتفانى العامل أمام سيِّده، وكأنَّه يستعطي، بينما هو حاصل على أجره من غير أن يبالغ في العطاء. فعلى العامل أن يقوم بواجبه كما هو مطلوب منه وليس أكثر، وعلى ربِّ العمل أن يعطيه أجره على العمل الذي قام به من غير أن يطلب منه أكثر. فالعامل الذي يضحِّي إذ لا تجوز التضحية إنَّما هو شحَّاذ يستعطي، أمَّا السيِّد الذي يطلب المزيد فهو بخيل يخاف أن يخرج القرش من يده إلاَّ إذا كان الآخرون قد سحقوا أنفسهم من أجل الحصول على ذلك القرش.

- من أسوإ أنواع الحُبِّ أيضاً أن يتظاهر أصحاب المصالح بأنَّهم يحبُّون الناس، حتَّى إذا تحقَّقت مصالحهم، أداروا ظهورهم وأقفلوا أبوابهم على كلِّ طالب عطاء. إنَّ هؤلاء الوصوليِّين يشبهون البعوضة التي تمتصُّ الدماء وتترك وراءها ألماً وقروحاً.

- أجمل أنـواع الحبِّ أيُّها الناس، فهو الحبُّ الـذي يُعطي ولا يأخذ، فالحُبُّ ليس مبادلة في سوق تجارة، ولا ضرباً من ضروب المقايضة... فإذا استطعتم أن تحبُّوا هذا الحُبَّ لا يكون للبغض مكان في قلوبكم، ولا للشرِّ طريق إليكم.


العظة السادسة "البحر والعناصر"


 

- أنتم غاضبون من الطبيعة، وحين تعطيكم بكرم وسخاء لا تشكرون. إذا كان للواحد منكم حقل غنيٌّ بالثمار والحبوب ورأى إنساناً آخر يقطف من ذلك الحقل، فإنَّه يتشاجر معه وقد يطلق عليه النار فيقتله، ولكنْ كيف يتشاجر مع الطبيعة لو خذلته ولم تعطِه ثمرة واحدة؟ إنَّ البحر وهبكم خيراته، ولولا فضله عليكم لمات أناس كثيرون. أنسيتم أيَّام المجاعة حين لجأتم إلى إله البحر، فركعتم على أعتابه، وطلبتم منه بإلحاح أن ينقذ أولادكم الصغار وزوجاتكم من الموت، فاستجاب لكم بسعادة ومحبَّة، ولمَّا ذهبتم  إليه لإلقاء شِباككم، فتح لكم يديه، وفاض عليكم بالجود. في تلك السنة كانت أشجاركم يابسة، وحقولكم تموت في الجفاف، فحنَّت عليكم السماء، وأمطرت ماء كثيراً، في الشتاء أمطرت وفي الصيف، فانتعشت كرومكم، وعاد الخصب إلى حياتكم، فشبعتم ولم تشكروا.

- البحر هو الأب الذي يرفق بكم، ويحمل قواربكم إلى البعيد، لكي تكتشفوا أعماق المحبَّة.

- أنتم تأخذون بفرح ولا تتعبون من الأخذ، ولو كانت موائدكم عامرة، وأهراؤكم مليئة بالحبوب، وجيويكم منتفخة من الذهب والفضَّة، وإذا حان وقت العطاء، ولو كان العطاء قليلاً، تشحب وجوهكم، وترتعش شفاهكم، وتيبس ألسنتكم، وتكيلون الشتائم لمن يطلب منكم. وقد بلغ بكم الشقاء حدّاً جعلكم ترمون بالطعام إلى الكلاب والقطط وتمنعون اللقمة عن ابن الإنسان إذا جاء إلى بيوتكم زائراً.

-إذهبوا بسلام يـا إخوتي إلى البحر، فاطلبوا منه المسامحة، لأنَّ كلَّ قطرة ماء تشربونها هو الذي منحها إليكم... إذهبوا إلى البحر وتأمَّلوا فيه طويلاً، لكي تعرفوا أنَّ العظيم هو الذي يعطي من غير حساب، بينما تعطي الساقية الشحيحة وهي خائفة على نفسها من الزوال. كلُّ قطرة في البحر لها قصَّة مع الزمان والإنسان، فاسألوها لتخبركم عن أسرار الماضي، وأحلام المستتقبل. سيروا على الماء وأنتم تغمضون أعينكم، ولا تخافوا لأنَّكم لن تغرقوا، ولو كانت الأمواج عاتية، فالبحر سيحملكم على أحضانه إلى موانئ السلام والاطمئنان. خذوا من البحر الفضيلة والخير والرجاء وأنتم تحتاجون إليها، بعد أن نبشت الحروب أرواحكم وأكلتها النار... علِّموا أولادكم أن يكونوا مثل البحر، وإذا لم يكونوا مثله، فما هم إلاَّ ظلال مندثرة على مفارق الطريق.

- اذهبوا أيُّها الناس إلى عناصر الطبيعة وقدِّسوها، فصدقاً أقول إنَّ تلك العناصر هي الأمُّ الحبيبة الرقيقة التي تبلسم جراحكم وتهدهدكم في الليالي الظلماء. وكلَّما قطفتم زهرة من حقل، أو شربتم  قطرة ماء من نبع رقراق، وكلَّما شعرتم بالتعب أو بالراحة، غَنُّوا وافرحوا لأنَّ روح الله تدخل فيكم، فتتجدَّدون وتُبدعون.

- كلَّما جمعتم الحبوب عن بيادركم، سبِّحوا الربَّ بأصوات عالية، واعزفوا على المزمار، وتطيَّبوا، واذهبوا إلى منازل الفقراء، فاعطوهم من بيادركم لكي يتمَّ الحصاد، فتأكلوا وتشبعوا وتعيشوا بسعادة. وإذا رعدت السماء، وهبَّت العاصفة، فافتحوا نوافذكم لكي تدخل إليكم الريح، فترتاح على موائدكم هنيهة قبل أن تمضي في طريقها، ولا تظنُّوا أنَّ العاصفة ستبقى عندكم زمناً طويلاً، فالعاصفة لا تتوقَّف كما تتوقَّف حياتكم بالموت، ولا تمرض، ولا تحزن كما يصيبكم. إنَّها تدور حول نفسها كما يدور الراقصون ثمَّ تتابع سيرها إلى البعيد البعيد.

- نعم أيُّها الناس، يجب أن تحبُّوا الحرَّ والزمهرير، الزهور والأشواك، المطر والجفاف. أحبُّوا كلَّ شيء رسمته يد الله. وإذا فعلتم  ذلك، فإنَّ مواسمكم ستفيض خيراً، وأكياسكم لن تفرغَ مهما قست الأيَّام والدهور.


 

العظة السابعة "التعب والشقاء"


 

-افرحوا بالتعب أيُّها المتعبون والأشقياء، ولا تقولوا لأحد إنَّكم متعبون، بل قولوا: إنَّنا مغتبطون بما نفعله، فالتعب معموديَّة الجسد والروح. وكم هو جميل أن يعود الإنسان إلى منزله في المساء، فيلتقي بزوجته وأبنائه حول مائدة غنيَّة بما جادت به يد السماء! وكم هو جميل أن يأكل المرء من جنى يديه، فإنَّ له الحقَّ بأن يقيم عرساً بعد كلِّ موسم قطاف، حيث يتحوَّل العناء إلى وليمة، وأكياس مكدَّسة!

-البعض منكم يتعبون لأنَّهم يضعون أجسادهم في المرتبة العليا، والبعض يكرهون التعب لأنَّهم يعيشون من غير أمل، ولا ينظرون إلى المستقبل بعيون ثاقبة لكي يروا ما تعدُّه الحياة من السعادة، والبعض لا يتعبون من تعبهم لأنَّهم يعرفون أنَّ غلالهم ستكون وفيرة عندما يجيء الصيف، فهؤلاء هم المؤمنون.

-إنَّ الذين يتعبون ولا يفيدون أحداً يستحقُّون الشفقة، والذين يتعبون قليلاً ويفيدون كثيراً هم العباقرة ويجب أن يُكافأوا، والذين يتعبون كثيراً ويفيدون قليلاً هم مقدَّسون في تعبهم لأنَّهم لا ييئسون من الحياة، والذين يتعبون قليلاً ويفيدون قليلاً هم أبناء العدل والمساواة، ومثلهم مَن يتعبون كثيراً ويعطون كثيراً. والأسوأ بين الناس مَن لا يتعبون في عمل، بل يقعدون في بيوتهم خاملين، فهؤلاء هم الخميرة البائسة التي لا تصلح.

-الله عادل بين أبنائه، وقد منحكم العقل والقلب جميعاً، وهو يراكم ويعرف ممَّا تشتكون، ولكنَّكم لا تعرفون أنَّه موجود عندكم، لأنَّكم قليلو الإيمان. أنظروا إلى التاجر الذي يكدِّس أمواله في المصارف، ويتباهى بما لديه من الجواهر، ألا ترون أنَّه يجلس في الصفوف الأماميَّة، ويتظاهر بعمل الخير؟ لقد حرمه الله من نعمة التواضع ومنحها إليكم، فأنتم ترتدون الثياب البالية، وتعطون قليلاً من الخبز لمحتاج، ولا تخبرون أحداً بما تفعلون، وهذه هي الفضيلة التي ما بعدها فضيلة.

-قد يمنح الله إنساناً غيركم عقلاً ضعيفاً، وجسماً هزيلاً يتعرَّض للمرض، أمَّا أنتم فعقولكم نيِّرة، وأجسامكم قويَّة، صهرتها الشمس والعواصف ونقَّاها الهواء. وقد يحرم الله رجلاً غنيّاً من راحة الفكر والاطمئنان، أو من السعادة، وأنتم فرِحون في بيوتكم فرحاً عظيماً. وقد تبردون في الشتاء، ويدخل الماء إلى أقبيتكم، فيتلف ما فيها من حبوب وثمار، لكنَّ الغنيَّ يبرد في الصيف، وتدخل المصائب إلى بيته فيعاني ويتألَّم.

-علِّموا أبناءكم أنَّ التعب واجب مقدَّس، ولا تعوِّدوهم على القعود. وإذا قال لكم أحد إنَّ كثيراً من الناس لا يتعبون وقد أصبحوا أغنياء، فكذِّبوه لأنَّ الغنى ليس بالمال فقط. أمَّا إذا قال لكم أحد: لا تجعلوا أولادكم يتعبون، بل عوِّدوهم على العبادة، وعلِّموهم الكتاب لأنَّ فيه العلم كلَّه، فهذا هو الكافر الذي لا يؤمن بأنَّ الحياة تسير إلى الأمام، وأنَّ انتصار الإنسان لا يكون إلاَّ بالطموح والعلم.

-إنَّ الله الذي ابتدع الكون من فكره لا يريدكم أن تتجرَّدوا من الإبداع، فافتحوا كتاب العلم واقرأوه لأبنائكم قبل أن يناموا بدلاً من أن تخبروهم قصص الجنِّ والساحرات. قولوا لهم: إنَّ الإنسان مزيج من العقل والروح، والعقل والروح معاً يرتفعان إلى فوق، ولا يتوقَّفان عند حدود مرسومة... لقد أخطأ المفكِّرون والفلاسفة الذين أرادوا أن يجعلوا من الإنسان روحاً صافية، فأعادوه إلى عصور الظلام وأزمنة الكهوف... وليس من دين صحيح يمنعكم من غزو الفضاء واكتشاف المجهول لتعرفوا كثيراً من الحقائق التي لا تعرفونها.

-إتعبوا واطلبوا من الآخرين أن يتعبوا، وكلَّما رأيتم رجلاً قاعداً على رصيف، فانهروه وقولوا له: إنَّ الكروم تنتظر، والبحر ينادي. خذوه معكم إلى حقولكم ومتاجركم ومصانعكم لكي يتعلَّم الشقاء فيصبح إنساناً جديداً. وكلَّما صادفتم فلاَّحاً يتألَّم من تعب النهار، فخفِّفوا عنه، وقولوا له: إنَّ التعب يهون إذا كان الإيمان كبيراً، فإذا آمن بأنَّ الأرض ستكافئه، تزول عنه الهموم. وكلَّما سمعتم امرأة تبكي من شقائها، فذكِّروها بأنَّ الشقاء فردوس لنا. وهكذا يعرف الجميع أنَّ التعب سنَّة الحياة، فقد وُلد معنا ومعنا سيموت، وبه ستخلد أرواحنا.


 

العظة الثامنة "طبيعة الشيطان"


 

- أنتم الناس لا تميِّزون بين الشيطـان والشرِّ، وتعتقدون أنَّ أحـدهما هو الآخر، والصحيح أنَّ الشيطان ليس هو الشرُّ، بل هو الذي يزيِّن لكم الشرور ويدفعكم إليها، وأنتم حين تقعون في حبائل الشيطان تصنعون الشرَّ. إذن يكون الشرُّ نتيجةً لاقتناعكم بفكر الشيطان وأساليبه، وكلاهما منفصل عن الآخر.

- ليس صحيحاً أنَّ الشيطان جزء من الله، وإذا كان الشيطان في الماضي واحداً من الملائكة، فهذا لا يعني أنَّ فيه شيئاً من القداسة، فقد يكون الشيء أبيض اللون ناصعاً، فإذا وضعنا عليه الحبر الأسود تحوَّل إلى أسود ولا يبقى فيه أثر من البياض. الشيطان يكمل عمل نفسه، والله كامل وعمله  كامل، ولا يحتاج إلى مَن يكمله.

- الفرق بين الشيطان وآدم أنَّ الشيطان لا يعرف الخير، بينما آدم يعرف الخير والشرَّ، وهما توأمان في نفسه.

-الشيطان لا يحمل أحداً في طريق، ولا يساعد رجلاً متعباً...

-بعض الشعراء صوَّروا الشيطان كأحد دعاة التطوُّر الإنسانيِّ والاختراع، وشكروه على جهوده لإصلاح العالم... والخطأ ليس على هؤلاء بل على بعض رجال الدين الذين جعلوا الدين منافياً للعلم، واعتبروا أنَّ تطوُّر الإنسان يخالف الشرائع، وأرادوا أن يعودوا بالإنسان إلى عصور الجهل والبداوة... فانظروا إليهم يطيلون اللحى، ويحملون العصيَّ وما يعانون من عرج، ولو سمحَت القوانين لهم لكانوا امتشقوا السيوف، وركبوا الخيول لكي يهاجموا المدن والقرى فيحرقوها بما فيها ومَن فيها. هؤلاء الجهلة والحمقى هم الذين أبعدوا المفكِّرين والشعراء وأصحاب العقول عن الدين، فراحت الأقلام تشيد بالشيطان وتنسب إليه كلَّ عمل جليل يتعلَّق بالتطوُّر والتوجُّه إلى الأمام.

-إنَّ الشيطان لم يدعُ إلى تطوير العالم بل إنَّ الله هو الذي أوجدنا وسلَّحنا بسلاح العبقريَّة، لا لكي نبقى متفرِّجين على حركة الكون، بل لكي نسابقها ونكشف عن أسرارها العجيبة.

-إن رأيتم رجلاً في الشارع يعرج وله قائمة حصان، فاجتنبوه لئلاَّ يوقعكم في المهالك، أو فاذهبوا إلى رجال الشرطة وقولوا لهم: إنَّ الشيطان يتسوَّل في قريتنا، واطلبوا منهم أن يقبضوا عليه ويلقوه في أعماق الظلمات... ولا تضعوا في بيوتكم حدوة حصان لتردُّوا بها العيون الحاسدة، لأنَّها حدوة الشيطان وأنتم لا تعرفون. إنَّ الشيطان قريب منكم دائماً، وقد يكون يسمعكم الآن، ويخطِّط لدفعكم إلى بؤرة الشرِّ، وانتصاركم عليه يجعله يتألَّم ويتعذَّب ويستوحد، وقد يهجركم إلى الأبد إذا تيقَّن من إصراركم على مقاومته ورفض أوامره، فكما هو يظنُّ أنَّكم أغبياء وبسطاء، ولن تعرفوا بما يعدُّه لكم، كذلك هو ضعيف وغبيٌّ، ويمكنكم أن تحملوه جثَّة  هامدة إلى الظلمة المخيفة.


 

العظة التاسعة "الشعراء"


 

-الشعراء كواكب مضيئة. وهم يكذبون كما تكذب المرأة حين تلوِّن وجهها لكي تجعله أكثر عذوبة. غير أنَّهم لم يرتكبوا جريمة، ولم يسرقوا من أحد. وإذا كانوا قد تغزَّلوا بالنساء فقد أحسنوا صنعاً، لأنَّ الجمال شيء مقدَّس، والذي لا يحبُّ الجمال يكون عبداً للقباحة. الشعر أيُّها الناس هو سراج الفضيلة المعلَّق في الظلام، ودواء الجروح العميقة التي عجز الأطبَّاء عن معالجتها. وإذا كان الدواء يصلح للجسد فإنَّ الشعر يصلح للأرواح المعذَّبة فيداويها ويخفِّف من آلامها.

-أجمل الشعر ما كان مصحوباً بالبراءة، فانظروا إلى العصفور كيف يقول شعراً، واسمعوا إلى شعراء القُرى كيف يرتجلون في سهرات الشتاء. أمَّا أعظم الشعر فهو ما كان ممزوجاً مع الشعور، كما تمتزج الخمرة الطيِّبة مع الماء فيصيران جسداً واحداً. وهكذا يميِّز الناس بين شاعر مرَّ في الزمان كما تمرُّ الظلال ثمَّ تختفي من غير أن تترك أثراً، وشاعر آخر ترك نقوشاً بارزة على جبين الأيَّام.

-حين يموت الشاعر تهتزُّ الأرض وترتعش النجوم، بيد أنَّه ينتقل إلى الحياة في ضمائر الناس، فيذكرونه ويعظِّمونه، ويعيدون على ألسنتهم ما قاله في قديم العصور وكأنَّه ما زال بينهم، ويعلِّمون أشعاره لأبنائهم لكي يحفظوها كما تُحفظ الكنوز الغالية من الضياع.

-إنَّ حياة الشاعر ضمير متَّصل ومتواصــــل. وموته خرافة لا يصدِّقها أحـــد. فاذهبوا إلى بيوتكم، وافتحوا الكتب العتيقة لتعرفوا أنَّ الأرواح تتجوَّل فيها، والأجساد تتحرَّك بين السطور. إقرأوا ما كتبه الشعراء لتكتشفوا أعماق الكلمات، فكلُّ كلمة بحر، وكلُّ حرف جزيرة، وكلُّ صفحة كونٌ مليء بالمجرَّات والأبعاد. تمعَّنوا في أفكار الشاعر لتكتشفوا حقيقة الإنسانيَّة التي تحبُّ الخير والفضيلة.

-قد تشاهدون شعراء ماجنين يحبُّون الخمر، فلا ترشقوهم بنبال الحقد والانتقام، بل اسكبوا معهم خمراً واشربوا حتَّى تسكروا، وأحبُّوا النساء كما أحبُّوا، فليس عيباً أن يحبَّ الإنسان بل إنَّ العيب في أن لا يُحبُّ. وستجدون شعراء مقتولين على قارعة الطريق، فاسألوهم عن الذي قتلهم. سيقولون لكم آنذاك إنَّ الملوك والوزراء والطغاة واللصوص هم الذين قتلونا، وزرعوا أجسادنا في الأرض لتأكلها الغربان الجائعة، ودقُّوا الأوتاد في صدورنا... فاعلموا أنَّ القتلة والمأجورين هم الذين يعيثون في الأرض فساداً، أمَّا نحن الشعراء فلم نــفـعـل شيئاً إلاَّ أنَّنا أظهـرنـا مـا فـي نفوسِنـا مـن العاطفة والمحبَّة، بينما الآخرون لا يفصحون عمَّا يشعرون.

-في الصحراء التي وراءنا بحار من الدماء التي سالت من أجساد البسطاء، والسيوف الملطَّخة بالدماء ما زالت ترتفع في كلِّ عصر لتضرب مَن جديد. فمَن أوكل إلى الجبابرة أن يصلبوا الكلمة على جدار، وأن يقطعوا رؤوس المنشدين وحاملي الورود؟ وَمن يجرؤ على قتل شاعر لأنَّه تغزَّل بجسد امرأة بينما قصور الملوك تضجُّ بأجساد الراقصات وتغلي على مراجـــل الفجور؟ وأيُّ عدل يسمحُ بأن يعاقبَ البريء على براءته وأن يُعفى المجرِم من جرائمه الكثيرة؟  حدَّثوكم عن امرئ القيس، وبشَّار بن برد، وأبي نوَّاس، وقالوا لكم: هؤلاء شعراء من رعيل فاسد ومتهوِّر، فانبذوهم ولا تقرأوا شعرهم، أمَّا أنـــا فأقول لكم: إنَّ هؤلاء شعراء مباركون، فقد أعدُّوا وليمة للحبِّ والجمال، وأورثونا جنائن معلّقات لا تغيب عنها الشمس.

-قالوا لكم أن تضرمـوا النار في دواوين الخلاعة والغزل، أمَّا أنا فأريدكم أن تضرموا النار في رؤوس الجهلة والظالمين، وأن تدفنوا أفكارهم البالية في رمال الصحراء. خذوهم إلى مصحَّات عقليَّة لكي يشفوا من عِللهم الخبيثة، وامنعوهم أن يخالطوا الناس لكي لا يفسدوا العقول.

-على الشعوب أن تقتاد ملوكها الحمقى إلى محاكم التاريخ، وأن تقطع ألسنة مَن يدعون إلى القتل باسم الدين، لأنَّ الدين رحمة ومغفرة وليس دعوة لارتكاب جريمة.


 

العظة العاشرة "النور والظلام"


 

-الظلام والنور توأمان لا ينفصلان، وُلدا معاً ويخلُدان معاً. أنتم تنظرون إلى النور وتحبُّونه لأنَّه يكشف لكم الطريق، ويهديكم إلى رحاب الطبيعة، فتتمتَّعون بالأودية والهضاب والبحار والسماء. وأنتم تقَّدِّسون النور الذي توفِّره الشمس لكم لأنَّكم فيه ترون زوجاتكم وأبناءَكم ومَن تحبُّون. وأنتم تخافون من أن يذهب النور من عيونكم لأنَّكم تضطربون من وحشة الدروب حيث تكمن الغيلان والجنُّ فتخيفكم وترعبكم. وأنتم تُعلِّمون أبناءكم على حبِّ النور لأنَّ الله نور، وقد جاء ابن الإنسان نوراً للعالم، وجاء الأنبياء والرسل والعظماء من أهل الفكر لينشروا النور في كلِّ مكان. ولكنَّ نور الفضيلة يختلف عن نور الشمس، فنور الفضيلة لا ترونه بالعيون المجرَّدة أمَّا نور الشمس فترونه. نور الفضيلة يخرج من القلب إلى القلب، ومن العقل إلى العقل، ونور الشمس يأتي من خارج القلب والعقل وتتلقَّفه العين برغبة. وصدقاً أقول: إنَّ الذي يكتفي بنور النهار لا يــعـــرف الطريق في الليل، أمَّا الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه وتتبدَّد الحُجب.

-أنظروا إلى العميان كيف يسيرون ويهتدون بأنــــوار العقل والقلب، واسألوهم عن شعاع الشمس أو ضوء المصباح أو بصيص الشمعة، سيقولون لكم مستغربين إنَّ الشمس والمصباح والشمعة هي أشياء غير موجودة، وإنَّ ألفاظاً مثل النور والضوء والسراج هي ألفاظ غريبة عن عالمهم المظلم، ولكنَّهم سيقولون لكم أيضاً إنَّهم يبصرون أنوار القلب والعقل، ولولا تلك الأنوار لأصبحت حياتهم ظلاماً فـوق ظلام وعتمة فوق عتمة.

-قد لا يفرح بعض الناس بالنور الذي يأتي إليهم من خارج أنفسهم، ولذلك ترونهم مكتئبين يائسين، ويفضِّلون الموت على الحياة، وقد يُقدم هؤلاء على الانتحار، فأين هو النور الذي يعيد الأمل والرجاء إلى نفوسهم المقهورة؟ وما هي القوَّة التي تستطيع أن تشدَّ بهم إلى فوق، أي إلى محبَّة الحياة؟ ولماذا لا يندفع إلى الموت أولئك الذين فقدوا النور الخارجيَّ واكتفوا بالنور الآتي من أعماق أعماقهم؟

-قد يبشِّركم مبشِّرون بالنور، وأرواحهم ظلام، وقد يدعونكم إلى الفضيلة وهم مجرمون، ونمَّامون، وأفَّاكون. وقد يأتي إليكم مبشِّرون كذبة يحملون الكتب الصفراء، ويدَّعون بأنَّ قوَّتهم الخارقة ستُحوِّل الظلام إلى بياض ناصع، فلا تصدِّقوهم، لأنَّهم يفعلون السحر والشعوذة. قولوا لهؤلاء: مَن أرسل بكم إلى بيوتنا لكي تنظِّفوها وبيوتكم مليئة بالجراثيم؟ وكيف تجرؤون على نصحنا وأنتم في حاجة إلى النصح والمساعدة؟ وقولوا لهم: إنَّ الله وهبنا النور منذ الولادة، ونحن نحتفظ به في صلواتنا وأفراحنا وأحزاننا، ونحن عندما نقع في الخطيئة نكون قد نسينا أن نضع زيتاً في المصباح، ولكنَّنا في اليوم التالي ننتبه إلى ما فعلناه، فنحضر زيتاً صافياً لكي نشعل مصباحنا من جديد. الخطيئة ليست ضدَّ النور، بل هي أزمة في قلب النور. وعقاب الخطيئة لا ينبغي أن يكون موتاً أبديّاً، بل مسامحة وشفقة على الروح التي غفت ولم تنتبه إلى أنَّ الظلام قد أتى على حين غرَّة. نعم يا إخوتي، إنَّ النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنَّا الحياة.

-اسكبوا مـن النـور فـي أرواحكم لتصير مـَعـابد مقدَّسة، وطهِّروا قلوبكم بفعل الخير، فالخير يزيد النور نوراً، ويزيح الظلام، وبه يسامحكم الله على أخطائكم الكثيرة. وإذا كنتم تحبُّون النور الذي ينبثق من خارجكم فحسناً تفعلون، لأنَّكم أفضل ممَّن يضع يده على عينيه لكي لا تدخل إليهما تباشير الصباح. ولكن اعلموا أنَّ النور الخارجيَّ لا يكفي لكي يضيء لكم. أمَّا الذين يلعنون الظلام، فانفضوا غبار أرجلكم على أعتابهم، ولا تزوروهم مرَّة أخرى، لأنَّهم يكرهون ما خلقه الله لهم، ولأنَّهم أنانيُّون يفرحون بالأخذ ولا يفرحون بالعطاء، ولأنَّهم يقبِّحون السواد، وهو يسيطر على أعماقهم الخفيَّة... هؤلاء يحبُّون ما تفرح به ذواتهم، ويرفضون ما لا يسعدهم. أمَّا أنتم، فاغتبطوا بالفجر وارقصوا مع نسيم الليالي، وغنُّوا في النهار والليل على صوت المزمار، وتعلَّموا أن تضيئوا مثل الكواكب في العتمة حيث ينحسر الضياء، وستبقى غبطتكم نغمة أبديَّة لا تسكتُها الأيَّام والعصور.


 

العظة الحادية عشرة "النزوات"


 

-النزوات تحرِّركم من الشوق الذي يستعبدكم، وتأخذكم من أزمنة انتظاركم إلى موائد الألم. النزوات هي الصوت الصارخ في دواخلهم، والرداء الذي تخلعونه عندما تشعرون بالحريق والقيظ، وأنتم عندما تتبعون النزوات تصبحون عبيداً لشغفكم وأمنياتِكم وأحلامكم المعذِّبة.  وإنَّ الحُبَّ والرفق والبغضاء والميل إلى عمل الخير نزوات، بعضها يطول به الزمان وبعضها يقصر. يقولون لكم إنَّ استجابتكم للنزوات إنَّما هي من فعل الجسد، فصدقاً أقول: إنَّ الجسد والروح لا ينفصلان، تماماً كما لا ينفصل نور الشمس عن حرارتها. إنَّهما توأمان يتشاركان وينسجمان ويلبِّي أحدهما الآخر، وعندما يتصارعان لا يطول بهما الوقت حتَّى يتصالحا ويسلِّم أحدهما بما يقوله الآخر. فلا تتَّهموا الجسد بما تذهب إليه أرواحكم صاغرة، ولا تبرِّئوا الروح من ميول الجسد، فإنَّ المرء الذي يحبُّ أو يكره يُخضع جسده وروحه معاً للتجربة، أمَّا الذي يقتل فإنَّه يقتل روحه وجسده معاً، ويحوِّل نزوته إلى جريمة.

-أطلب منم يا إخوتي بإلحاح أن تجعلوا النزوات خادمة لكم، ولا تخدموها، فالإنسان إذا تحوَّل إلى عبد للشهوات فقدَ طبيعته الإلهيَّة وأصبح خشبة في محيط هادر. وقد قالوا لكم إنَّ البشر قادرون على التحكُّم بنزواتهم، وقد يستطيعون قتلها، وهذا صحيح، بيد أنَّ مَن يتبع نزواته لن يكون مجرماً يستحقُّ العقاب، فالربيع قد يناديكم لكي تتنشَّقوا عطره، والبحر قد يناديكم لكي تغسلوا أجسادكم فيه، والمرأة قد تصرخ إليكم لتحبُّوها بكلِّ جوارحكم، فإذا استجبتم للنداء الذي يأتيكم من البعيد وسلَّمتم أنفسكم له، تكونون قد خضعتم للنزوات، وإذَّاك فأنتم لا تختلفون عن الطيور التي استجابت لنداء السماء، ولا عن الكواكب التي نادت إليها ظلمة الأرض فبعثت نورها في كلِّ اتِّجاه.

-قد تختلف استجابة الإنسان القويِّ للنزوة عن استجابة إنسان ضعيف، والضعف والقوَّة قد يأتيان بالولادة، ثمَّ يتطوَّران عبر الزمن، فقد يولد الطفل وفيه روح القوَّة ويولد طفل آخر وفيه روح الضعف، ومع الزمن يتطوَّر أحدهما، فيخلع ثياب القوَّة عنه بينما يخلع الآخر رداء الضعف والاستسلام. ومن الناس مَن يولدون أقوياء ويعيشون عتاة، ويموتون جبابرة، ومنهم مَن يولدون ضعفاء، ويعيشون مستسلمين، ويموتون يائسين، فكونوا أنتم جبابرة على الزمن، وتحكَّموا بمشاعركم، واستعبدوا نزواتكم، أما إذا استعبدتْكم، فتلك طبيعة إنسانيَّة ولستم قادريــن على تغييرها ولو سحقتُم أنفسكم.


 

العظة الثانية عشرة "الموت"


 

-إنَّ الله مع المتألِّمين، وقد جعل للمرأة روحاً مساوية لروح الرجل، وجسداً يتحمَّل الصعاب والمشقَّات. والخوف هو شعور آنيٌّ سيتبدَّد بعد حين، عندما يشعر المرء بمسؤوليَّته وبحاجة الآخرين إليه. أمَّا الحزن فإنَّه كالأغنية التي سرعان ما تندثر ولا يبقى منها غير الصدى.

-نحن عندما نحزن لموت أحد إنَّما نهيِّئ أنفسنا للفرح بملاقاته.

-الموتُ هو المرفأ الذي نسعى إليه بخطى متسارعة، ونحنُ نواكب مرور السنوات. ومن الناس مَن يقولون، وهم يشاهدون العاصفة تمرُّ بهم ثائرة وغاضبة ومزمجرة: ليتنا لم نولَد ولم نعرف الحياة، وهؤلاء هم الأنانيُّون الذين يحبُّون أن يأخذوا إلى ما لا نهاية، فإذا انقطع حبل الأخذ صبُّوا اللعنة على أنفسهم وعلى الوجود... وهل أولئك الذين لم يأتوا إلى الحياة بعد أفضل منَّا؟ وهل سألناهم مرَّة عن مشاعرهم وأفكارهم؟ وهل يفضِّلون البقاء في العدم على الولادة في الفجر؟ إنَّهم ينتظرون اللحظة المناسبة التي سيجيئون بها إلى الحياة، لأنَّ الجمود الذي يغمرهم يبعث على القنوط، والصمت الذي يحيط بهم رهيب ومخيف. إذن نحن أفضل بكثير من الذين لم يولَدوا، وحين يولدون سيحتفلون ويرقصون ويغنُّون لأنَّ الله أخرجهم من الجمود إلى الحركة ومن اللاوجود إلى الكينونة.

-مِن الناس مَن يقولون: نحن لا نموت ولن نموت، فهؤلاء هــــم الجهلة والمغرورون والجبابرة الذين يعتبرون أنفسهم أعظم من الناس وأقوى من الأزمنة. لقد نصب هؤلاء لأنفسهم التماثيل وعبدوا ذواتهم، ونقشوا مآثرهم على الجدران والأعمدة. وصدقاً أقول عن هؤلاء: إنَّهم افتقروا إلى الحكمة التي تضيء لهم في الليالي المظلمة، فعندما داهمهم الموت كانوا أكثر الناس دهشة وخوفاً، بينما كان البسطاء ينتظرون موتهم بحكمة، وينظرون إليه بعيون باسمة وعلى شفاههم صلاة عميقة كأعماق البحار. وشتَّان يا ابنتي بين المتكبِّر الذي يدَّعي أنَّ الحياة ملك له، والمتواضع المحبِّ الذي يعترف بأنَّه ملك للحياة.

-ما أغبط الناس الذين يقولون: نحن بالموت نحيا! فهؤلاء هم المتفائلون، إذ يعتبرون أنَّ الزمان خيط موصول لا ينقطع أبداً، ويرغبون في حياة ثانية لاعتقادهم أنَّ أرواحهم غالية، والروح الغالية لا تعيش مرَّة واحدة. ولذلك أقول: فليتزوَّد هؤلاء بخبزهم ومائهم، وليأخذوا معهم عدَّتهم لكي يستعملوها في الزمن الآتي. وأعظم من هؤلاء جميعاً مَن يموتون شهداء، فإنَّهم يندفعون إلى الموت بصدور عارية، وسواعد مرفوعة، وجباه تلامس الشمس. وكم هو عظيم أن يواجه المرء موته بشجاعة، وأن يعتبر الموت أفضل من حياة بغير كرامة! أمَّا الضعفاء الأذلاَّء فيرتعبون من الموت، ويختبئون، ويرضون بالحياة في القبر على قيامتهم المجيدة. هؤلاء أجسادهم ضعيفة لا تقوى على الألم، وأرواحهم هزيلة لا تحتمل المشقَّة والفراق.

-إنّ كثيرين من الموتى يعيشون بيننا ويحملون نعوشهم على أكتافهم وهم لا يدرون.  

-إذا كنَّا نرى الحياة بأعيننا تسير معنا وتحدِّثنا، فالموت يرافقنا أيضاً، لكن بصمت، وينتظر اللحظة التي ينقضُّ فيها علينا. وكم هو عاقل الإنسان الذي يفهم أنَّ له موتاً ينتظر على قارعة الطريق كما له الحياة التي يحبُّها ويتمتَّع بها! وكما أنَّ الحياة صُدفة، فالموت أيضاً صدفة لكنَّها تنظر إلينا، ونحاول نحن أن ننظر إليها فلا نراها من وراء حجاب الأسرار.



 

العظة الثالثة عشرة "هموم عبد المنعم"


 

-نيتشه لا يعرف الحقيقة. لقد رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة، فاعتقد أنَّ الإنسان إله. أنا أدرك أنَّ الإنسان ليس إلهاً ولن يكون، ولكنَّ فيه قطرة من عبير الإله، فلماذا يفرِّط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟ إذهب يا ولدي، وتواضع للناس لتكون ضعيفاً في جسدك وقويّاً في تألُّهك. أعطِهم من زادك لكي يشبعوا، وإن كانوا لن يردُّوا لك جميلاً. أما رأيتهم في الصفوف الأماميَّة ويتصدَّرون المآدب؟ بالأمس طردتُ واحداً منهم لأنَّه كان متمرِّداً في كلامه وشيطاناً في روحه. هؤلاء موجودون في كلِّ مكان. يأخذون من الله ولا يعطونه. يكذبون على جميع الناس ويصْدقون مع الأبالسة. يتكابرون في المجالس ولا يتركون مجالاً للحكماء والأدباء والفنَّانين لكي يتكلَّموا، فقد بلغت وقاحتهم كلَّ مبلغ... وإذا كنت تنتظر منهم أن يعطوك، فلن يعطوك سوى جهلهم وغرورهم، وعلى الرغـم مـن ذلك، فأنت حين تغمرهـم بأفضالك ومزاياك، تجعلهم يتحرَّقون على جمر أحقادهم وتنتقم منهم.

-الخير والشرُّ متكاملان منذ التاريخ. لعلَّك قرأتَ جبران وفهمت منه أنَّ الإنسان صالح صالح ولا يفعل شرّاً إلاَّ إذا جاع أو عطش، أو إذا طلبتْ منه الحياة أن يكون مارداً في وجه الخير المتألِّم. إنّ جبران يدافع عن الإنسان الذي أضاع طريقه، ولكنَّه ما زال إنساناً. وغوته نفسه يريد الشرَّ خادماً للخير، أمَّا أنا فأقول لك صدقاً إنَّ جبران وغوته معاً لا يعرفان اتِّجاه الريح، فالشرُّ نقيض للخير، والشرِّير يجب أن يُحاسب لأنَّه جعل الشرَّ ينتصر على الخير في نفسه، فإذا بالآخرين ضحايا في معبد حقده وفساده، والشرُّ ليس خادماً للخير، ولا يقود إلى الخير، بل إنَّ الذين يغمرهم شوق إلى العالم المادِّيِّ، عظَّموا من نفوذ الشيطان. لذلك أقول لك يا بنيَّ: نعم، سامح الخطأة والجُناة، فإنَّك في ذلك تفعل خيراً لك وشرّاً لهم، فالأبغض عند هؤلاء أن يجدوك سعيداً ولا تبالي بما يفعلونه لك من أذى.


 

العظة الرابعة عشرة "المرأة ورجلها"


 

-العواصف لا تقعد الرجال والنساء عن تأدية رسالتهم الخالدة في العمل والإبداع. طوبى للمحراث الذي يغيِّر وجه الأرض فيقلبها وينزع الجفاف من شرايينها، وطوبى لليد التي تبذر في التراب وإن كانت تعرف أنَّ كثيراً من البذار ستأكله الطيور وتبدِّده الأعاصير، وطوبى للأفواه الجائعة التي تنتظر الحصاد، فتفرح وتسرّ. وطوبى للشعراء والفنَّانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمَّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسَّدوا قوَّة السماء في أعمالهم.

-المرأة هي الربيع الذي يزهر في الحقول، ويملأ السماء عطراً وغناء. وإنِّي لأعجب كيف أنَّ التقاليد جعلت منها تابعاً، وهي لا تتبَع ولا تُتبَع. وإنِّي لأعجب كيف يهين الرجل زوجته ولا يشعر بالإهانة.

-المادَّة والروح واحد، ينفصلان أحياناً ويأتلفان أحياناً أخرى، ولكن لا يتحاربان، فهل يفصل المتنزِّه في الحقول بين عطر الزهرة ولونها، أو بين الشمس ونورها؟

-البخل أبشع الرذائل. وإذا كان الكرَم يشدُّكم نحو الله فالبخل يبعدكم عنه، لأنَّ البخيل بخيل في صَلاته وفي تسبيحه أيضاً.


 

العظة الخامسة عشرة "الهجرة"


 

-أمَّا الرحيل فعشق للمسافة، واعتناق لديانة المغامرة، فاحملوا معكم متاعكم واضربوا في البحر لتكتشفوا عوالم جديدة، فأنتم لم تولَدوا لكي تعيشوا في صومعة الحرمان. وإذا تركتم بيوتكم وحقولَكم، فلا تلتفتوا إلى الوراء، ولا تقولوا: كانت عندنا أملاك كثيرة، فما تملكونه لم يكن يوماً لكم، وقد أخذه الفراغ واحتلَّته الوِحشة. ولا تحزنوا لأنَّكم فارقتم أهلكم وإخوتكم وأحبَّاءكم، ففي كلِّ جزيرة تنزلون عليها سيكون لكم أهل وإخوة وأحبَّاء. البحر سيعلِّمكم أنشودة المدى والأفق، والأمواج ستهدهدكم كأطفال وُلدوا للتوِّ من رحم الطبيعة. أذكروا مَن تحبُّونهم وتشتاقون إليهم في الغناء الذي يخرج من أفواهكم ومن أيديكم أيضاً، ولا تقطعوا صلة مع من فارقتم على الشاطئ البعيد، فهؤلاء ستجمعكم بهم مائدة أبديَّة لا ييبس خبزها ولا يجفُّ ماؤهـا، وإذا مات أحدكم في الأرض البعيدة، فاحملوه على أكفِّكم المتعبة وودِّعوه على أمل اللقاء.

-إذا قال لكم أحد: عودوا إلى أرضكم المقدَّسة فأنتم من غير لوننا وجنسنا وقبائلنا، فأجيبوه بابتسامة الودِّ وعلِّموه أنَّ جميع الناس من جنس واحد ومن دم واحد، أمَّا هو فإنَّه يرى الوهم فيظنُّه حقيقة. وإذا قال لكم أحد أيضاً: أنتم خائنون للأرض التي فيها ولدتم ومن مائها شربتم ومن حقولِها أكلتم، فقولوا له: نحن نحبُّ الحرِّيَّة، وحيث تكون يكون لنا وطن، ونكره العبوديَّة، وحيث تكون العبوديَّة تنتهي أوطاننا. واحذروا أيُّها الأبناء أن يأخذكم الغرور إذا أصابكم الغِنى، فقد كنتم جميعاً فقراء وجائعين، ولم يتغيَّر شيء لأنَّ مَن ينكر الماضي ويتنكَّر له لا يستطيع أن يعيش في المستقبل. وقد كنتم في أوطانكم تكرهون من يأكلون أموالكم، ويسرقون قطعانكم، ويحتكرون كرومكم، فلا تدعوا لهؤلاء أن يولَدوا من جديد بينكم فينغِّصوا عليكم حياتكم. إنَّ الذين يريدونكم أذلاَّء تابعين هم جماعة من الأغبياء الذين كانوا هم تابعين، ويطلبون الانتقام من أمسهم البغيض.

-كونوا أوفياء للأرض التي احتضنتكم وأرضعتكم من ثدييها، فإنَّها أمُّكم بالرضاعة، ومن الخيانة أن تكرهوها أو تلعنوها... أنظروا إلى أهلها كيف يعيشون وعيشوا مثلهم، وكيف يلبسون فالبسوا مثلهم، وكيف يتحدَّثون فتحدَّثوا مثلهم، ولا تفرضوا عليهم تقاليد ورثتموها من أجدادكم، فإنَّهم لا يعرفونها وليس بمقدورهم أن يتعلَّموها منكم، وبدلاً من ذلك تعلَّموا تقاليدهم، وخذوا منها ما يفيدكم. وإذا أقدم أحدكم على مخالفة الأنظمة، أو أراد أن ينشئ نظاماً على هواه، فوبِّخوه وقولوا له: أنت ضيف على هذه البقعة من الأرض، وعلى الضيف أن يحترم الأنظمة في البيت الذي استضافه. نعم يا إخوتي، أنتم لستم مسؤولين عن كلمة الله ولستم المدافعين عنها، وليس الله في حاجة إلى بشر لكي ينطقوا باسمه ويحاموا عن أملاكه وشريعته. كونوا ودعاء، أتقياء، وأوفياء، ولا تعضُّوا اليد التي أطعمتكم لأنَّها يد مباركة ومنها أخذتم الفرح والرجاء.

-إذا مررتم بالقرب من مقبرة، فصلُّوا على الأموات وأنتم مغمضو العيون، ولا تقولوا: هؤلاء ليسوا من أمواتنا، فالأموات لا يعرفون أسماءهم وقد تركوا معابدهم على الأرض وذهبوا إلى مكان ليس فيه معابد ولا أيقونات. في الموت يتساوى البشر، فلا أبيض ولا أسود، ولا ملك ولا عبيد، ولا قادة ولا صعاليك. الموت يخرجكم من القشور البالية، ويضعكم وجهاً لوجه أمام الله، فديانتكم حينئذٍ هي ما صنعتموه لإخوتِكم، وما ضحَّيتم به من أجل عائلاتِكم. والله لن يسأل أحداً عن دينه لأنَّ دينه الخير والسلام، والذين يقتلون ولا يفعلون السلام فهؤلاء يتعذَّبون بفعلتِهم، أمَّا الأشقياء الذين ساقتهم الطبيعة فقد أحبُّوا سلام أنفسهم، وقتلوا الغير من أجل حياتِهم. وصدقاً أقول لكم: إنَّ الغربة تجعلكم تتعذَّبون من أجل أنفسكم ومن أجل غيركم أيضاً، والعذاب فضيلة. فافرحوا لأنَّكم اغتربتم ولا تعيشوا في الأحزان. إنَّ الأحزان نفسها لا تدخل إلى القلوب التي تفيض بالمحبَّة، ولا تعانقها الأيدي التي تعانق الشمس.


 

العظة السادسة عشرة "الضغينة"


 

- الحقد بيت أسود تدخلون إليه، ولا تخرجون منه إلاَّ وقلوبكم يابسة، ووجوهكم صفراء. من أجله اندفع الآلاف إلى الحروب، وسيقت البشريَّة إلى مجازر مخيفة. وإذا كانت المحبَّة تعلِّمكم لتصبحوا مفكِّرين وفلاسفة، فإنَّ الحقد يجرِّدكم من عقولكم فتصبحون أشباحاً مخيفة في حقل مهجور، تمرُّ بها الأعاصير والرياح وتلفحها الشموس فلا تعرف الفصول، لكنَّها أشباح مجرمة، تنفث النار من أفواهها لكي تنشر الذعر والموت في الأزمنة.

-قد علَّمتْكم الكتب أن تبغضوا البغضاء، وتحبُّوا المحبَّة، وأنا أعلِّمكم أن تحبُّوا المحبَّة لكي لا يبقى للبغض كلام على شفاهكم ومكان في أفئدتكم. أمَّا إذا بغضكم الآخرون واحتقروكم، فاعطوهم من كلامكم ذهباً ليغتنوا، ومن قلوبكم أناشيد ليسبِّحوا ويرقصوا. وكلَّما عاد إنسان من حقده إليكم، فأعدُّوا له مائدة عامرة، وادعوا الموسيقيِّين والمرنِّمين، واطلبوا من خدمكم أن يسكبوا الكؤوس من غير حساب، فاليوم تدفنون الليل وتحتفلون بالنهار، وستنامون على أجنحة من بياض الأقحوان ونقاء الربيع.

-لا تعاقبوا إنساناً على ضغينته، لأنَّكم إذا عاقبتموه أصبحتم أنتم حاقدين وملاعين. أمَّا إذا أصبحت ضغينته خطراً عليكم، فلا تقفوا أمامه عاجزين وحائرين، بل كونوا أقوياء وعُتاة، لأنَّ الضعفاء فقط هم الذين يسقطون على التراب، فتدوس عليهم الخيول وتأكل العربات من لحومهم، أمَّا الأقوياء فيتمجَّدون بقوَّتهم وينتصرون على الوحوش التي تهاجمهم.

-سيقولون لكم: كونوا ضعفاء وخاملين، وأنا أقول لكم: إذا ضربكم أحد بحذائه فلا تجيبوه بالحذاء، بل بالكلمة الحقَّة التي تنقل الجبال، وتحوِّل الظلام إلى أنوار وكواكب. واحذروا أن تكونوا ضحايا في معركة الحقِّ، لأنَّ الحاقدين لا يعطونكم عبير الزنابق وحفيف الشجر، بل يعطونكم أشواك الحقول وفحيح الأفاعي. فلتكن قلوبكم حاضرة للمواجهة الصعبة، وهي مواجهة ستخسرون فيها قليلاً، وتربحون كثيراً، لكنَّ انتصاركم هو انتصار مجيد، ستفرح به الأجيال، وتعتزُّ به العصور الآتية.

-اخلعوا رداء الكراهية وتكلَّموا لغة السلام، فهي لغة المجد الأبديِّ، وبها تحطِّمون أغلال العبوديَّة لتنطلقوا إلى فضاء الحرِّيَّة. عندما تفهمون السلام تفهمون لغة الأطيار، وأسرار الغابات والجبال، وتصيرون شعراء من غير أن تعرفوا. السلام الذي تعطونه للناس هو الطِّيب الذي يغمركم ويشعركم بالغبطة، وهو السفينة التي تنقذكم في غمرة الموج وهدير الأعاصير، وتوصلكم إلى المدينة التي ستبنون فيها بيوتكم، وتربُّون أولادكم فيكبرون ويكثرون في الأرض.

-إنَّ الذين يعرفون الضغينة هم الجهلة الذين لا يقرأون ولا يكتبون، أمَّا الذين يعرفون الحبَّ هم الفلاسفة الذين اكتشفوا طبيعة الله وأين يوجَـد، فكلامهم صـلاة وقلوبهم معابد.

العظة السابعة عشرة "المتلوّنون"


 

-أنا أعبد إله الحقِّ الذي يعطي ثوبه لمحتاج، وخبزه لجائع. إلهي يزورني عندما أكون في البرد والعاصفة، فيضع الحطب في موقدي، ويترك على كتفي رداءً، وفي فمى لقمة.

-ما أروع الذين يمجِّدون إلهاً يكون فيهم ويكونون فيه، وما أبشع الذين يمجِّدون إلهاً من صنع أيديهم المدنَّسة، روحه من تراب ووجهه من حديد وصدأ.


 

العظة الثامنة عشرة "الصدق"


 

-الصادق يتحدَّث إلى الله والله يحادثه، والكاذب شيطان أعمى، يتخفَّى على الدروب والمفارق ليوقع بين الناس. الصدق يجعلكم أنقياء وطاهرين، والكذب يجبلكم بتراب أسود، فمهما تظاهرتم بالبراءة يكون الحقد ظاهراً على وجوهكم. ولو غطَّيتم  سواد نفوسِكـــم بثلوج القمم وأجنحة الملائكة، فإنَّ الأصــبـاغ لا تخفي شيئاً من طبيعة الذات.

-الكاذب يقتل أهله وأبناءه ويضرم النيران في المنازل، فيحيلها رماداً، والصادق يبني بالمحبَّة، والمحبَّة تبنيه.

-ما أجمل الإنسان الذي يعترف بأخطائه، فاعترافه ينقِّيه، ويجعله  صافياً كالثلج، وطليقاً كالينابيع. أمَّا الكاذب الذي يحدِّثك بالرفق والحنان، ويطعنك بخنجر عندما تغيب عن أبصاره، فهو أبشع من الفرِّيسيِّين وأقبح من الصالبين.

-ما أكثر الحمقى الذين يكذبون كلَّ يوم،  فالناس يعرفونهم، وإن كانوا لا يقولون حقيقتهم. الكاذبون يحكُمون على الناس بالجهل، ويفرحون لأنَّهم أذكى من أن يكتشفَهم البشر. لكنَّ الله جعل للناس عقولاً وأعيناً، فليس كلُّ من تجاهل جاهلاً، وليس كلُّ مَن تذاكى ذكيّاً.

-الصدق مولود من الحرِّيَّة، والكذب هو ابن العبوديَّة. فكونوا أنتم أبناء الحرِّية، ودَعوا أبناء العبوديَّة في كلِّ واد، فهؤلاء يعيشون في القيظ، ويموتون في الأسى، وتكون أكفانهم من سواد الليل وأجنحة الوطاويط.


 

العظة العشرون "الرجل وأبناؤه"


 

-ويلَه مَن يفرِّق بين الأب وأبنائه، وبين الأمِّ وابنتها، وبين الجار وجاره، فقد جاء ليهدم لا ليبني. فانظروا إلى الأمام  أيُها الناس، ولكن لا تتنكَّروا لما تركتموه وراءكم، فإنَّ المرء يأخذ ما يفيده من الماضي وهو يخطو بخطوات حثيثة إلى المستقبل. أما رأيتم كيف أنَّ الطيور تترك أعشاشها في الصباح وتعود إليها في المساء؟ وكيف أنَّ القطعان في البراري تحنُّ إلى حظائرها، على الرغم من أنَّ الطبيعة تعطيها كلَّ شيء من المأكل والمشرب؟ فلا تتسرَّعوا في أحكامكم، ولا تنشغلوا بالتعاليم الضالَّة التي تسعى إلى التخريب. إنَّ الله أوجدكم وأحبَّكم ويريدكم أن تحبُّوا الغرباء عنكم، فكيف بأقربائكم يا قليلي الإيمان؟ إنَّ المحبَّة هي الشمس التي تضيء عليكم جميعاً ولا تميِّز أحداً منكم، وعليكم أنتم أن تستهدوا بأنوارها فلا تضيعوا في الطريق. كونوا ودعاء كاليمام، وأقوياء كالعاصفة.

-صدِّقوا أنَّ من أعطوكم الحياة لا يستطيعون أن يمنعوها عنكم، فإنَّ الأرض التي أطلعت الشجرة لا تغادرها ولا تبتعد عنها، بل تظلُّ ملتصقة بها، ولكن عليكم أن تُظهروا العطف على مَن هم أكبر منكم، لأنَّ هؤلاء يشعرون بالوحدة والعذاب كلَّما تقادمت الأيَّام.

-إذا زلَّت بكم أقدامكم صرختم: مَن يخلِّصنا؟ ولكنِّي أقول لكم صدقاً: إنَّ الإنسان يخلِّص نفسه ويخلِّص الآخرين معه أيضاً.

-إذا كان الآباء يفرضون عليكم شرائعهم فلا تغضبوا، بل خذوا منها ما يفيدكم، وإذا سألوكم: لماذا لم تأخذوا كلَّ شيء فقولوا لهم: إنَّ مَن يُعطي كثيراً لا يسأل عن القليل الذي لم يؤخَذ. وإنِّي صدقاً أقول لكم: إنَّ ما تأخذونه من أهلِكم هو الخميرة التي بها تتقدَّمون وتغتنُون.


 

العظة الحادية والعشرون "المال"


 

-المعابد تصلح لكم في أيَّام الغِنى وفي أيَّام الفقر والمجاعة. وإنَّ الله لن يحزن إذا أعاد إليكم أموالكم، ولن يبقى عارياً إذا أعطاكم لباساً لتستروا عريكم، ولن يجوع إذا فتح لكم أبوابه لتأكلوا وتشربوا من خيراتِه. إنَّ في خزانتي قليلاً من المال، فخذوه واشتروا به خبزاً لتشبعوا، فإنَّ المجاعة قاسية ولا ترحم، ولعلَّها من علامات الأزمنة. وفي الصندوق عند الزاوية هناك، بعض من نقودِكم التي كنتم تضعونها فيه نذوراً وصدقات، فافتحوه واستعيدوا أموالكم، واذهبوا إلى السوق وابحثوا عن طعام لأبنائكم وبناتكم. وصدقاً أقول لكم أيُّها الناس الفقراء: إنَّكم حين تأخذون من الله لا تنزعون عن أنفسكم صفة العطاء، فقد أعطيتم بفرح عندما كانت كرومكم غنيَّة وخوابيكم طافحة بالزيت، ونحتتْ أيديكم الطاهرة حجارة المعبد البيضاء... وكنتم في السنين الماضية تجودون بما ملكت أيمانكم ولا تبخلون في شيء، حتَّى أصبحتم في كرمكم وعطائكم مضرب المثل في القرى والمدن... ولا يضير المعبد أن يكافئكم على أرواحكم الطيِّبة وقلوبكم العامرة بمحبَّة الخالق. نعم يا إخوتي، إنَّ كلَّ حجر هنا ينطق بما صنعتم في الزمان الغابر، وكلُّ جدار يتحدَّث عن تضحياتكم الغالية. لقد كانت تجارتكم رابحة، ولم تدفنوا في الأرض كنوزكم، فاحمِلوا أرباحكم التي نلتموها من مذبح الربِّ الغافر، واذهبوا إلى بيوتكم فرحين متهلِّلين، وارقصوا لأنَّ الله يعرفكم في الفرح والحزن ولا يتخلَّى عنكم حين تكونون في حاجة إليه... ولكنْ لا تقولوا أمام الناس: إنَّ الله أعطانا، فالذي يأخذ يأخذ بصمت والذي يعطي يعطي بصمت أيضاً. وإذا سألكم الأغنياء: من أين جئتم بالمال وقد كنتم فقراء؟ فلا تجيبوا، لأنَّكم إذا نطقتم بالحقيقة، فإنَّ الكثيرين منهم سيجيئون إلى هذا المكان، ليكذبوا على الله ويتظاهروا بالحاجة، وهم يريدون أن يأخذوا مثلما أخذتم، فيزيدون على ثرواتهم ولو قدراً قليلاً... إنَّ هؤلاء يا إخوتي وأبنائي لا يشبعون ولو كانت جميع كنوز الدنيا في أيديهم. أنتم تشعرون بالجوع في أيَّام  الجوع، أمَّا شعورهم بالجوع فقد بدأ منذ ولادتهم ولا ينتهي إلاَّ إذا صاروا في القبور.


 

العظة الثانية والعشرون "الحرّيّة"


 

-إذا لم تعرفوا الحرِّيَّة فأنتم جاهلون من قبائل الثلج والخمول، وإذا لم تقدِّسوا الحرِّيَّة وتتقدَّسوا بها فإنَّ معابدكم من رماد وأحلامكم من تراب... الحرِّيَّة هي العشق السماويُّ الذي غمركم وجعلكم تنطقون بالعجائب، فتحيون الموتى، وتبرئون المخلَّعين.

-الحرِّيَّة هي الأمُّ التي أعطتكم الولادة، وأرضعتكم، وعلَّمتكم أن تتكلَّموا وتفكِّروا، وسجَّلت أسماءكم في سجلِّ الخالدين. وهي الصباح الذي يشرق في عيونكم، فاحتضِنوا الصباح لكي لا يهرب من أمامكم، فتصبحوا أنتم والعدم واحداً لا ينقسم.

-سيقولون لكم في المجالس إنَّ الحرِّيَّة لفظة جاءت بها الصُّدفة، وليس لها معنى في القواميس والكتب المقدَّسة. وسيقولون أيضاً أمامكم: إذا تحرَّرتم من العبوديَّة والخنوع، فأنتم تستجيبون لنداء الثورة، والثورة من صنيع الشياطين. والذين يقولون ذلك هم أولئك الذين ينظرون إلى الشمس ولا يرونها، لأنَّهم يرتدون أقنعة من خيوط الظلام، ويستجيبون لنداء السكوت. ويريدونكم أن تسيروا على خطى الأجداد الذين كانوا يقبِّلون اليد التي تقتلهم، ويخضعون للسيف الممدود على رقابهم.

-الذين يكرهون حرِّيَّتكم هم عبيد الكتب الصفراء التي جاءت بها الأنظمة، وقد ولدتُم في العواصف والرياح، فلا نظام يقيِّدكم، ولا موت يأخذ أمكنتكم.

-الذين يرفضـون أن تتكلَّموا وتكتبوا وتقرأوا هــم كهنة الزنازين، حيث العتمة الأبديَّة ونعيق الغراب. هم الذين تلوَّثت أيديهم بدماء الأطفال وصراخ الملائكة.

-الذين يراقبون أفواهكم، ويمنعونكم من أن تحبُّوا نساءكم، وأن تفرحوا مع أبنائكم هم أحفاد الشرائع الآثـِمة التي سطَّرتها أيادي الشؤم في العصور الـبـائـدة، ولم يـزل كتَبتها يموتون ويُولَدون على أسرَّة مخلَّعة، وينشرون الويل والخراب.

-الحرِّيَّة نقيض الموت. لها الكواكب المشرقة وله عتمة القبور. لها حفيف الشجر وله الخريف العاري. ولها الجداول المرنِّمة وله الخرائب والأشباح... فسيروا مع النور والغناء واطرحوا عن  أيديكم القيود الصدئة، وكونوا عُراة كالحقيقة، وهادرين كالسيول الجارفة. وكلَّما سألكم أحد: أين تسكنون؟ وماذا تأكلون وتشربون؟ ولماذا أنتم عراة كالصخور؟ قولوا لهم: نحن نسكن في روح الله وعناويننا مكتوبة في سفر الخلود... نحن نأكل من خبز الحياة، ونشرب عبير الزنابق في الحقول. ونحن عراة لأنَّ الذين يرتدون الثياب لم تلفح أجسادهم رياح الغضب، ولم تغمر وجودهم أنوار الفضيلة. الحرِّيَّة صنعتنا كما يصنع الفلاَّح محراثاً يشقُّ الأرض، وكما تصنع الطيور غناء يكسر بندقيَّة الصيَّاد، وكما يصنع الطفل سفينة من ورق ليغزو بها البحار والمحيطات. نحن أبناء الحرِّيَّة، وإذا أنكرناها أنكرَنا الوجود ورمى بنا في الغياهب. نحبُّها لأنَّها حرَّرتنا من الوهم والضياع، وأعطتنا سلاحاً لنقتل الجمود، ونتمرَّد على الظلام الرهيب.  

- إنَّ الذي يمنعكم عن الحرِّيَّة هو الخوف. ولكي تنتصروا على هذا العدوِّ المتربِّص بكم، فاصنعوا سيوفاً من نار ورماحاً من لهيب، واطعنوه في الصميمم، فإذا خرَّ صريعاً شعرتم بالألم، وصرختم لأنَّ جزءاً منكم قد فارق الحياة. وإذا طعنتُم الخوف ولم تقتلوه، فإنَّه يستطيع أن يولد فيكم مـــن جــديد ويسيطر على أرواحكم فيستعبدها ويحطِّمها.

-الشجاعة هي الأداة التي تتخلَّصون بها من الخوف، وتنقضُّون على الاستسلام، ومَن لا يملك الشجاعة، فإنَّه سيبقى خاضعاً وذليلاً، وستمرُّ به العواصف فترميه جثَّة هامدة على قارعة الطريق.

-ليكن لكم من قلوبكم سلاحاً تواجهون به، وإذا لم تتحرَّروا من داخلكم فلا أحد يحرِّركم. وعندما تصبحون أقوياء، فمجِّدوا القوَّة التي في أرواحكم، وعمِّروا لكم معبداً تُقدِّسون فيه المجد، وترفعون صلاتكم إلى إله الحرِّيَّة.


العظة الرابعة والعشرون "الأعداد"


 

-أنتم تخطئون عندما تتحدَّثون عن الأعداد، وتحْسبون ما في حقولكم من ثـمار وفاكهة، وما على بيادركم من الخير. وتخطئون عندما تجمعون وتطرحون أموالكم بعد أن تعودوا من السوق وقد بعتم أو اشتريتم. وتخطئون أيضاً حين تعدُّون زوجاتكم وأولادكم، فالأرقام ليست إلاَّ أوهاماً وضعها العلم، وصدَّقها العالم المادّيُّ. والحقيقة هي أنَّ الأرقام لا تصدق.

كم مرَّة قلتم إنَّكم وزوجاتكم واحد ولا يفرِّق بينكم أحد؟ وقلتُم أيضاً إنَّ الرجل والمرأة كانا في المادَّة كائنين اثنين، أمَّا في الروح والعقل والجسد فهما واحد لا يتجزَّأ؟

وكم مرَّة نظرتم إلى أنفسكم، فوجدتم أنَّكم جسد وروح وقلب وفكر، ولكنَّكم في الحقيقة واحد لا أكثر؟  

وإنَّ الواحد منكم يستطيع أن يكون أكثر من واحد: فهو زوج، وابن، وشقيق، وجدٌّ، وحفيد في آن معاً، بيدَ أنَّه واحد واحد.

وقـد تظنُّون أنَّ الفصول أربعة، وهـي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة.

وتتوهَّمون أنَّ الزهرة وعبيرها شيئان مختلفان، وكذلك الشمس ونورها، والعصفور وغناؤه، والبحيرة وماؤها.

كما تزعمون أنَّ الطريق التي تصعد بكم إلى التلال هي غير الطريق التي تأخذكم إلى الأودية العميقة، وأنَّ السير إلى الأمام يختلف عن السير إلى الوراء.

-إنَّ الذين اجتهدوا لكي يعلِّموكم الأرقام هم الذين جعلوكم تنقسمون على أنفسكم، وعوَّدوكم على أن تفرِّقوا بين المفرد والجمع. وعندما ينتصــر العقل على الروح يقع المرء في الخطأ، كما يخطئ عندما تنتصر الروح على العقل.

-تعلَّمتم أن تجمعوا الأشجار، والجبال، ورمال البحار، ولم تفكِّروا في ما هو أبعد من الحقيقة المجرَّدة، لأنَّ عيونكم هي أدوات لعقولكم التي إذا عملت وحدها، لا تهتدي إلى الصواب.

ولو كنتم توازنون بين المادَّة والروح، لكنتم اكتشفتم بسهولة أنَّ النظر إلى الأشياء مجتمعة لا يعني أنَّها ليست واحداً.

هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدِّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنَّه واحد. وإذا سمعتم مَن يقولون إنَّه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يُجيبوا، فلعلَّه واحد وغير واحد في وقت واحد. ولا تستعجلوا في الحكم، فإنَّ أحكامكم ستكون خاطئة إذا كنتم تستخدمون أبصاركم للوصول إلى الحقيقة. وإيَّاكم أن تتَّهموا أحداً بالضلال، لأنَّ ذلك يُحدث الشقاق والفرقة بين الناس. وما أبغض الفرقة إذا كانت ابنة الأفكار المجرَّدة والأرواح المعطَّلة...  والقلوب المتحجِّرة!


 

العظة الخامسة والعشرون "الدين والكفر"


 

-إنَّ الغضب الذي يتملَّك في أفئدتكم هو الذي يدفعكم إلى القتل والعقاب، وإنَّني لأسالكم واحداً واحداً: مَن منكم كان قاضياً أو حاكماً بالعدل في أيِّ زمن؟ ومَن منكم حصل على توكيل من الله لكي يدافع عنه ويعاقب مَن يخالفونه؟ ومن أيِّ محكمة حصلتم على حقِّ المرافعة والإدانة؟ انظروا إلى الطيور كيف تسبِّح الخالق وليس لها كتاب، وانظروا إلى الشجرة كيف ترفع ذراعيها وتتضرَّع للإله الحبيب، وانظروا إلى الأمواج كيف تتلو صلاتها الأبديَّة، وهي لم تدخل يوماً إلى معبد، ولا تعرف الركوع... إنَّ الله يحبُّ عبادتكم ويقدِّس وجودكم، وعليكم أن تحبُّوه من غير أن تطلبوا منه شيئاً في المقابل، فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء. وإذا رأيتم أنَّ الناس يحبُّون الله، ويَصِلون إليه من الطريق التي لا تسيرون عليها، فلا تلعنوهم لأنَّهم إخوة لكم في الدين وأنتم لا تعلمون. وقد يكون الله راضياً عنهم أكثر ممَّا هو راض منكم ومن عبادتكم. إنَّ الله لا يريد منكم دينكم بل يريد إيمانكم.

- لن تذهبوا لتعاقبوا آلاف البشر الذين يعيشون في الغابات ويعبدون الشمس والقمر والأشجار. وقد جعَلنا الله مختلفين لحكمة منه، فإذا جاهدنا لكي يكون جميع الناس أمَّة واحدة خالفنا تلك الحكمة وعارضنا إرادة الله. وصدقاً أقول لكم أيُّها الأبناء المتعصِّبون لدينكم إنَّه لو جاءني أحد إلى هذا المعبد وأنكر وجود الله أمامي، لما غضبت منه، ولما أسأت إليه، بل لأخذته باللين، وحاولت أن أقنعه بخطإ رأيه، فإذا اقتنع يكون اقتناعه ولادة ثانية له، وإذا لم يقتنع لا ينبغي أن يكون عناده موتاً. أمَّا الحكم على الإنسان فلا يصدر عن أناس يصيبون ويخطئون، بل يصدر عن الإله العادل الذي يصيب ولا يخطئ.

-لقد أرسل الله إلينا أنبياء كثيرين لحكمة منه، وكان يمكنه أن يرسل إلينا نبيّاً واحداً، ويقول: اتبعوه، فنكون على دين واحد ولا نختلف. أمَّا اختلافنا على الأنبياء ومَن منهم هو الأفضل، فقد جعلَنا ضحايا لمجازر مرعبة وحروب دامية. ونحن في هذه الناحية دفعنا ثـمناً باهظاً لحرب عبثيَّة ما زال دخانها يتصاعد في الفضاء.


 

العظة السادسة والعشرون "روح الخير"


 

-يحدِّثونكم عن الخير، والخير ليس بعيداً عنكم. إنَّه أمامـكم على الطريق، وفي البيوت، وفي الحانات، ولكنَّكم في كثير من الأحيان لا تصغون لصوته، ولا تستجيبون لإغرائه.

الخير يكون في الصحو والعاصفة، في الغنى وفي الجوع. والشرُّ  لا يكون إلاَّ في الخطيئة.

وإذا فعلتم خيراً، فاتركوه وراءكم ولا تدعوه يلحق بكم، فإذا سرتم مع الخير الذي فعلتموه ينقص أجركم، ويقلُّ فضلكم. وإذا سمعتم عن أحد لا يفعل خيراً ولا  شرّاً، فاسألوا عن معنى وجوده، لأنَّ لا وجود لإنسان لا يفعل خيراً ولا شرّاً. وإن كان أحد يفعل خيراً وشرّاً معاً، فإنَّه أفضل من أناس كثيرين، وإذا قلتم عنه إنَّه رجل شرِّير فإنَّكم تنظرون بعين واحدة، فالأفضل أن تقولوا: إنَّه رجل يغطِّي شرَّه بخيره، فلا هو شيطان رجيم ولا هو ملاك عاقل.

-ليس من إنسان يحبُّ الشرور ولا يفعل الخير، وليس من إنسان يفعل الخير ولا يفعل الشرّ. فالخير والشرُّ يتعانقان كما تتعانق الوردة والهواء. وما أعظم المرء الذي يكثر خيره ويقلُّ شرُّه!

-سمعتم عن الأنانيِّ الذي يأخذ ولا يعطي، لأنَّ عطاءه يعذِّبه. فصدقاً أقول لكم إنَّ الأنانيَّ يعيش معذَّباً على هذه الأرض لأنَّه لا يُسعد مَن يحتاجون إليه، ولا يُسرُّ بالعطاء الجميل. وإن أعطى مـن غير أن يــدري، فعطاؤه لا قيمة له لأنَّه غير مقصود ولا يعلم به نفسه.

-سمعتم أيضاً من بعض المفكِّرين أنَّ الإنسان قد وُلد فيه الخير ويموت معه، ولكنَّه إذا شعر بالحاجة فقد يقتل أو يسرق ليعيش. وإنِّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرِّير وبين الذي تعضُّه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضِّل الموت على أن يفعل شرّاً؟

-قـال لكم مفكِّرون آخرون إنَّكم إذا أحببتم الله كثيراً فخيراً تفعلون، ولكنَّكم لا ترتكبون الشرور إذا لم تحبُّوا الله، فبئس الذي يقول ذلك، لأنَّ محبَّة الله هي قيمة الخير وجوهره. وأنتم عندما تضعون قرشاً في يد فقير لا تأخذونها من جيوبكم بل من يد الله.

-أنتم لا تتعلَّمون الخير ولا تعلِّمونه لأبنائكم، فهو طبيعة فيكم كما الشعر طبيعة في الشاعر، وكما اللون طبيعة في الغابة. وهذه الطبيعة قد تبخل أحياناً وقد تجود أحياناً

أخرى، لكنَّها في جميع أحوالها طبيعة خيِّرة ومعطاء. فطوبى للذي يعطي قليلاً من القليل الذي يملكه، وطوبى للذي يعطي كثيراً من الكثير الذي معه، فقد انتصر الخير على الشرِّ فيهما معاً، ورفعهما الخير إلى مصاف النبلاء والعباقرة.


 

العظة السابعة والعشرون "الحقيقة"

   

-الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أنَّكم لا تعرفون الحقيقة، فليس من حقيقة كاملة. وإذا كانت الحقيقة غير كاملة فهي شيء من الكذب.

-لماذا تصرُّون إذن على أنّكم تعرفون أكثر من غيركم؟ ولماذا تعتقدون أنَّ غيركم جاهل وأنَّ الله أعطاه أقلَّ ممَّا أعطاكم؟ ولماذا ترفعون أصواتكم عندما تقولون الحقيقة ولا تخجلون؟

التكبُّر هو الذي يجعلكم تعتقدون أنَّكم أفضل من طيور السماء، وأنفع من وحوش الغابة، وأكثر وداعة من الورود؟ أمَّا التواضع فإنَّه يضع أمام أعينكم مرآته الصافية، وما إن تنظروا إلى ذواتكم حتَّى تكتشفوا أنَّها ليست أعظم من أشياء صغيرة لا تعيرونها اهتماماً.

-لقد تعلَّمتم أن تقولوا إنَّ اللاشيء هو لا شيء، لكنِّي أقول لكم صدقاً إنَّ اللاشيء هو شيء موجود، ولو لم يكن موجوداً لما قلتم إنَّه لا شيء.

-تعلَّمتم أنَّ المادَّة التي يتكوَّن منها الكون أربعة: ماء ونار وتراب وهواء. فما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟ وهل تعلمون أنَّ الفراغ هـو مادَّة، بل هو الأصل الذي انفصلت عنه المادَّة التي تلمسونها وترونها؟

-إنَّ كلَّ شيء تنظرون إليه كان في البدء خيالاً ثمَّ رسمته يد فنَّان قدير. والفنَّان نفسه هو الذي يعطيكم بعض المعرفة، ويخفي كثيراً من التفاصيل التي تحتاجون إليها وتبحثون عنها من غير فائدة، فعقولكم تصطدم بحائط مسدود.

-كم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا وأصابهم الجنون، ولو كانوا عقلاء لكانوا وَفَّروا على أنفسهم جهداً وتعباً مضنياً، واقتنعوا بأنَّ ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود، وأنَّ أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيَّة التي حجبها الله.

-يقولون لكم إنَّهم يعرفون، أو إنّ المعرفة موجودة في مكان ما، فقولوا لهم: إنَّ المعرفة التي تتحدَّثون عنها ما هي إلاَّ البعض القليل الذي لا يكفي. أمَّا المعرفة الكاملة فهي الحلم الذي لا يتحقَّق مهما طال الزمن، فلا الفلسفة ولا العلم قادران على الوصول إليها. الحقيقة هي الفضاء الذي لا يبلغه الطائر مهما علا جناحه، وهي البحر الذي لا يمسك به الملاَّح من كلِّ جوانبه مهما كان عتيّاً. فلا تخجلوا من القول إنَّكم لا تعرفون، لأنَّكم تظهرون تواضعكم للناس ولا تتكبَّرون، ولا تخافـــوا أن تقولـــوا لمن يدَّعــي المعرفة إنَّه لا يعرف إلاَّ القليل القليل، أمَّا الكثير فليس ملكاً لأحد، ولا سطوة لأحد عليه.


العظة الثامنة والعشرون "ساكن الغابة"


 

-إنَّك ترى في هذا العصر أناساً يبشِّرونك بالسعادة، ويقنعونك بأن تسكن في الكهوف العميقة، وترتدي الخشن من اللباس. وقد يطلبون منك أن تقتل من أجل الغبطة. فاحذر هؤلاء لأنَّهم مخدَّرون ومضلَّلون. صدقاً أقول لك أيُّها الرجل: إنَّ السعادة التي يطلبها البشر إنَّما هي قريبة منهم. وهناك مَن يحاضرون عن الله وهم أبعد الناس عنه، ومَن يتحدَّثون باسمه وكأنَّه لا يعرف كيف يفكِّر أو يتكلَّم، وهناك مَن يتظاهرون بحبِّهم له وهم  يجلدون إنسانه ويذيقونه من المرِّ ألواناً.

-إذهب معي إلى المدينة لترى النجَّارين والحدَّادين والخبَّازين والتجَّار وهم يعملون ويسبِّحون الله بأصوات الملائكة. هؤلاء يا أخي هم المؤمنون الحقيقيُّون الذين لا يمثِّلون ولا يكذبون، بينما كثيرون يتحدَّثون عن النهار، وقلوبهم فيها ليل حالك. وما أبشع الإنسان الذي يرتدي ثياباً ليست له، ويتكلَّم بلسانه وليس من قلبه.

-قد يكون المرء طاهراً في مدينة، وشرِّيراً في صحراء. وقديماً كان الناس يقتتلون بالحجارة والنبال، واليوم يقتتلون بالبنادق والمدافع. لقد تغيَّرت الوسائل أمَّا الطبائع فهي ذاتها. وكم من الحروب دارت رحاها في المدنيَّات القديمة عندما كان الناس يعيشون في البراري والكهوف، وينامون تحت أغصان الشجر.


 

العظة التاسعة والعشرون "القاتلون بالسييف"


 

-ستشاهدون وأنتم في طريقكم حاملين للسيوف، يرفعونها في وجه الشمس. يرتدون الحماقة ثياباً،ويحملون الجهل زاداً وعتاداً. هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم. سيعترضونكم في الدروب الوعرة ويسألونكم عن أسمائكم ومدنكم وزوجاتكم، فقولوا لهم إنّكم أبناء الله، وليست لكم أسماءكما المجرات البعيدة لا أسماء لها. وإذا قالوا لكم: بم تؤمنون؟ فقولوا لهم: نحن نؤمن بكلّ شيء، نؤمن بحبّة التراب والجذور والسماء والشجر العاري لأنها كلّها من عمل واحد، ونعتنق الفكر لأنه فكر المبدع،  ونقدّس الرياح التي تقتحم الغابات فتغيِّرها وتلبسها العراءلكي تعود من عرائها خلقاً آخر.

- سيحلُّ الظلام على الأرض، وتتهدّد الحضارة، ستطفئ الأنوار في حفلات الرقص والطرب، وستُلعن الموسيقى، ويدوس الحاقدون على الأدب والفلسفة والعِلم. لكنّها فترة قصيرة لن تلبث أن تنتهي، لأنّ الله وضع فيكم شعلة الحياة، والحياة لا تدوس عليها جحافل الموت، إلا لتزيدها حياة وأملاً. أنظروا إلى أشواك الحقول، فإنّها على قساوتها تزهر، وانظروا إلى الغيوم،  فإنّها على سوادها تغدق لكم وتجعل كرومكم طافحة بالعناقيد، وتملأ ينابيعكم وأنهاركم وبحاركم ماء لتشربوا وتسقوا العطاش. إنّ الأرض تدور إلى الأمام، ومثلها أرواحكم، ولا يعود إلى الوراء إلاّ مَن حلّت في قلبه العتمة فحجبت عنه كلّ شيء جميل.

-الأزمنة يا إخوتي وأحبّائي تسير كما شاء الله لها أن تسير، فمَن يمنع كلمة الله من أن تكون الأصل والحقيقة؟ ومن يجرؤ على محاربة النور وهـــو بعيد ولا يُطال؟ مَن سيمنعكم من أن تطأ أقدامكم على الكواكب، لتجدوا فيها من يحدّثكم ويستمع إليكم؟

-سترون المدن مهدّمة، والمعابد مخلّعة الأبواب ينعق البوم على شبابيكها، وتسكنها الضباع، ستشاهدون آلافاً من الناس يلتحفون العراء، ويتشردون في المغاور والكهوف والصحاري، فلا تبكوا عليهم، بل اعطوهم القوَّة لكي يثبتوا في إيمانهم. وقولوا لهم إنّ البكاء على الماضي جهل، والنحيب لا يصنع الأمجاد. وقد يعذبونكم ويقتلونكم ويعلقون أجسادكم على أعواد المشانق، فابتسموا وأنتم تفارقون الحياة، لأنّكم بموتكم خلعتم أبواب العبوديّة وكسرتم شوكة الطغيان. إنّ موتكم كموت الزهرة، وانكسار الموج على شاطئ البحر.

-أمّا مصير أولئك الذين طفحت أكوابهم بالحقد فالبكاء والظلمة، فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرُّهم حفرة أبديّة ليس فيها إلاّ الصمت والوحدة.


 

العظة الثلاثون "أوطانكم"


 

-كلّما ابتعدت أوطانكم عنكم اقتربت منكم أكثر، ولكنّ أوطانكم هي في قلوبكم، وأوطانكم هي حرّيّتكم، فأينما حللتم لا تسألوا عن الأرض والسماء والبحار، ولا تقولوا: من يحكم هذه البلاد وسكّانها؟ بل انظروا إذا كانت الفضاءات أوسع من أحلامكم البعيدة، وعندما ترون أنّ أجنحتكم لا تبلغ إلى سماء، بل تصطدم بجدران مطليّة بالسواد، فعلّموا أجنحتكم أن تخترق الحدود والمحيطات. وإذا ضاقت عليكم الأرض فاسكنوا في الخيال، واذهبوا إلى جزر لا تصل إليها السفن العابرة، وهناك أقيموا مع الصمت والصلاة، إنّ الصمت هو أجمل العبادة، والصلاة هي أجمل الفرح. حيث تعيشون عراة ولا يقول لكم أحد: خذوا ثياباً واستروا عريكم تكون براءتكم للخلود. إن الأجساد ليست خاطئة بل إن الخطيئة في العين التي تنظر والقلوب التي تشتهي.

-إذا ذهبتم إلى أوطان بعيدة فعلِّموا أبناءها العزف على المزمار، واجلسوا معهم على الأرض لكي يعرفوا كم أنتم متواضعون، وإذا أعطوكم أرضاً كي تزرعوا وتحصدوا، فاجعلوا لابنائهم نصيباً من أعدالكم. إنّ لصاحب الأرض حقّاً عليكم. وستشتاقون كثيراً إلى مواطنكم الأولى لأنّها لم تنفصل عن أرواحكم، وما تزال أصوات أجدادكم وآبائكم تطاردكم على أجنحة الرياح، فباركوا الريح التي حملت أصوات الغابرين، ولكن إيّاكم أن تغرقوا في العاطفة فإنّها تقتلكم، ولا تترك منكم إلاّ القشور الفارغة.

-لأنّ أوطانكم هي الحرية فلا تأخذوا الحرية من الآخرين. كونوا طليقين كالينابيع، ومضيئين كالقناديل التي تمحو عتمة الليل، فما أكثر الذين يدّعون الحرية وهم محبوسون في أقفاص من حديد. وما أكثر أعداء الحرّيّة وهم يدافعون عنها. لا تكونوا مثل هؤلاء الذين يتوهمون أنهم كالأطيار، لكنَّ أجنحتهم مكسورة وهم لا يعلمون.

-لا تطلبوا من أوطانكم أن تعطيكم، لأنها تعطيكم من غير أن تطلبوا،فاعطوها أنتم من زادكم أيضاً، وكم من جائع لا يطلب منكم رغيفاً، وكم من مشرّد لا يسألكم عن رداء.

-خذوا أوطانكم معكم إلى حيث تذهبون، فالأوطان ليست من طين وماء. هي الوجود الذي لا تحدُّه حدود. هي أنتم ومِن غيركم أنتم لا مكان للمكان.


 

العظة الحادية والثلاثون "الأفكار"


 

-أنتم تسيرون وأفكاركم تسير أمامكم لتدلَّكم على مواطن الخير. والأفكار هي مرايا تنعكس عليها محبَّة الله، ومن كانت أفكاره متحجِّرة فإنَّ الله لا يعمل فيه، ولا هو يعمل بروح الله.

وبعض الناس أفكارهم من نار، وهؤلاء هم القيِّمون على كنوز الأرض، من أيديهم تدفق الغلال، ومن عقولهم وقلوبهم يقتبس العالم قبساً من النور. هم الذين ينهضون بكم إلى غد النقاء، فإذا قرعوا على أبوابكم لا تقولوا: نحن لا نعرفكم، فإنَّكم تعرفونهم من غير أن تعرفوا، وأمام أعينكم ما صنعوه لكم من الحجر والحديد وألوان الحبر. عيونهم تنظر إلى فوق، إلى الكواكب، وإلى خلق الله الذي لا يُحدُّ بزمن  وأمكنة. فادخلوهم إلى بيوتكم وانصتوا إلى أقوالهم، وقدِّموا لهم من أثوابكم لكي يرتدوا، وأشعلوا نار مواقكم ليأخذوا منها الدفء، وإذا سألوكم عـن فراش، فاعطوهم أسرّتكم وناموا على الحضيض، فقد سهروا طويلاً وأنتم نائمون.

قدّسوا أفكار الشعراء لأنّهم يصبّون لكم خموراً لا تفني، ويعطونكم لهيباً لا ينطفئ وحبّاً لا يزول.

-مجّدوا الموسيقيّين الذين يطيرون بكم على أجنحة علوية. وارقصوا مع المغنّين وهم يهيمون حناناً مع الكلمة العذبة واللحن الرقيق. واغبطوا المخترعين لأنّهم رفعوا بينكم وبين العواصف جدراناً، فلا تشعرون بقساوتها.

-أمّا الذين يشدّون بأفكاركم إلى الوراء فلا تصغوا إليهم، وغادروا هياكلهم ليأكلها الغبار، فهؤلاء لا يستحقّون أن تعطوهم آذاناً صاغية، ولا يفهمون أنّ الأشرعة لا تبحر إلى الوراء وأنّ الشمس لا تعرج. وما أقبح أولئك الذين يلعنون النور وهم يحتاجون إليه لكي يخرجوا من أقبية أفكارهم الصدئة، وما أتعس الذين يكرهون السفر إلى شواطئ جديدة وقد فرغت موانئهم من مائها وهجرتها المراكب وانتحرت فيها الأمواج.

-إنّ الفكر الذي يبدع هو الفكر الذي يقرّبكم من السماء، أمّا الأفكار الجامدة فمصيرها اللعنة والشتيمة،  وأصحابها لن يخرجوا من شرنقة الفشل لأن الفشل مكتوب على جباههم.


 

العظة الثانية والثلاثون "الطعام واللباس"


 

-لباسكم قشور لكم كما تغطّي القشور ثـمرة، فأنتم لا ترتدون ثياباً بل ترتدون عريَكم لأنَّكم ولدتم عراة وعراة تموتون. وتحبّون ثيابكم وتتفاخرون بها في الأعياد وتتسابقون على شرائها، ولولا هذا لكان الخيّاطون ماتوا جوعاً، فأنتم تفعلون خيراً لهم عندما تتزيّنون بألبستكم.

ولولا انّكم تخافون من أن تظهر عوراتكم أمام الناس ما كنتم غطّيتم أجسادكم بأردية، بل كنتم تهيمون في الغابات والقفار كسكَّان القبائل البدائيّة، فيظهر كلُّ ما فيكم واضحاً وطاهراً وليس فيه عيب.

-إنّ العار ليس في أجسادكم إنّما هو في العيون التي تنظر إليكم وتشتهي. تلك العيون عثرات أمام عريكم، فاقتلعوا عريكم قبل أن تأكلكم عيون الناس. فإنَّهم لا يعشقون أرواحكم ولا يشتهون القيَم التي تؤمنون بها، كلُّ ما يريدونه هو الأجساد العارية التي تشبع نهمهم وتروي غليلهم. الجسد مقتلة للجسد والروح حياة للروح. وجميل أن يحبّ الإنسان امرأة جميلة وأن تحبَّه وأن يشتهيها وتشتهيه، بيد أنَّ الصحيح هو أن يحبَّ روحها أيضاً لأنّ الروح جسد من غير ثياب. الروح هي اللحن الذي يحوِّل القصيدة الباردة إلى أغنية على الشفاه.

-أمَّا الطعام فأنتم تجمعونه من بيادركم وحقولكم وتخبّئونه لأوقات الشتاء، فالخوف من الجوع هو الذي يجعلكم جائعين. فاكتفوا من الطعام بما يشبعكم لا بما يجعلكم متخمين. وإذا أطعمتم من طعامكم إنساناً جائعاً تكونون خيِّرين في عيون الله، أمّا إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا أنتم، فتكونون أفضل الخيّرين. وإذا كنتم جائعين وطرق على بابكم جائع فأعطيتموه ليأكل ولم تأكلوا أنتم، فإنَّكم إذَّاك أفضل من أفضل الخيِّرين.

-إذا صادفتم فقيراً على الطريق، فلا تفرحوا لأنَّ الله جعلكم أغنياء، بل احزنوا للفقير لأنَّه يعيش فقيراً.

-لا تخافوا من الجوع وأنتم أصحّاء، بل خافوا منه إذا داهمكم مرض ومنعكم من العمل، إنّ الله أعطاكم أجساداً وأرواحاً لا تجوع، ولكنّكم حوّلتم تلك الأجساد والأرواح إلى مواضع للخوف والرهبة.

-أعطوا منازلكم للغرباء وافتحوا مخازنكم للمحتاجين، لكي يخرج الخوف منها ولا يعود.


 

العظة الثالثة والثلاثون "معبد لجميع الشعوب"


 

-تعجبون يا أحبّائي من أنَّني فتحت أبواب المعبد لجميع الشعوب، فالله جمعكم لا ليفرِّقكم وفرَّقكم لأنَّ اختلافكم حكمة. وقد ولدتم على دين ليس لأنَّكم اخترتم دينكم بل لأنَّ آباءكم وأجدادكم كانوا على هذا الدين. وبعد أن ولدتم لم يسألكم أحد عن الدين الذي تفضّلونه فيكون لكم. لذلك فالأديان ليست منازل من حجر مقفلة الأبواب. وإنَّكم عندما تعبدون الله تكون عبادتكم دِيناً، وليس مهمّاً كيف تصلُّون. أمَّا الذين قالوا لكم إنَّ دين الآخرين ليس صحيحاً فهم تجَّار الهيكل الذين أصابهم الغنى ومـا زالوا يجمعون المال ولا يشبعون، ولبسوا التكبُّر درعاً.

-حقيقة أقول لكم إنَّ الذي يعمل في حقله يصلّي لإله الأرض، والذي يبحر في مركبه إلى البحر البعيد يصلِّي لإله البحر، والفنّانون والنحّاتون والراقصون والعاملون في المصانع لكلّ منهم إله يحبُّه، ولكنَّ كلَّ تلك الآلهة إنَّما هي في الحقيقة إله واحد. فأحبُّوا إلهكم لأنَّه أحبّكم ولا تقولوا: لماذا أعطيت الآخرين أكثر مما أعطيتنا؟ فقد يكون أعطاكم أكثر منهم ولا تعرفون، وقد يكون أعطاهم كثيراً لكنّهم يحزنون في ما عندهم وأنتم تفرحون بالقليل،  فهناك مَن يأخذون الكثير ومع الكثير يحزنون، وهناك من يأخذون القليل ومن القليل يغتبطون، أما الذين في أيديهم الغنى فإنَّهم لا يشبعون ولو أصبحوا في القبور. يمدُّون أيديهم لأنَّ نفوسهم ضعيفة، ويتظاهرون بالحاجة وأموالهم في الخزائن يأكلها الصدأ، ويغطِّيها الغبار...

-كونوا إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أنت؟ ومن هما أبوك وأمُّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد والدِّين واحد كما أنَّ الله واحد في كلِّ الأمكنة.


 

العظة الرابعة والثلاثون "المسامحة"


 

-عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور. وتدوسون على الكواكب.

وعندما تحقدون، فإنَّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش.

-إذا سامحتُم، ترفرفون بأجنحة الملائكة.  وإذا ثأرتم للدم البالي، فأنتم تصبغون حياتكم بالسواد، ولا تغادرون المآتم.


 

العظة الخامسة والثلاثون "دعوة إلى الحرِّيَّة"


 

-الحرِّيَّة تدعوكم إلى غلالها، والربيع يعطيكم مرايا العبير، فخذوا من صباحه أثواباً،  وخذوا من السماء خبز التقدمة. خذوا الزهرة إلى حقلها، والينبوع إلى ظلاله، والحياة إلى أجسادها.

-لا تصدِّقوا أنَّ البحر أكبر من دمعة على وجوهكم، وأنَّ اليد المرتجفة لا تحطِّم الشتاء. لا تصدِّقوا الليل، فإنَّه قديم كالعصور، متنكِّر كالسارقين، وأنتم واضحون على السطور، كتابة أعمق من الفكر والوردة. أنتم نهار يقطع السيف، ويلوي شوكة الموت.

-قالوا لكم إنَّكم ولدتم من غير أجنحة، وإنَّ خُطاكم لا تلحق بالرعود. وقالوا لكم إنَّ خطاياكم معلَّقة في الجدران، وفي أوراق الشجر، فقط لتكونوا ساكتين كأعشاب الحقول.

إذا كنتم أنتم الأمس، فمن يأتي بعدكم؟ وإذا كنتم اليوم، فـماذا قبله؟ أنتم كلُّ الزمن الذي كان قبل آدم، ولا ينتهي في مكان. لكم يدٌ تهدم الجدران العالية، وتعيد الطريق إلى طريقها، وتردُّ الصباح إلى صباحه، وتُخرج الكواكب من عُلبِ الظلام.

-حطِّموا الأقفاص التي علَّقوها على مداخل القصور. وانقضُّوا على التماثيل المجنَّحة، وعلى مدائح الفرِّيسيِّين الكذبة. انقلبوا على سكوتٍ مجرِم، على حاجتكم إلى الطعام والماء. لتحمِلوا ذواتِكم من أقبية الخوف إلى قصائد التمرُّد.

-الخوف لا ينجب طفلاً. الموت لا يعطي حياة. اليباس لا يصنع غابة. وإنَّ البحيرة الراكدة ليس فيها سوى العدم الذي لا يمكن أن يبدع. فلتكن ضلوعكم معبداً لإله الشمس، الذي أوجدكم لتكون جباهكم أعلى من الشموس، وأنقى من أثواب الملائكة.


 

العظة الساسة والثلاثون "المرأة الغريبة"


 

-النبل لا تحدِّده ديانة، ولا يميّزه انتماء. فقد يكون موجوداً في حيوان يهبُّ لنجدة صاحبه إذا أصابه مكروه، وقد يخلو منه إنسان قاسي القلب، عديم الشعور، يقرأ من الفكر ما يوجد في الحبر فقط، ولا يقرأ في الروح. إنَّني أعجب أيُّها الرجل من وصف المشاعر الخيِّرة بأنَّها إنسانيَّة، مع أنَّ الناس يحقدون ويقتلون ويمارسون أبشع العادات. وما الحروب التي تراها إلاَّ دليل على وحشيَّة الإنسان الذي يقول عن نفسه إنَّه صاحب الشعور.  إنَّ الشعور قد يكون في الطيور الصغيرة، والخيول التي تسارع إلى إنقاذ إنسان من الغرق، والكلاب التي تحامي عن البيوت، وقد لا يكون في ضمير متحجِّر ليس فيه قبس من شعاع الخالق...

-صرت على يقين أنَّ الإنسان أرفع من الدين، وأنَّ الدين الذي يعجز عن تعليم الفضائل يخذل الإنسان، ويحبط الأمل.


 

العظة السابعة والثلاثون  "وصيَّتي"


 

-إذا رأيتم سلاماً يتجوَّل في حقولكم وتحت أشجاركم، فلا تقولوا له: أنتَ غريب، فما الذي جاء بك إلى هنا؟ بل سلِّموا عليه وحدِّثوه، واسهروا مــعــــه، واصغوا إلى كلِّ كلمة يقولها، ففي حديثه أسرار قـد لا يكون سهلاً عليكم فهمها.

- إنَّ الذين حملوا السلاح وذهبوا إلى الساحات ليقتلوا ويُقتلوا، هم أكثر الناس ندامة ويأساً. وإنَّ الزمان شاهد على ما فعلت أيديهم، و الزمان لا يعود إلى الوراء، ولا يمحو ما كتبه الحقد بحبر الدم والدموع...  لقد طعنتْكم الحراب في الصميم، وأخذت البنادق أطفالكم منكم، والتهمت النيران بيوتكم. وأين هم مَن أعلنوا الحرب عليكم؟ إنَّهم في أقبية العدم، بعضهم ماتوا كمداً وحسرة، وبعضهم ظلُّوا حياء لكنَّ المقابر تسكن أرواحهم. وإنَّ الذين يشعلون الثقاب فبالثقاب يحترقون، والذين يصنعون السلام فبالسلام تكون غبطتهم ولا تزول.

-اصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كلِّ حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كلِّ بيت شمعة للسلام، وصلُّوا ولا تملُّوا لإله السلام. وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم، فاخرجوا إليه عُراة حفاة واطردوه من بينكم، وإذا رفض الرحيل، فاطرحوه أرضـاً وعفِّروا وجهه بالتراب، واقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت.

-لن تكون لي، في ما تبقَّى من حياة، غبطة أكبر من غبطتي بإله السلام الذي يعيش معكم،  ولن يخرج من بينكم بعد الآن.



 

كتاب "تأمّلات من صفاء الروح"


 

النص الأوّل "إنسانيّتك هي دينك"


 

-الأسماء والأمكنة والوجوه لا تهمُّني. فكم من الأسماء لا تشبه أصحابها، وكم من أمكنة تضيق على ساكنيها، فيحطّمون حديد المسافة ويهربون إلى المجهول... وكم من وجوه مستعارة تتساقط عند هبوب الرياح!

-إنَّ قيمة الإنسان لا تكون في صورته، فالصورُ تُعلَّق على جدران الأزمنة إلى حين، وقد تتساقط وتندثر، أمَّا الروح فتبقى، ولذلك يخلع الناس أجسادهم ولا يخلعون أرواحهم، أمّا الإيمان بالله وحده فهو جوهر تلك القيمة، وكلُّ شيء يتداعى بمرور الأيّام إلاّ ذلك الجوهر، فهو كالشمس، كلّما تقادمت بها العصور ازدادت نوراً ولمعاناً.

-إنّ الديانات تبطل إذا كانت سبيلاً للفرقة بين الناس.

-صدق إيماني بإله واحد هو إله البشر جميعاً، ولا يمكن لأحد أن يمتلكه.


 

النصّ الثاني "الشجرة المثمرة"


 

-سمعتُم من الناس عن الشجرة المثمرة التي يضربها الناس بالحجارة، فلا تصدّقوا جميعَ ما يزعمونه، فمن الأشجار تلك التي تعطي ثمراً طيّباً، ومنها ما تعطي ثمراً مُرّاً يشكو منه الناس وتأنفه الطيور.

-في الحقول أشجار كثيرة تعانق السماء وليس فيها ثمر، وأشجار أخرى صغيرة لكنّها كريمة تعطي من غير حساب.

-قد تجدون في أرضكم شجرة تعطي فاكهة كثيرة، وأخرى تعطي فاكهة أقلّ، غير أنّ التي تعطي قليلاً قد يكون ثمرها أطيب وأغلى في السوق، فتلك التي تعطي قليلاً باركوها، وافرحوا بعطائها، ولا تغضبوا من تلك التي أعطت كثيراً، فإنّ الله يعطي من خلالها.

وقد تزرعون أشجاراً وتنتظرون أعواماً لكي تثمر، فلا تعطي شيئاً، فتلك أشجار بخيلة، يقتلعها الفلاّح من جذورها ويلقي بها في أتون اللهيب.

وقد تزرعون شجرة وتهتمُّون بها جيّداً، وعندما يحين الصيف تكتشفون أنّها لا تعطي لكم. وقد تهملون أخرى فتعطي لكم في موسم القطاف وأنتم لا تتوقّعون منها أن تعطي، فاشكروا الله على حكمته، وتعلّموا أنّ العطاء قد يأتي إليكم من حيث لا تنتظرون، لأنّ الله يراكم ويصغي إليكم، ويعرف ماذا تريدون ونشتهون.

أمّا أسوأ أنواع الأشجار، فتلك التي تعطي ثماراً ناضجة تشتهيها العيون، وتطلبها الأيدي، ولكنْ بعد أن تقطفوها تجدون أنّ داخلها مهترئ، فتلك أثمار مغشوشة تريد إظهار نفسها على أنّها جميلة في قشورها، وهي مريضة في داخلها، وقد تنقل المرض إلى أثمار أخرى تشبهها.

-ليس جميع مَن يقولون: "أنظروا إلينا. نحن أشجار مثمرة ولذلك يضربنا الناس بالحجارة" هم الصادقون. فالعابرون في الحقل قد يرشقون شجرة بحجر لأنّهم جائعون ويطلبون شيئاً يأكلونه، فيسقط لهم من الشجرة ما يسدّون به رمقهم. وقد يرمون بحجارتهم على شجرة لأنّها بخيلة ولا تعطي، فقد خابت آمالهم عندما طلبوا منها أن تعطيهم من غلالها وتنقذهم من الجوع. وقد تتظاهر شجرة أمام صاحبها بأنّها تعرّضت لليباس والذبول لأنّ العابرين لم يرحموها، فاحذروا أن تصدّقوا تلك المدّعية الكاذبة، فقد مثّلت على صاحبها لكي تنجو من الفأس الذي يقترب منها ويهدّد أغصانها. وما أكثر مَن يمثّلون أدواراً مثل تلك الشجرة الجبانة، فتسمعهم دائماً يتحدّثون عن أفضالهم وما حقّقوه من انتصارات في الحياة، ويشْكون من أنّ الآخرين يعتدون عليهم، فهؤلاء هم المزيّفون الذين لو جُمعت أفضالهم لما تساوي أفضال نملة تدبّ على الأرض، وقد جعلوا من الشكوى والتبرّم وسيلة لكي يلفتوا الأنظار إليهم، ولكي يتباهوا بأنّهم من أصحاب الفضيلة والعطاء، وما هم إلاّ ينابيع ضئيلة

وبخيلة، ولا تسقي عطشاناً.

-صدقاً أقول لكم إن أولئك الذين يكشفون عن أجسادهم لكي يرى الناس آثار الحجارة التي أصابتهم، قد أصابت حجارتهم كثيراً من الأبرياء، ولكنّهم يريدون أن ينظر الناس بعين واحدة، ويسمعوا بأذن واحدة.

وكم تسمعون مِن أشجار أنّ الناس رشقوها بالحجارة، بينما هي لا تعطي إلاّ الشوك والقذى، فتلك تزعم أنّها ضحيّة لشرور الناس لكي تصرف الأنظار عن فشلها وبخلها، ولكي ترفع من شأن نفسها بعد أن رذلها العابرون ولم يلتفتوا إليها.

-لا تكونوا ساذجين، فتصدّقوا جميع ما يُقال لكم. بل كونوا حكماء، وادخلوا إلى الأعماق حاملين أنوار العقل والقلب، لأنّ ما يظهر على الوجوه لا يعطي صورة حقيقيّة عما يختبئ في الروح. ولا تدَعوا الكاذبين يسيطرون عليكم ويخدعونكم بالمزاعم الباطلة. كونوا كالفلاّح الذي يعرف أشجاره وأشجاره تعرفه، ويميّز بين تلك التي تعطي ثمراً طيّباً فيحمله إلى السوق ويبيعه ويجني منه مالاً وفيراً، وبين تلك التي تعطي أثماراً مرّة أو مهترئة، فإنّها مهما ارتدَت أقنعة مزيّفة، سيفضحها نور الشمس، وستكون عارية في يوم الحساب، لا يشفع بها بكاء، ولا تنقذها شهادة زور.

-إنّ أجمل الأشجار هي التي تعطي ولا تعرف أنّها تعطي، وأبغضها تلك التي لا تعطي، ولكنّها تنتقد مَن يمرّون في ظلالها، وتزعم أنّهم أكلوا من خيراتها ولا يشكرون.


 

النصّ الثالث "مأدبة الحطّابين"


 

- إن الغناء هو نوع من الصلاة، فاسمع الأشجار كيف تغنّي، والينابيع كيف تعطي من ذاتها للعطاش وتغنّي لهم، فعطاؤها فرح، واصغِ إلى الطيور وهي تنشد على الأغصان فتتحوّل القصائد إلى نغمة سماوية... وتمعّنْ في أغنية الموج لكي تكتشف منها أسرار الأعماق، وقد تخبرُك قطرة الماء التي تتكسّر على الشاطئ أقاصيص لم تعرفها عن عصور قديمة يعجز

العلم عن معرفتها واكتشافها.

-غناؤكم وأنتم متعبون هو أجمل الغناء، فشتّان بين مَن يغنّي وهو فرح ومَن يغنّي وهو حزين. فالذي يغنّي وهو فرِح يشبه النسيم الذي يهبّ على الزهرة فيأخذ منها العطر، ومن يغنّي بحزن لا يوقفه حزنُه عن أن يأخذ العطر من الأشواك والعواصف. وعندما تغنّون وأنتم متعبون فإنّكم تنتصرون على التعب الذي يريد أن يرهق أجسادكم، ويحطّم أرواحكم، وتصعدون إلى الرجاء كما تصعد النواة القاسية من بين الحجارة لكي تعانق الضياء.

-إنّ هناك مَن يخافون من الأغنية لأنّ أصواتهم بشعة ولم يكتشفوا الغناء الذي يحوّل الصقيع إلى دفء. هؤلاء يريدونكم أن تصمتوا لأنّكم كلّما نطقتم تكشفون عن الحقيقة التي لا يريدونها أن تظهر أمام الناس. إنّ بين الصمت والكلام مسافة لا يقطعها إلاّ الملهمون...

- قولوا الحقيقة كما يقولها الطائر الغرّيد، وكما يهمسها الفجر لأزرار الورود. إنّ الشجاعة فقط هي ما يجعلكم تتميّزون عن الجذوع الواقفة التي لا تجرؤ على السير كما يريدها الزمان أن تسير.

-أنتم تفعلون حسناً عندما تعلّمون أبناءكم ما تعلّمتموه من أجدادكم، ولكن عليكم أن تحفظوا أسماء الذين علّموكم، فكم من الأغاني العذبة لا نعرف مَن هم أصحابها! أمّا إذا أراد أبناؤكم أن يصنعوا ألحاناً جديدة، فافرحوا لهم وباركوهم، فكما تكون الخمرة المعتّقة في الخوابي طيّبة وغالية، فكذلك الخمرة الجديدة، وأنتم لا تعيشون في دهاليز الأمس، بل تنطلقون منها إلى دروب قد لا تعرفون إلى أين ستوصلكم، ولكنّكم تعشقون المغامرة، ولا تفرّطون باللحظة التي تنقلكم من مكان إلى آخر.  

-كثيرون من الناس يفرحون بما فعلوه لكم من الخير والفضيلة، وهم يكْمِلون عملهم عندما تشعرون أنتم بأنّ ما صنعوه لكم قد غيَّر حياتكم وجعلكم تفرحون أنتم أيضاً.  فليس من عمل يتمُّ إذا كنتم لا تستفيدون منه، ولو كان أصحابه من العباقرة. فانظروا إلى النجّار كيف يصنع لكم أبواباً ونوافذ تحميكم من العواصف والرعود، ولو لم تكن تلك الأشياء تفيدكم لما كانت لها قيمة. وانظروا إلى الفلاّح في حقله كيف يزرع لكم لتأكلوا، وأنتم تظنّون أنَّه يتعب من أجل نفسه، لكنَّ الحقيقة أنَّ لا أحد يتعب من أجل نفسه فقط، فإنّ الرغيف الذي يأكله أبناؤكم هو الهديّة المتواضعة التي يقدّمها إليهم الزارع لكي لا يجوعوا، فاشكروه على كرمه وعطائه.

-صحيح أنَّ الخيّاط الذي يعمل في متجره من الصباح إلى المساء، ويخيّط لكم أثواباً ترتدونها وتتزيّنون بها في أعيادكم، يجاهد من أجل نفسه، ويسعى لكي يوفّر القُوت لزوجته وأبنائه، ولكنّه في الوقت نفسه يخدمكم ويساعدكم لكي تغطّوا عريكم، ولولا فضله عليكم  لكنتم جعلتم من أوراق الشجر ألبسة لكي لا تفضح عريَكم عيونُ الآخرين.

-أنتم لم تتّفقوا مع البحّار لكي يغامر في البحار البعيدة ويكتشف الكنوز، فقد فعل ذلك من تلقاء نفسه، ولكنّه عندما يقود مركبه في المحيط البعيد، يقود مراكب أحلامكم، ويأخذكم معه في رحلة العطاء، فمِن يديه تغتنون. وكذلك الرسّام والشاعر والمسرحيّ والموسيقيّ، فمنهم رجال ونساء لا تعرفونهم، وقد يعيشون في أوطان بعيدة عن أوطانكم. وعندما يبْدعون فأنتم تغتبطون معهم، فكأنّكم كنتم تشاركونهم في الجمال الذي خرج من أفكارهم وأرواحهم المتوثّبة إلى الخلود، فلا تنكروا هؤلاء أو تتنكَّروا لهم، كما يفعل الأنانيّ الذي ينظر إلى آنية من الفخّار اشتراها من السوق ويقول: هذه لي ولن يأخذها أحد منّي، بيْد أنّ الصواب هو أنّ تلك الآنية ليست له، بل لغيره، وله نصيب فيها لأنّ مَن صنعها ليس أنانيّاً مثله، ولم يقل  هذه لي وحدي، ولن أعطيها لغيري.

-عندما تزعمون امتلاك الأشياء تغلب عليكم سمة الأخذ، وعندما تعترفون بأنّ النبع الذي تشربون منه ليس لكم، وأنَّ الزهرة التي تتنشّقون عبيرها ليست من أملاككم، وأنَّ الشمس لا تشرق إلاَّ لتنير الطريق لجميع العابرين كما تنير لكم، فإذّاك تكونون حكماء وعادلين.

وكلّما تعبتُم في عملكم تذكَّروا أنَّكم لا تعملون من أجل أنفسكم بل من أجل مَن يحبّونكم وتحبّونهم، ولو كنتم لا تعرفونهم. ففي هذا الشعور بالمحبّة قيمة العطاء الذي لا يقف عند حدود.

-لقد كان الوجود غير موجود عندما أراده الله أن يكون، فالوجود كلُّه فكرةٌ في الأصل، والفكرة تحوَّلت إلى حقيقة، فكان ما ترونه أمامكم،  ولكم نصيب فيه، فهل تعرفون أنَّ الذي خلق لكم كلّ ما تحبّونه وتشتهونه قد اغتبطَ من أجلكم وليس من أجل نفسه، فلا هو يأكل من الحقول التي غرسها لكم أشجاراً مثمرة، ولا هو يشرب من أنهاركم، ولا يطلب الدفءَ من المَجرّات التي علّقها في السماء مثل قناديل لا يتضاءل نورها. فإنّ فرح الله كبير عندما يراكم تفرحون. وكثيرون منكم يأخذون من يد الله ولا يشبعون، وبعضكم يجهلون فضله عليهم، ويعتقدون أنَّ العطاء قد جاء منهم وليس منه.

-ما أجمل ذلك الفيلسوف الذي أدهش الناس بأفكاره العظيمة، وملأت الدنيا أخباره، فاستدعاه ملك الرعيَّة إليه، ولمَّا وقفَ أمامه، وسأله عن أحواله، أراد أن يكافئه، فنادى إلى كاتب الدولة أن يعطيه ألف دينار، فتعجَّب الفيلسوف وقال: "أنا ما فعلتُ ما يستحقُّ أن أقبض ثمنه. ولا أتذكَّرُ أنَّني كنت أملك شيئاً وأعطيتُ منه للناس. فإنّ هناك مَن هو أعظم شأناً وقدرة منِّي، وهو الفيلسوف الأوّل الذي وضع فِيّ أفكاره فأزهرتْ وأغنت، فكيف أسمح لنفسي بأن أدَّعي ما ليس لي؟... نعم أيُّها الملك الجليل، لستُ سوى أداة في يد تحرّكها، وإنّي أصغر من طائر يغرّد في حقل، وأقلّ قيمة من اللون في الوردة، وأحقر من قطرة ماء في البحر الهادر. ولو أراد الله لجعلني حشرة تدبُّ على الأرض. وقد رأيت في حياتي كثيراً من الأشجار الباسقة لكنّها لا تثمر،  ورأيت الناس يتحدّثون بفخر عمَّا جادت به أفكارهم، وليتهم يقولون: إنّ أفكارنا هي في الحقيقة أفكار من الله تعمل فينا."

-إنّ مَن يزعم أنَّ حبّة القمح التي يأكلها قد جاءت من حقله لا يعرف الحقيقة، وكم هو صعب أن تكون الحقيقة أمام أعيننا ولا نراها!  

النصّ الرابع "المتواضعون"


 

-المتواضعون هم الذين يخفضون رؤوسهم أمام الحقيقة، والمتكبّرون هم الذين يرفعون جباههم إلى فوق كما ترتفع السنديانة العاتية أمام الريح، غير أنّها تعجز عن الوصول إلى الكواكب المضيئة.

-المتواضعون هم الذين يقولون: نحن نجوم ضئيلة، وقد بقيَ فيها بعض النور، ومن هذا النور نحن نبدع ونعطي، أمّا المتكبّرون فيقولون: نحن شموس كبيرة، لولا أنورنا لغرق العالم في ظلمة.

-أنظروا إلى الأشجار العالية كيف أنّها لا تصنع العبير، وانظروا إلى الياسمينة التي تنحني كيف أنّها تسكب لكم من عطرها ولا تبخل.

-من المتكبّرين مَن يفرحون بتكبّرهم، فلولا نعمة التكبّر عليهم لماتوا مهمَلين ومنبوذين، ومن المتواضعين مَن يتألّمون بتواضعهم، لأنّ الناس يرفضون أن يعرفوهم، فهم بذلك يشبهون الأكواخ المتداعية التي لا يدخل إليها أحد.

-تسمعون كثيرين يتحدّثون عن أنفسهم، وعمّا فعلوه في حياتهم، وعن أموالهم وأمجادهم، فلا تتعَجّبوا منهم، لأنّ حبّهم لأنفسهم طبعٌ لا تستطيع الأزمنة أن تغيّره، أمّا أولئك الذين يعملون بصمت، فصمتهم ألم، وألمهم خلاص.

-لقد مرّ على الأرض كثير من الأنبياء وعلّموا الأجيال دروساً عن المحبّة والغفران والتواضع والسلام، ولكنّ أغلب الناس لا يحبّون المعرفة، ولو عاد الأنبياء إلينا لبكَوا من جهلِنا.

-ما أقبح الذين يتظاهرون بالتواضع وهم في الحقيقة متعجرفون ومغرورون. هؤلاء يخْفضون عيونهم في خشوع وصلاة عندما يعتقدون أن الله يراهم، وعندما يحلّ الظلام ويتراءى لهم أنّ العتمة حجبت عيون الله عنهم يعودون إلى غرورهم، ولو كانوا وحيدين مع أنفسهم. أما رأيتم كيف أنّ بعض الأغنياء يتباهون بما معهم من أموال وما لديهم من قصور، وكيف أنّ الفقراء يشكرون الله على نعمة الخبز والماء على موائدهم. فالأغنياء يأكلون ويشبعون، والفقراء يأكلون ويشبعون أيضاً؟ أمّا الذين يشتهون أن يأكلوا ممّا على موائد الآخرين فقد كُتب الفشل على جباههم.   

-بعض الناس يريدون منكم أن تتواضعوا، ويمعنون أمامكم في الحديث عن نكران الذات، حتّى تظنّوا أنّ هؤلاء من المصلحين والفلاسفة. ولكنْ تمهّلوا قبل أن تصدّقوا هؤلاء الذين يضعون أقنعة على وجوههم فلا ترونهم، ويتزيّنون بثياب الربيع لكي يغطّوا خريف أرواحهم. فلقد كانوا يُظهرون افتخارهم عندما كانوا أقوياء، وعندما شعروا بضعفهم ورأوا ما صنعتموه بأيديكم وعقولكم، أحرقتْ قلوبهم الغيرة والحسد، فجاؤوا إليكم متظاهرين بأنّهم أنبياء، وقرأوا لكم من كتبهم الصفراء مواعظ وحِكماً، وكلّ ما يسعون إليه أن يتوقّف طموحُكم، وتنعقد ألسنتُكم، وتتجمّد أفكارُكم في عُلب. وعند ذلك يمكنهم أن يسيطروا عليكم، ويتفوّقوا بأعمالهم الهزيلة. إنّ هؤلاء المبشّرين الكاذبين بالتواضع يشبهون رجلاً عليلاً أراد أن يشارك في سباق، وعندما رأى أنّ الجميع يسبقونه، أجهش بالبكاء، فتوقّف الآخرون عن الركض، وعادوا إليه لكي يطْمَئنّوا إلى حالته، فقام وسبقهم إلى خطّ النهاية. وما أكثر الذين يتظاهرون بالقدرة على شفاء الأمراض وهم مرضى وعليلون!

-إنّ التواضع يا أبنائي وأحبّائي لا يعني أن تنكسر شوكتكم، وأن تستسلموا للأعاصير، ولا أن يكذب عليكم الناس،  فتنطفئ أنواركم ويأكل مصابيحكم الصدأ. التواضع ليس هزيمة، والنجاح ليس عيباً، كما أنّ عزّة النفس ليست شتيمة على صاحبها.

-ليكن كلامكم رقيقاً كالربيع، لكن ليكن أيضاً قاطعاً وشجاعاً. واعملوا في حقولكم وبيادركم، وفي مصانعكم ومتاجركم لكي تُغْنوا وتغتنوا. فكلّ شيء يخرج من بين أيديكم سيكون جميلاً، ولكنّ الجمال في أرواحكم التي تقول للشيء: كن فيكون. وإذا سألكم أحد: هل أنتم مَن صَنعتم هذا؟ فقولوا: نعم، إنّ الله صنعه لنا، وقد أعطيناه لكم من أجل أن تفرحوا.

-إنّ قول الحقيقة ليس افتخاراً ولا تكبُّراً، بل التكبُّر هو أن يدّعي الإنسان ما ليس فيه. فلا تكونوا كالمدّعين، ولا تتكلّموا كالمتشامخين، بل ليكن كلامكم مختصراً، لأنّ الحقيقة لا تكون بالكلام الذي يتبدّد في الرياح، بل تكون بالكلام القليل الذي تنحته الإرادة المؤمِنة على ألواح الخلود.


 

النصّ الخامس "الخوف"


 

-أنتم تخافونَ من المجهول لأنّكم لا تعرفون ماذا يخفي لكم. وتخافون من الغيلان والأشباح في الليالي الظلماء، وهم لا يوجدون إلاّ في أفكاركم وفي القصص التي ورثتموها من الأقدمين. ولو لم يكن الليل حالك السواد لما كنتم تخافون منه، فإذا سار أمامكم في الطريق رجل يحمل قنديلاً لكي يضيء لكم، لهدأت قلوبكم وذهب منها كلّ خوف.

إنّ القنديل لا يبدّد الظلام فقط، بل هو يبدّد ما في داخلكم من رهبة، كأنّه عندما يضيء لكم يضيء فيكم أيضاً.

وأنتم تخافون من أشياء كثيرة لأنّكم تفتقرون إلى الشجاعة، والشجاعة هي معرفتكم بأنّكم ستنتصرون على ما هو أقوى منكم. فإذا كانت لديكم تلك المعرفة تسيرون في العتمة كأّنكم تسيرون في وضح النهار.

-إنّ الشجاعة تُلبسكم درعاً، والجبانة تجعلكم عراة أمام العواصف والرعود. والشجاعة التي تأتي من إيمانكم بالله هي أعظم شجاعة.

-ذات يوم كان كاهن يصلّي في معبد، ولم يكن في المعبد سوى امرأة عجوز، فحدثَ زلزال واهتزّت جدران المعبد، فترك الكاهن صلاته وفرّ إلى الخارج على عجل لكي ينجو بنفسه، وبقيت المرأة خاشعة في صلاتها، ولم تخَف لأنّها تعرف أنّ الإله الذي يستمع إلى صلاتها لن يتركها، أمّا الكاهن فقد هرب من صلاته ومن الموت، وقد يأتي الموت من طريق آخر.

-لقد أفلح الجبابرة في استغلال الخوف الذي يطغى على الإنسان، فأذاقوه من المرّ ألواناً وجرّعوه كؤوس الذلّ والمهانة، وهو صاغر لا يحرّك ساكناً، لكنّ البشريّة عرفت أيضاً أناساً تمرّدوا على الخوف، وأعلنوا الثورة على الجمود، وما تزال أسماؤهم تتردّد في العصور. هؤلاء هم البحّارة العتاة الذين اقتحموا العتمة والأمواج فأخضعوها، ومن وراء الحجب الداكنة أشرقت أنوار العدالة. وسيأتي جبابرة كثيرون في العصور، فكونوا أمامهم كالجبال العالية التي لا تنحني، وقولوا كلمة الحقّ في وجوههم، وإذا رأيتم إنساناً يئنُّ ويتوجّع ممّا صنعه هؤلاء، فساعدوه لكي ينهض من ألمه ويتجدّد.

-من الناس مَن يخافون ممّا فعلوه لأنفسهم، فهم يكذبون ويزيّفون ويسرقون ويحقدون ويشتهون، ولا يعِيرون لمشاعر الآخرين آذاناً صاغية، بل هم يفرحون بما تجنيه أيديهم، وعندما يأتيهم رسول من حاكم المدينة يأمرهم بأن يمْثلوا أمام المحكمة ترتعد فرائصهم ويموتون فزعاً. إنّ هؤلاء يشبهون امرأة غرست أشجاراً في كرْمها وانتظرت موسم القطاف، ونصحها مَن يحبّونها بأن تبْني سياجاً للكرْم لأنّ الثعالب تأتي ليلاً فتأكل الزرع، ولكنّ المرأة لم تسمع النصيحة، حتّى أكلت الثعالب ما زرعته، فلطمت وجهها وجزعت جزعاً شديداً.

أنتم لن تكونوا مثل تلك المرأة لأنّكم تسمعون بآذانكم وعقولكم وأرواحكم، وتجعلون لكرومكم سياجاً هو سياج الفضيلة، ولن تخافوا من الظلام لأنّه نور في الأصل وقد شعر بالنعاس فنام وقتاً قصيراً. ولن ترهبَكم العواصف والرعود وأنتم تسيرون في البراري. كما لن يستطيع الطغاة أن يخنقوا أصواتكم، فإذا تعرّيتم من الكلمة لا يعود لوجودكم معنى. إنّكم تشبهون جنديّاً ذهب إلى الحرب وقرّر أن يعود منتصراً أو يموت شهيداً، فأصبح انتصاره مجداً أبدياً له. وتشبهون مغامراً ذهب في رحلة وراء الجبال البعيدة، وانقطعت أخباره عن أهله، وعندما رجع إليهم كنسْر ممزّق الجناح، استقبلوه بفرح عظيم، ورفعوا له تمثالاً ليمجّدوا الشجاعة التي يحملها في قلبه. نعم يا أخوتي وأحبّائي، إنّ البحر الذي ترونه يمتدّ إلى البعيد البعيد، ويخاف الكثيرون أن يقتحموا أمواجه، وما هو إلاّ قطرة من الماء، لكنّها قطرة كبيرة، والجبان الجبان هو الذي يخاف أن يغرق في قطرة ماء.

 

النصّ السادس "رجل يعرف الله"


 

-عندما لا تسرق، ولا تقتل، ولا تحقّر أحداً، وعندما تسامح وتكون طيّب القلب والضمير، فالله لا يطلب منك أكثر من هذا. ولكنّ الناس هم الذين يطلبون وكأنّ الله أوكلَ إليهم أن يعاونوه في عمله، أو أن ينطقوا باسمه عندما يكون غائباً. والله لا يغيب ولن يغيب.

- أنت تعرف أنّ الله قويّ لأنّه أعطاك القوّة، وكريم لأنّه أعطاك الكرم، ومسامح لأنه وهبك نعمة المسامحة، وجميل لأنّه خلق لك السهل والجبل والوادي والنهر الذي يرنّم وهو يتدفّق إلى المحيط الواسع. وعندما تفقد هذه الصفات تفقد شيئاً من الألوهة التي هي جزء منك.  وهذه الألوهة موجودة فينا جميعاً، وكم يجدر بنا أن نبحث عنها في دواخلنا ونكنتشفها!

-من الناس مَن يعرفون الله بألسنتهم، فهؤلاء هم المراؤون، ومنهم مَن يعرفونه بقلوبهم، فهؤلاء هم المغمورون بأنوار الله، وهناك مَن يعرفونه بعيونهم، وهؤلاء هم الذين ينشغلون بالمشاهد التي تمتدّ أمامهم عن الجوهر الذي جعل تلك المشاهد على صورته. وإذا كانت معرفتك قليلة عن الإله، فذلك ليس عيباً، لأنّ العيب هو ترفض المعرفة ولا تسعى إليها.

- لقد جاء الأنبياء ولم يستطيعوا رؤية الله بعيونهم، ولكنّه رأوه بقلوبهم التي غمرتها أنوار السماء. ولو كانت الرؤية في العيون فقط، لما كنتم تغمضونها في الليل عندما تنامون،  

وتذهبون  في أحلامكم إلى أماكن بعيدة.  


 

النصّ السابع "المرأة والغلام وقصّة الماء"

-قدَرنا أن نحبّ ونسامح... ولولا هذا الحبُّ العظيم الذي يجود كالبحر، لما كان للحياة معنى.


 

النصّ الثامن "الذين يسيرون في العاصفة"


 

-يمكن للعاصفة أن تقطع الأشجار من أصولها، وأن تحجب الشمس وراء الغيوم، لكنّها لا تستطيع أن تقتل الأرواح التي تخرج من قشورها عارية، وتقتحم الوجود.

-لا تتركوا أرواحكم محبوسة في القبور، ولا تصغوا إلى صوت الأمس يناديكم ويشدُّكم إليه، فالأمس يريدكم أن تخضعوا لمشيئته، ومشيئته باطلة، والغد الذي قيل لكم إنّه غريب عنكم، أو إنّه يسكن  في جزيرة نائية هو الأقرب إليكم، فارفعوا أشرعتكم البيضاء وتوجّهوا إليه فوق الأمواج العالية، ولا تخافوا لأنّكم أقوى من الخوف.

-إنّ الجبناء والمتردّدين مكانهم في القبور وإن كنتم ترونهم يسيرون أمامكم ويتحدثون على مسامعكم، أمّا الأشدّاء والمغامرون فمكانهم في كواكب لا ينطفئ نورها ولا يخبو.

-لا تسألوا الرجل مَن أبوه وأمّه، بل اسألوه إن كان يستطيع أن يجعل بينه وبين المستحيل جسراً، وإن كان يستطيع أن يحمل النار بيديه ليضيء للعالم.

-لا تخبروا أولادكم قصص الغيلان التي ترعبهم، بل اخبروهم قصص الأنبياء والعظماء والمكتشفين لكي يملأوا أرواحهم بعبير العظمة. وخذوا الكتب اليابسة التي تعلّم القعود والهزيمة إلى مقابر العدم، لأنّ الحرف الذي لا يهْدر هو حرف مزيّف، والكلمة التي لا ترفع إنساناً إلى أعلى من النجوم هي كلمة هزيلة لا تستحقّ الحياة.

-ما أغبط أولئك الذين يزرعون لكم لتأكلوا، ويعصرون لكم لتشربوا، ويصنعون لكم محراثاً يشقّ صدر العدم. وما أعظم الكاهن الذي يضيء لكم الطريق لكي تبصروا، ويخرجكم من التعاليم الضالّة التي تحبسكم في العتمة. وما أجمل تلك المرأة التي تربِّي أبناءها على الفضيلة لكي ينشئوا مدينة فاضلة للحبّ والسلام. وما أشجع ذلك الطفل الذي يلقي بطيّارته الورقيّة في الهواء لتطير إلى عوالم مجهولة، ويرتفع قلبه وروحه مع كلّ خلجة من خلجاتها، حتّى إذا انقطع خيطها واصطدمت برؤوس الأشجار، ذهب ليصنع طيّارة أخرى كأنَّه يرفض أن يستسلم للجمود!

وما أقبح أولئك الذين عزلوا أرواحهم في كهوف الخيبة، وبكَوا على الماضي والحاضر، ولا يصدّقون أنّ الأرض تدور، والأزمنة لا تتوقّف، فهؤلاء يرضون بالفُتات، ويشربون من المستنقعات الضحلة.

-إنّ أرواحكم هي الأجنحة التي تطيرون بها ولا تغادرون أجسادكم، فهل رأيتم طائراً تصطدم جناحاه بالأرض؟... إفهموا هذا الكلام، ولا تصدّقوا مَن يقولون لكم: كونوا أبناء الروح، ولا أولئك الذين يبشّرونكم بأنّكم بأجسادكم تنتصرون، فطالما أنتم أحياء يجب أن تؤمنوا بأنّ الجسد والروح يتحاوران كما تتحاور الموسيقى مع الكلمة. والإنسان ينتصر بهما معاً على الظلمة والقيود. فالروح والجسد يأتلفان في الحياة، ولكنّ الروح تنتصر على ضعف الجسد في الموت.

-إنّ الذين يكونون بأجسادهم لا يختلفون عن الأشجار الخضراء التي لا تنفع لشيء إلاّ لحطبها، والذين يكونون في الروح يشبهون النواة التي في الثمرة. وإنّ الروح لا تسير وحدها على الطريق، والجسد لا يكتمل من غير الروح. فكونوا أنتم  ثابتين بأجسادكم وأقوياء بأرواحكم، ولا تقولوا إنّ الله قد خلقنا ضعفاء، بل قولوا إنّ الإرادة التي فينا يمكنها أن ترفع الأرض إلى عنان السماء.

-إذا سرتم في العاصفة كما سار آباؤكم وأجدادكم، فلا تدعوا الريح تعرّيكم كما تعرّي الحقول، بل عرّوا أنتم العاصفة، واتركوها تبكي وتئنُّ في الدروب الوعرة، وليكن لانتصاركم على الظلمة صدى تردّده الأجيال وتتحدّث عنه الكتب.


النصّ التاسع "المرأة عند الشاطئ"


 

-الأمواج لا تموت. منذ العصور والأمواج تذهب وتعود كأنّها معزوفة تتردّد أصداؤها ولا تنقطع. ولو كانت الأمواج تموت لكان البحر نضب من مائه، وتحوّل إلى صحراء يابسة.

-إنّ الأرواح التائهة التي لا نراها هي التي تشعر وتتذكَّر أّننا نحبُّها.

-قلبي لا يصدّق أنّ الرحيل يكون في اتجاه واحد. إنّ الرياح نفسها لا تعرف الموت والجمود لأنّها تسير في اتجاهات متعدّدة.

-البكاء لا يغيّر شيئاً من الحقيقة، بل يزيدها تعقيداً. نحن نعرف شيئاً من الحقيقة عندما نعترف بأنّ الموت يعرّي الزهرة من ثيابها لتدوس عليها خيول الزمن، غير أنّ قدَر الخريف أن ينتهي، وقدر الزهرة أن تنتصر، على الرغم من ضعفها أمام جبروت العاصفة... ليس من بداية من غير نهاية كما ليس من نهاية من غير بداية. إنّ النجوم المنطفئة نفسها تضيء عندما تنعكس عليها أنوار الشمس. ونحن نجوم منطفئة لكنّ فيها بصيصاً من الضوء وضعه الله فينا، وهو النور الذي يضيء في الحياة بعد أن نموت.

-إنّ الأجساد تولد لكي تتحطّم، كما تتحطّم القناديل التي تضيء إلى حين، ثمّ يرمي بها أصحابها على صخور النسيان. أمّا الأرواح فكلّما غابت عن أنظارنا، رأيناها بيننا، تحدّثنا عن الصباح الذي يتجدّد، وعن الخلود الذي يناقض الموت والغربة.


 

النصّ العاشر "الإله يحبُّكم"


 

-أحبّوا الإله الذي يحبُّكم، لا الإله الذي يرعبكم.

-اذهبوا مع إلهكم في مسالك النور، ولا تدعوا إلهاً أعمى يقودكم، لأنّ الهاوية ليست بعيدة.

صدقاً أقول لكم إنّ فيكم آلهة كثيرة، بعضها للغضب، وبعضها للشهوة، وبعضها للفضيلة، وبعضها للحبِّ والسلام، فاعلموا أنّ الآلهة التي تأخذكم إلى الشرّ هي آلهة مزيّفة قد صنعتموها بأنفسكم، أمَّا الإله الذي يقودكم إلى الخير فهو الإله الحقيقيّ الذي وجد نفسه بنفسه، فلا يتعب ولا يموت. وأنتم لن تحزنوا وأنتم تمجّدون الإله الذي يعطيكم الأمان.

وكلّما رأيتم إلهاً يخرج منكم ولا يعود، فلا تتبعوه إلى الغابات والبراري لكي ترجعوه، فالإله الذي يحبّكم لا يغادركم، والإله الذي جاء لكي يضع أمامكم عثرات هو الذي يغضب من عدم استجابتكم له، فيرحل عنكم وهو يُولوِل ويلطم وجهه.

-ليس من إله يضطهدكم، كما ليس من إله تضطهدونه، فاحملوا إلهكم في قلوبكم وأرواحكم، ولن يأخذه منكم مجد ولا سلطان.

-إيّاكم أن تدافعوا عن إلهكم إذا تعرَّض للقسوة، فإنَّه لا يحتاج إليكم، لأنّه يتكلّم بلغات كثيرة، ويسمع بآذان، ويرى بعيون، وإنَّ كثيرين ممّن يُرافعون في المحاكم لا آذان لهم ولا عيون.

وقد تطلبون إلهكم أحياناً فلا تجدونه، فلا تقولوا: لماذا هو غائب عنّا؟ بل اسألوا أنفسكم لماذا أنتم غائبون عنه؟ وعندما يكون إلهكم قريباً منكم، اغتبطوا وافرحوا، وادعوا المرنّمين إلى منازلكم. وصدقاً أقول لكم إنَّ الإله لا يأتي إليكم لو لم تفتحوا أبوابكم، وتنفضوا الغبار عن موائدكم، ولو لم تكسروا من خبزكم لتعطوا الجياع والمحرومين.

-عندما تصلّون لإلهكم، فاعلموا أنَّه يسمعكم ولو كانت أصواتكم لا تصل إلى البعيد، فإنّ الذين لا يتكلَّمون يبتهلون بصمت، كما تبتهل الأودية والمروج والأشجار العالية. إنّ الكلام لا يصنع لكم صلاة، بل إنّ الصلاة هي ما يصنع لكم كلاماً تتمجّدون به ، وتفرح به السماء.

-إنّ كثيراً من الناس يتظاهرون بأنَّهم يحبّون إلههم، ولكنّ إلههم لا يشبههم، ولا يتحدّث عنهم. أمّا الذين يحبّون إلههم بصدق، فكلَّما ذهبوا إليه، فتح لهم أبوابه، واستقبلهم بوجه بشوش، وخاطبهم برفق كما يخاطب الأب أبناءه. ولكن لا تيأسوا إذا أقفل الإله بابه ولم يستقبلكم، بل عودوا إليه مرّة أخرى. فإنّ أكبر خطيئة لم تتحدّث بها الكتب هي أن تقولوا: إنّ الله لا يحبّنا.

ومنكم أناس يحبّون إلههم في كلّ يوم، فهؤلاء هم المختارون. ومنكم مَن يحبّونه في بعض الأوقات، فهؤلاء يتبعون نزواتهم إلى حين، وعندما يتعبون منها يبحثون عن إله يريحهم ويسامحهم. وهناك من لا يحبّون إلههم إلاّ عندما يحتاجون إليه، فأولئك هم المخادعون الذين يدخلون إلى السوق ومعهم بضاعة يبيعونها، ويطلبون من الله أن يبيع معهم، فإذا استجاب لهم وربحوا في تجارتهم أحبّوه، وإذا لم يستجب قالوا له: أنت لسنا منّا ولا نريدك بيننا.

-كم هو صعب، أيُّها الأحبّةُ،  أن يطلب الإنسان شيئاً من الله ولا  يجده، ولكنَّ الله ليس على صورتنا ومثالنا، بل نحن على صورته ومثاله، والله ليس بائعاً متجوّلاً ولذلك لا يمكنه أن يكون كما نريد ونشتهي، كما لا يمكننا أن نتخيَّل  إلهاً يأتمر بأوامرنا، ونقول له: إفعل فيفعل.

-كما أنَّ الله لا يعرف الحقد والضغينة،  فكونوا أنتم كذلك، ولا تكتفوا بأن تعطوا المحبَة للناس، بل كونوا المحبّة التي تسير على الأرض، وتعصر من عناقيدها للعطاش. وما أتعس الذين يسيرون بينكم والشرُّ في قلوبهم، فالله يعرفكم ويعرفهم، ومهما اختبأوا وراء الأقنعة، فإنّ وجوههم ظاهرة للعيون... وحين يقول الأشرار والمخادعون والجبابرة: نحن في أمان، ولا أحد يستطيع أن يرانا، يكونون عراة أمام الحقيقة، والحقيقة لا يستطيع أحد أن يخدعها.


 

النصّ الحادي عشر "العازف الصغير"


 

- إذا كنتم تبشّرون بالسلام، فلا تتعبوا، ولا تيئسوا، ولا تقولوا إنّ الطريق طويل، فمهما كانت رحلتكم صعبة لن تكون أصعب ممّا تجرُّه الحروب من ويلات ومصائب. وإنّ لغة السلام لا تقولها الألسن بل الأرواح التوّاقة إلى الانتصار.


 

النصّ الثاني عشر "الضعف والقوّة"


 

-أنتم أقوياء عندما تثبتون أمام العواصف، وعندما تزرعون وتحصدون، وتبنون بيوتكم بسواعدكم فلا تهدمها الأعاصير.

وأنتم أقوياء عندما تصبرون، وعندما تقرأون وتكتبون. وعندما تطمحون إلى البعيد.

وأنتم أقوياء عندما تصْدُقون، وتفعلون الخير، وتسامحون.

ولكنّكم ضعفاء أيضاً، وضعفكم يبدو في حزنكم وألمكم، ويظهر في أجسادكم عندما تمرضون، كما يظهر عندما تغضبون وتفعلون الشرور. فكيف يقول أحد عنكم إنّكم أقوياء وجبابرة؟

-اسألوا الملوك الأقدمين الذين حكموا المدن والقرى واضطَهدوا سكّانها، ورفعوا قصورهم على عظام الأبرياء، هل كانوا أقوياء فعلاً؟ وإذا كانوا أقوياء فلماذا انهارت عروشهم، ونعق الغراب على أبراجهم، وأصبحوا خبراً في الكتب العتيقة؟

إسألوا البحّارة المغامرين الذين  دفعوا بمراكبهم على الأمواج العالية، عن الكنوز التي حملوها من جزر لا تصل إليها عين: أين أصبحت مراكبهم وأين الكنوز التي كانت لهم؟

إسألوا الجبال العالية التي تعرّيها الريح وتضربها الزلزل فلا يبقى منها سوى حجارة مرمية في الأودية وعلى المنحدرات.

اسألوا السنديانة التي كانت تخترق الغيوم، كيف نزلت عليها فأس الحطّاب، فقطعت جذعها وأغصانها وجعلتها وقوداً للشتاء.

-أنتم تولدون أقوياء، فتشقّون حجاب العدم لتعانقوا النور، ولكنّكم ضعفاء عندما تبكون في لحظة الولادة.

أنتم أقوياء عندما تتزوّجون وتنجبون، ولكنكم ضعفاء أيضاً عندما تجوعون وتعطشون، وتطلبون من الأرض أن تعطيكم فتبخل، وتخافون أن تعضّ الحاجة أولادكم.

وأنتم أقوياء عندما تكتشفون وتذهبون في أفكاركم إلى كواكب مجهولة، ولكنّكم تعترفون

بضعفكم عندما تجدون أنّ ما وصلتم إليه من العلم ليس أكثر من قطرة في بحر.

أنتم أقوياء عندما تقرأون في كتب الفلاسفة وتحفظون منها، وإذا سألكم جاهلٌ سؤالاً تحُكّون رؤوسكم وتقفون مشدوهين أمامه من غير جواب، فأين شوكتكم يا مدّعي العلم والعظمة؟

-إن الذين قالوا لكم: أنتم أقوياء، كانوا ينظرون إليكم بعين واحدة، وقد أرادوا أن تنظروا أنتم أيضاً إلى أنفسكم بعين الوهم، فتظنّوا أنّ بعض حقيقتكم هو الحقيقة كلُّها. وقالوا لكم: أنتم كاملون، فلماذا تطلبون ما يجعلكم كاملين؟

وقالوا لكم: إنّ ما تبحثون عنه في الغيب لا وجود له، فالوجود يبدأ فيكم ولا ينتهي في أيّ مكان. وهكذا تتحوَّل الحقيقة إلى ترف لا يهمُّكم، وتعتقدون أنّ الإله الذي يعطيكم القوّة والثبات هو خدعة جاءت بها الأزمنة وتوارثتها الأجيال. فإذا صدّقتم ما يزعمه أولئك المخادعون، فأنتم تشْبهون طفلاً صغيراً ألبسوه ثياب الرجال، فضحك من نفسه وأضحك مَن حولَه... وتشبهون العشبة اليابسة في جدار، وقد أرادت أن توهم الناظرين بأنّها وردة الصباح، فتطاولت وكسرتها العاصفة.

-لا تخافوا من الاعتراف بضعفكم كما تتفاخرون بقوّتكم، وصدقاً أقول لكم إنّ الذي يتخفّى لكي لا تراه الحقيقة إنّما يضلّل نفسه قبل أن يضلّل الحقيقة نفسها. أمّا مَن يتجرّأ على معرفة ذاته فهو الشجاع الذي صهرته المعرفة بنارها فخرج منها خلقاً جديداً.

-أنتم ضعفاء في أمور كثيرة، ولن تكونوا أقوياء من غير ضعف إلاّ عندما تبلغون الحقيقة الكاملة، وليس من حقيقة كاملة إلاّ الله، وأنتم لن تعرفوه ولو وُلدتم كثيراً من المرّات، وأصبحتم أعظم من الفاتحين، فارفضوا التعاليم الخادعة، ولا تجعلوا عداوة بينكم وبين إلهكم، لأنّكم تكونون به وحده، وقد أعطاكم من قوّته، وبه وحده تتغلّبون على ضعفكم.


النصّ الثالث عشر "الغنيُّ الفقير"


 

-إنَّ الرجل الغنيَّ بماله، والذي لا يعرف الروح يمكنه أن يعطي الرجل الفقير شيئاً من ماله، فيستعيد هو روحه، ويستعيد الفقير ما خسره من الثروة.

-إنَّ أخاك الذي أعطيتَه مالاً سيتغيّر في هيئته لأنّ المادَّة قشور، ولكنَّ روحه لن تتغيّر إلاّ إذا عبد المادّة وقرّر أن يتخلّى عن روحه مثلما فعلتَ أنت في عمرك الطويل، أمّا أنت فلن تتغيّر في هيئتك لأنّ الروح جوهر، والجوهر لا يبدو للعيان، بل هو في العمق... وعندما تشعر بالسعادة، والرضى، وبالمحبّة والخير، ستكون قد تغيَّرتَ من الداخل.

-إنّ الثروة وحدها لا تساوي شيئاً، ولكنّها مع الروح هي القيمة والغنى، ولقد أصبحتُ الآن غنيّاً حقيقة، كما أنّ أخي غنيّ...


 

النصّ الرابع عشر "طبيعة الفوضى"


 

-إحذروا وأنتم تسيرون في المدن والنواحي البعيدة أن تقْربوا الفوضى، فإنَّها تهدم ولا تبني. وسوف تجدون أناساً يدْعون إلى الثورة على الماضي وتقاليده، ونفوسهم مليئة بالجمود، فهؤلاء هم المراؤون الذين يستغلّون الناس من أجل غاياتهم. وإنّهم يحصدون من غير أن يزرعوا، ويأكلون من غير أن يتعبوا، وقد أطاعهم البسطاء وصدّقوهم، فاستخدموهم إلى حين. أمّا أنتم فكونوا مفكّرين ومتبصّرين لئلاّ تقعوا في تجربة.

وستستمعون إلى مفكّرين يحاضرون في الساحات ويقولون لكم: تخلّوا عن كلّ ما ورثتموه من الماضي وابدأوا عهداً جديداً من النور.

وهؤلاء المفكّرون يضلّلونكم، لأنّ النور قد يكون من الماضي ومن الحاضر معاً، وإنّ كثيراً من القيَم التي تعرفونها هي أغلى وأثمن من قيَم قد لا تعرفونها. فليس عليكم أن تخالفوا القوانين والأنظمة لكي تتحقّق الفوضى التي يصرخ بها البعض، وكأنّهم يريدونكم أن تتركوا حقولكم  وبيوتكم وعائلاتكم وأبناءكم وبناتكم لكي تطاردوا ما تجهلونه وقد يكون غير نافع لكم.

ولقد نادى فلاسفة في العصور الماضية بأن يتمرّد الإنسان على المألوف من العادات والديانات والمفاهيم، فماذا حدث؟ ذهبتْ كلّ التعاليم الضالّة كما تذهب الرمال في الرياح، ولم يبقَ منها سوى آثار في بطون الكتب تقرأونها لكي تتعلّموا وتقارنوا بين ما هو حقيقة وما هو باطل.

ودعا فلاسفة إلى تهديم التماثيل والمعابد والقصور التي بقيت لكم منذ قديم الزمان، فهل رأيتم أناساً يحملون المطارق ويهاجمون المدن فيدمّرونها ويشرّدون سكّانها إلاّ مَن كانوا مجرمين؟ وهل استطاع أحد أن يكتب لنا لغة جديدة لتحلّ محلّ اللغات التي ننطق بها؟

-لقد حاول سقراط أن ينشر الفوضى في أثينا، وعلى الرغم من عظمته ومجده، فقد خابت آماله، وأصبح المعلّم الكبير موضوعاً للسخرية في مسرحيّة "السحُب" لأريستوفانس. وصدقاً أقول لكم إنّ سقراط هو واحد من المعلّمين الأوائل الذين درستُ على أيديهم واحترمتُ ما جاؤوا به من أفكار وتعاليم جليلة، ولكنّ الفيلسوف يخطئ كما الإنسان العاديُّ، وليس من أحد معصوماً من الخطأ. ومثلما فعل سقراط فعل مِن بعده كثيرون، وكأنّي بهم يؤمنون بالمثل القائل: "خالِف تُعرَف" فإذا بأفكارهم برّاقة في قشورها وجافّة في جوهرها، ولو أطاعهم الناس وتبعوا خطاهم لقامت أمّة على أمّة ومملكة على مملكة، وما عاد الأخ يحبّ أخاه. إنّ تلك التعاليم التي قد تعجبون من غرابتها إنّما تكون كالثمار التي ترونها ناضجة على الأشجار، وعندما تطلبونها لتأكلوا منها تجدونها مُرّة الطعم ومهترئة من الداخل.

ومن المفكّرين مَن وضعوا نصب أعينهم الهدم، وقد تأثّر بعض هؤلاء بتعاليم السيّد الناصري الذي قال: "لقد جئت لأفرّق". ولكنّ كلام المعلّم الأكبر لا يجب فهمه بالمطلق، بل ينبغي التمعُّن به والغوص في أبعاده. فالفرقة هنا هي بين المؤمن وغير المؤمن، وبين من يتبع الحقيقة ومن يتبع الضلال، فافهموا يا أحبّتي الجاهلين، ولا تأخذوا الكلام بآذانكم بل بقلوبكم وعقولكم التي لا تخطئ في الفهم والتحليل.

-أنتم تذهبون لكي تصلحوا بين الناس، ولكي تقيموا المحبّة والصدق والعدل والتسامح، فلا تميّزوا بين الملوك والمساكين، وبين أجناس البشر وأديانهم، ولا تفرّقوا الأب عن ابنه ولا الصديق عن صديقه. وإذا دخلتم إلى مملكة، فاعملوا بحسب نظامها ولا تخالفوا القوانين، فالثورة من أجل الثورة لا فائدة منها، أمّا الثورة من أجل العدالة والخير والفضيلة، فتلك هي ثورتكم التي ستمجّدها الأمم وتتمثّل بها الأجيال.

-لقد تعلّمتم أن ترتدوا ثياباً في العيد، فلا تخلعوها عن أجسادكم لكي تصيروا عراة ويسخر بكم الناظرون. وتعلّمتم أن تتزوّجوا وتنجبوا وتعمَلوا في حقولكم ومتاجركم، فلا تهجروا العمل من أجل البطالة، فالبطالة أمّ الجوع. وتعلّمتم أن تحتفلوا في أعيادكم بالغناء والشموع، فلا تكفّوا عن الغناء ولا تطفئوا الشموع من أجل أن يقال إنّكم تحبّون الحرّيّة، فالحرّيّة تكون بمقدار، كما حرّيّة النهر الذي يفيض كما شاء له ولكن لا يخرج عن ضفّتيه إلاّ لينشر الموت والدمار.

هكذا أوصيكم أيّها الأبناء، وأريدكم أن تضعوا هذا الكلام في أذهانكم فلا تضلّوا في الطريق ولا تضلّلوا أحداً. فإنّ الضلال ينتج عن الجهل، على الرغم من أنّ كثيراً من الجهلة يدّعون أنّهم أعلم الناس وأفهمهم.


 

النصّ الخامس عشر "كلامكم"


 

-كانت الكلمة في البدء لكي لا تنتهي، ومَن لا يبدأون بالكلمة لا يغتنون بها، فاجعلوا كلمتكم تطرق على كل باب، ولا تطرقوا الأبواب بأيديكم، لأنّ من الكلام ما يحطّم الأبواب، ويعبر في التاريخ كعاصفة تعرّي لتخلق من العراء عالماً جديداً يختلف عن الصمت والجمود.

ليس من حواجز بينكم وبين الحقيقة التي تسعون إليها وإن كنتم لن تصلوا إلى أعماقها. وفي رحلتكم بين الأمس وما بعده ستجدون أناساً يستعبدون الكلمة ويجعلونها خادمة لهم، كما أناساً تستعبدهم الكلمة ويكونون خدّاماً لها. فلا تكونوا أنتم عبيداً بل أحراراً، ولا تحقّروا كلامكم على مسامع الناس فتحتقروا أنفسكم، لأنّ كلامكم مرآةٌ لوجوهكم.

-إنّ من يسكبون عبير الكلمة في كؤوسكم لتشربوا وتفرحوا هم الشعراء والفلاسفة والمغنّون والرسّامون والنحّاتون الذين يختصرون الكلمة العذبة في ألوان من صنع خيالاتهم، وبها يعْبرون بأجنحة أرقّ من النسيم إلى خلودهم. وكم هو ضعيف ذلك الفنّان الذي يعجز عن اختراق الحجب التي تفصل بين أمسه وغده، كما عظيم ذلك الذي يجعل غده قبل أمسه، وينتصر على الزمان.

-الكلمة الحقّة لا تُعرف إلاّ بنورها ولا يُعرف النور إلاّ بها، فالفكر كواكب، والسطور مجرّة، والأفكار مراكب تحملكم إلى الأبعاد لتسكنوا فيها، وتزرعوا في حقولها وتأكلوا من حصادها. والحبر على سواده يضيء، وكلّ حبر لا يضيء يموت عندما يولد، ويختنق من عذاب نفسه. وكلّ ما تقولونه إن لم يكن رقيقاً كالينابيع، ساحراً كالنغم، طليقاً كالرياح، مضيئاً كالبرق... يكون أحقر من  عشب يابس على جدران الأبد، فلا تكونوا أنتم من ذلك العشب الذي يعيش وهو ميت، ويصرخ من غير صوت.

-إنّ كثيراً من الأشجار ترفع أيديها إلى السماء ولا تقول شيئاً، وأجمل الأشجار هي التي ترفع أيديها للصلاة، وكلّما ابتهلت إلى خالقها أعطت الناس فاكهة طيبة وظلاًّ يقيهم من الهجير. أمّا أولئك الذين يتمتمون على أبواب المعابد وقلوبهم لا تقول شيئاً، فهؤلاء لا يسمع كلامهم أحد ولا يسمعون هم ما يقولون. وما أطيب مَن يبتهلون بصمت وعمق، فهؤلاء تطرُق كلماتهم أبواب الخلود.

وسترون أناساً يخافون من كلامكم لأنّه أجمل من كلامهم، وهم لا يعرفون كيف يصِلون إلى سموّ أفكاركم، فهؤلاء يكْمنون لكم في الطرق المهجورة، ويؤلّبون عليكم الجنّ الذين يتبعون آثامهم، وكلّما تحدّث أحد عن مآثركم، أرسلوا إليه مَن يعاقبه لأنّه قال عنكم الصدق، وهم يريدون منه أن يكذب. وقد تُغنّون في الساحات بأصوات عذبة فيطردونكم ويطاردونكم، ولكنّهم في اليوم التالي يكافئون الغربان على أصواتنها البشعة، فاعلموا أنّهم يزوّرون الحقيقة كما يزوّر اللصّ هيئته لكي لا يعرفه أحد وهو يفرّ في الظلام. لكن اعلموا أنّ الأصوات البشعة سيكون مصيرها في غياهب النسيان، أماّ الأصوات العذبة والرقيقة فهي التي تتردّد في الوهاد ولا تمحوها العصور. إنّ كلام الضعفاء لا يمتدحه غير الضعفاء، فهل رأيتم مخادعاً يحبّ الصادقين؟

-إنّ الملوك لا يحتاجون إلى مَن يرفع كلامهم، أمّا الصعاليك في منطقهم فيحتاجون إلى مَن يمدحهم لكي يغطّوا سقطوهم بالمديح.

-كلّما أعطيتم الناس ذهباً من ألسنتكم، وطيوباً من شفاهكم سترون كثيرين يتجاهلونكم ويظهرون عدم الاهتمام بما تعطونه، وهؤلاء هم الحاسدون الحاقدون الذين يطمرون رؤوسهم في الرمال، ويظنّون أنّ تجاهلهم سيقلّل من شأنكم.

-قد يقول البعض غير حقيقتكم، فلا تجزعوا لأنّ الحقيقة تنطق بنفسها، والذين يشوّهونها لا ينقصون من شأنها بل ينقصون من شأن أنفسهم. وأقبح من هؤلاء مَن يشتمون ويحطّون من قدر الآخرين، فهؤلاء يرمون بكلامهم في القمامة لأنّهم يعرفون أين يجب أن يكون. فلا تستغربوا من الساقط أن يقول كلاماً ساقطاً، بل تعجّبوا عندما ينزل الفلاسفة بكلامهم إلى مستوى الساقطين.

-الفاشلون هم الذين يتكلّمون أكثر من غيرهم، لذلك ترونهم في كلّ مكان يهذرون بكلام لا معنى له، بينما يتلفّظ العظماء بكلمات قليلة لكنّها أوسع من بحر وأعمق من مجرّات. فلا تنشغلوا بالكلام الكثير لأنه زبد، ولا يضلّلكم أحد بكثرة ما نطقَ به، فما أكثر الحروف التي تنطفئ قبل أن تشتعل، وما أعظم الكلام الذي يكون قليلاً لكنّه قلائد غالية في خزائن الوجود.

-من كلامكم أعرفكم وأنتم من كلامكم تولدون، وإذا لم تكونوا على صورته، فاخلعوه عنكم واتركوه في الغياهب، لأنّكم لا تريدون أن تعيشوا مع الظلمة، بل مع نور الشمس الذي تسعون إليه منذ ولادتكم.


 

النصّ السادس عشر "العالِم الأكبر والعالِم الأصغر"


 

-باركوا النهار الذي يضيء لكم دروبكم، وباركوا الليل لأنّكم فيه تذهبون في أحلامكم إلى أماكن بعيدة، وتلتقون بأناس لا تعرفونهم ولا يعرفونكم.

وافرحوا بالبحر الذي يعطيكم من مائدته، ويحمل أشرعتكم إلى جزر الخيال، وعندما يغضب لا تخافوا منه، بل انتظروا أن يهدأ، فكما أنتم تفرحون وتحزنون، فالبحر يفرح ويحزن. ولكن لا تلعنوا الساقية الشحيحة لأنّها تعطي قليلاً، فقد أخذت قليلاً وأعطت قليلاً كم البحر أخذ كثيراً وأعطى كثيرًا.

وكلّما رأيتم الحصّادين يجمعون غمارهم على البيادر، اغتبطوا معهم لأنّ حصادهم كثير، وهكذا كونوا مع كلّ مَن يصنع شيئاً يفيد الناس، ولا تقولوا: إنَّ ما صنعوه لنا ليست فيه فائدة، فما تعتقدون أنّه لا يفيدكم قد يفيد غيركم، وإنّ الذي يذهب إلى السوق لا يشتري جميع ما يراه أمامه، بل يشتري فقط ما يحتاج إليه. وليس على التاجر في السوق أن يغضب ممّن لا يشترون منه، وإلاّ عاش حياته فقيراً معدَماً.

- إنّ كلَّ مَن يعمل من أجل هدف هو عالِم. فالطفل الصغير الذي يرسم أحلامه على ورقة، والمرأة التي تخيّط لكم أثواباً لترتدوها، والخبّاز الذي يعطيكم خبزاً لتأكلوا... لا يقلّون علماً عن المخترعين الذين يقدّمون لكم الخير والفضيلة. وكم هم جاهلون أولئك الذين يلعنون العِلم ويقبّحونه، ويعتقدون أنّ ما جاءت به البشريّة في تاريخها هو من عمل الشياطين. وسترون هؤلاء ينشرون جهلهم في كلّ مكان، ويعِظون في الساحات، ويطلبون من الناس أن يرتدوا جلود الحيوانات، ويمتطوا الإبل، ويسكنوا في القفار البعيدة كما سكن أجدادهم. وصدقاً أقول لكم إنّ هؤلاء يشبهون أناساً كان في مدينتهم عالِم جليل يصنع لهم أدوية لكي ينقذهم من المرض والوباء. وكان ذلك العالِم يغْني أبناء المدينة ويفتقر، فكان لا يهتمُّ باللباس والمأكل والمشرب، بل كان يقضي الليالي ساهراً يتفكّر في عمله. وكم كانت غبطته كبيرة عندما اكتشف دواء لمرض خطير! ولكنَّ رجلاً شرّيراً حرّض جماعة عليه، واتهمه بالسحر، فهجموا على بيته وأحرقوه، ففرّ العالم لينجو بنفسه. وبعد مدّة انتشر المرض في تلك المدينة، فمات كثيرون من السكّان، ولم يجدوا ذلك الطبيب لكي يساعدهم في محنتهم.

فلا تكونوا أنتم مثل هؤلاء الجاهلين الذين يحْكمون على القشور. وإذا كنتم تؤمنون بالله فآمنوا أيضاً أنّه متخيّل وعالِم، ورسّام، وفنّان. لقد أوجد الله العالَم من خياله، وهندسه بعلمه، ورسمه بألوانه، ومن غنائه أعطى للأطيار والينابيع المتدفّقه والأمواج التي تثرثر وهي تجري إلى الشاطئ البعيد. ولأنّ الله لا يريد شيئاً لنفسه، فقد وهبَكم من خياله وعِلْمه وفنّه لكي تبدعوا أنتم في الوجود، فلا تجعلوا يومكم يشبه أمسكم، ولا تجعلوا غدكم يرتدي أثواب يومكم.

-مَن منكم إذا ذهب إلى حقله لكي يعمل يقول له الناس: عدْ إلى بيتك، فإنّ الأرض لا تحتاج إلى تعبك وإنّ الزرع ينبت من تلقاء نفسه؟

إذا سمعتم مَن يقول لكم ذلك وعملتم بنصيحته، فإنّ أبناءكم سيجوعون، وستكونون أنتم مسؤولين عن الكارثة التي حلّت بهم.

-قد يقولون لكم: لا تركبوا العربات، ولا تكتشفوا الكواكب، ولا تقربوا الطائرات... فكيف تنتقلون من مكان إلى مكان؟ وكيف تصعدون مع طموحكم إلى الأعالي؟ وكيف تزورون أهلكم في المدن البعيدة؟ فصدقًا أقول لكم إنّ الأنبياء أنفسهم لو جاؤوا في هذا الجيل لكانوا فعلوا مثلكم، ولو عاد ابن الانسان مرّة ثانية إلى عالمِكم، لما دخل إلى أورشليم على جحش ابن أتان.

-أنظروا إلى الذين يسيرون إلى الوراء ولا يذهبون إلى حيث تأخذهم أفكارهم كيف يعزلون أنفسهم في أقبية الجهل. وإنّ الإنسان منذ ولد يسير إلى الوراء ولكنّه يرفض

التسليم للزمان، لذلك ترونه يحتفل بالأعياد، ويضيء شموع الفرح كلّما تقادمت به السنوات. ولو كان البشر يحبّون الاستسلام لأبْطلوا الأعياد، وحزنوا على السنوات التي

تذهب من أعمارهم.

أنتم علماء صغار على صورة العالِم الأكبر ومثاله، فاجعلوا الحياة التي تملكونها حقولاً مليئة بالثمر، وأنهاراً تروي العطاش، وبحاراً من الأحلام التي لا تعرف حدوداً. كونوا كالرياح التي تجري ولا تقف، وكالأمواج التي تندفع إلى الأمام وهي تعرف أنّها ستتكسّر على الشاطئ ولا يبقى منها غير الزبد.

-كونوا كالغيوم التي تتراكض في السماء لكي تغمر الحقول بفضلها وتملأ الآبار ماء للعطاش، وكونوا كالشمس التي تسكب أنوراها على الناس جميعاً، فلا تميّز بين فقير وغني، وبين ملك وخادم، وصدقاً أقول لكم: لو اجتمع كلّ ملوك الأرض وأجنادهم ليحجبوا قبساً من نور الشمس لما استطاعوا.

-أغْنوا الآخرين من أعمالكم، ولا تنتظروا مكافأة، فإنّ الله هو الذي يكافئكم عندما تحوّلون أفكاركم إلى كواكب تنير في الدروب الوعرة ولا تنظفئ.


 

النصّ السابع عشر "مرآتُكم"


 

-عندما تنظرون إلى مرآة أنفسكم فإنّكم أنفسكم تخدعون. فقد ترون أنّكم كبار وأنتم صغار، وقد تفرحون لأنّكم جبابرة وما أنتم سوى ضعفاء وساذجين، وتخافون من المرض والأحزان والعواصف. فإذا كانت المرآة تغشّكم فلماذا لا تكسرونها وترتاحون من عذابها؟ ولماذا تذهبون إلى السوق لتسألوا عن مرايا تشترونها وأنتم تعرفون أنّها لن تكون صادقة معكم؟

-ما سمعتُ في حياتي أنّ أحداً أخذ مطرقة وانهال على مرآته تحطيماً لأنّها كذبت عليه،

فالناس يحبّون مَن يخدعهم ويوهمهم بما ليس فيهم.

-إنّ أجمل مرآة هي التي تُظهركم عراة أمام الحقيقة، صادقين متواضعين، وعاشقين لعمل الخير والفضيلة، فإذا لم تجدوا مرآةً تُظهر لكم هذا فإنّكم تقفون عاجزين أمام الوهم. أمّا مرآة أرواحكم فهي التي تحبّكم وتُبدي لكم الوفاء، فاحرصوا على أن تحفظوها، وأمنعوا الذين يخافون من أرواحكم أن يكسروها، فإنّ كثيرين منهم لهم وجوه بشعة وأرواح شرّيرة، وقلوب قاسية كالحجارة.

-عندما يصيبكم الغرور فإنّكم تشبهون رجلاً اشترى مرآة فوجد نفسه فيها عملاقاً وهو قصير القامة، وبدلاً من أن يردّها إلى من اشتراها منه، جعل لها في منزله مقاماً، وراح ينظر إليها كلّ يوم بفرح عظيم، حتّى ظنّ نفسه ملكاً. وعندما خرج الملوك إلى المبارزة ارتجفت يده وانعقد لسانه من الخوف والهلع.

-إنّ الروح لا تَخدع كما تَخدع المرآة. والروح لا تتبدّد كما تتبدّد الصوَر. ففي الحياة تتوازن الروح مع الجسد، وفي الموت يزول الجسد وتبقى الروح ، فأيّهما أنفع لكم في النهاية يا قليلي المعرفة؟

-الجسد يظهر لكم والروح لا تظهر، ولكنّها تسير معكم وتتحدّث إليكم. وقد تكونون في مكان وتشعرون بأنّ أحداً لامس أجسادكم. تلك هي أرواح الذين تحبّونهم ويحبّونكم وقد ذهبوا إلى شواطئ بعيدة، وكلّما اشتاقوا إليكم أرسلوا أرواحهم لكي تذكّركم بهم، وتعيدهم إليكم. وقد تظنّون أنّ ما يبدو لكم هو أفضل ممّا لا يبدو، فهل الليل الذي يظهر أجمل من النور الذي لا يظهر؟ وهل الصوت القبيح الذي تسمعونه هو أرقُّ من ترانيم الملائكة التي لا تسمعونها؟

قد تقفون أمام الناس وأنتم في أجمل حلّة، وتفرحون بما ترتدونه من القشور، ولو أنصف الذين ينظرون إليكم لكانوا سألوكم عن أرواحكم التي تغيب عن عيونهم : هل هي جميلة أم غير جميلة؟

فكم في الحقول من أزهار رائعة في لونها، لكنّ رائحتها لا تطاق، وكم هي بخيلة أمواج البحر التي تعلو وتهبط ويتناثر زبدها في الفضاء، فإذا عطش الصيّاد رفضت أن تعطيه قطرة واحدة ليشربها. وكم هي كريمة تلك الساقية التي تكاد مياهها تغور في التراب، لكنّ قطرة واحدة منها تكفي لإنقاذ رجل غريب يكاد يموت من العطش. وكم تلتقون بأناس يعطونكم من أفواههم عسلاً ومن قلوبهم وأرواحهم سكاكين!

-إذا مجّدكم أحد وامتدح أمامكم ما فعلمتوه من الخير ، فلا تصدّقوا جميع ما يقوله، بل حدّثوه عن الخير الذي لم تتمكّنوا من صنعه بعد،  وقولوا له: إنّ كثيراً من الكلام هو كالرماد في المواقد المنطفئة، والرماد يندثر ويزول. وبعض الكلام الجميل لا يكون مرآة صحيحة تنعكس عليها الحقيقة، كما أنّ الكلام الذي يحقّر الآخرين ويشوّه أفضالهم لا يكون صادقاً أيضاً.

-إذا كانت وجوهكم مزيّفة، فإنّها ستنكشف في عيون المُبْصرين، لكنّ الأرواح لا تتقنّع ولا تنحصر في حدود، فهل لديكم مرآة تسمعون فيها أصواتكم وترون أحاسيسكم، ونبضات قلوبكم، وتلاحقون فيها أحلامكم؟ فحذار أن تحبّوا مرآتكم كما يفعل المغرورون الذين يتعشّقون أنفسهم ولا يريدون من أحد أن يسرق شهرتهم... هؤلاء لا يحبّون أن يعرفوا شيئاً عن أنفسهم إلاّ ما يشتهون أن تكون عليه، ولكنّ ما يرونه هو الأقنعة التي تغطّي وجوههم، فكيف سيتصرّفون عندما تتلاشى الأقنعة، وليس من أقنعة تدوم إلى الأبد؟!


 

النصّ الثامن عشر "أنتم وخلودكم"


 

-أنظروا إلى الحجارة الباقية. كلّ حجر يخبركم عن أناس كانوا هنا ورحلوا. فمَن زرعَ هذا الحقل لابنائه من بعده؟ ومَن حفر تلك الساقية وأهرق فيها بعضاً من عرقه؟ ومَن رفع تلك الأعمدة الجبّارة التي تصل إلى عنان الفضاء؟

أسماء غابت كما تغيب الشمس، لكنّها تصرخ من خلال الزمن الغابر لتذكّركم بمآثر الأوّلين، فجريمة أن تغيّبوا أسماءهم وتنكروا فضلهم عليكم.

-لا شيء يولد من تلقاء نفسه، ولو وجدتم لي شيئًا واحداً يولد من غير خالق، لاقتنعت بما ذهب إليه من ينكرون فضل الله عليهم. لله أقدم من كلّ شيء موجود، فلماذا تمجّدون الجبال، والقمم والأوطان، وتمجّدون أنفسكم وتمدحون ما تجيء به عقولكم وأفئدتكم من علوم وفنّ وأدب وفلسفة، ولا تذكرون الفيلسوف الأكبر الذي علّمكم كلّ هذا؟

-اسألوا البحر، فهو يخبركم بأنّه قطرة صغيرة في بحر كبير، وأنتم تخافون من أن تغرقوا في قطرة ماء. فيا لضعفكم وجبانتكم!

اسألوا العصفور: من علّمه أن يغنّي لكم لتطربوا وإلى أيّ مدرسة دخل لكي يتعلّم الموسيقى؟

إسألوا الحديقة الغنّاء كيف تزيّنت بأجمل ثياب، وهي لم تذهب إلى خيّاط ليصنع لها رداء؟

وصدقاً أقول لكم إنّه لو اجتمع كلّ صانعي العطور، لما استطاعوا أن يصنعوا لكم من عطرها. فاعلموا أنّ مَن سكب فيها هذا العطر هو أعظم من جميع هؤلاء، فكم مرّة شكرتم صانع العطور في السوق ولم تشكروا معلّمه الأكبر؟

-أنتم تقولون إنّ الغيوم تصنع البحر، والبحر يصنع الغيوم، وتحكّون رؤوسكم لتعرفوا أيّاً منهما خلَق الآخر، ولكنّي صدقاً أقول لكم إنّ هناك مَن خلق البحر والغيوم معاً، ولكنّكم بالعلم والمنطق وصلتم إلى جهل.

-قالت الشوكة للزهرة: لماذا جعلك الله أجمل منّي، وأرقّ عبيراً؟ وبعد قليل جاءت العاصفة، فاقتلعت الزهرة، وبقيت الشوكة، فشكرت الله على نعمة القوّة التي أعطاها لها، وحرمَ الزهرة منها، ولو كانت الزهرة قويّة لما غلبتها العاصفة. وهكذا أنتم كونوا أقوياء وتحدّوا العواصف، ولكن لا تقولوا إنّ القوة التي فينا لا يغلبها أحد.

-كان في الجبال البعيدة حقل مهمَل، تركه الفلاّح للشوك والأعاصير. وكان في جوار ذلك الكرم كروم أخرى سهرَ عليها أصحابها، وتعبوا فيها. ولمّا جاء الصيف حملتْ عرائش الكرم المُهمل بعناقيد كثيرة، وامتلأت الكروم الأخرى بعناقيد ممصوصة وذابلة، فمَن أنتم لتحاسبوا الخالق على الحكمة في ما خلقَه لكم؟

-كان في البحر ملاّح مغامر، حلّ عليه الظلام ولم يصل إلى مرفأ حتّى ضاع مركبه، وخاف على نفسه من الغرق، وبعد أيّام دفعت به الأموج إلى جزيرة فيها كنوز، فاغتنى، وانقلب خوفه وعذابه في المجهول إلى فرح عظيم. ولكنْ لا يجب أن يقول ذلك الملاّح إنّه أغنى من الصحراء وأعظم من الكواكب المنطفئة.

-لا تخافوا إذا تقطّعت بكم السبل، ووصلتم إلى أماكن لا تعرفونها، كما لا تغضبوا إذا رفضكم الناس ولم يسمعوا ما تقولون، فمَن يبغضون الكلمة هم الذين يبست الكلمات على أفواههم، وأحبّوا الشتيمة أكثر من القصائد المعلّقة.

-أنتم تعلَمون أنّ كثيراً من الجبابرة الذين عاثوا في الأرض فساداً، كانوا يعتقدون أنّ حياتهم لا تنتهي، وعندما بلغوا من العمر عتيّاً وجدوا أنّ ما يفْصل ما  بين يوم ولادتهم ويوم رحيلهم ما هو إلاّ جزء يسير من الزمان. ويمكنكم أن تتخيّلوا مقدار الندم الذي أكل أرواحهم، وهم يستعرضون المآسي التي أوقعوا الأبرياء والمساكين فيها، فأين خلود هؤلاء؟ أهو في التماثيل التي أقاموها لهم في كلّ ساحة؟ أم في الكتب الصفراء التي تغفل كثيراً من المساوئ وتظهر قليلاً من الحسنات؟... ولو أنصف الناس لهدموا تماثيل الظالمين، وما أبقوا منها إلاّ الغبار الذي تطير به الرياح، ولأحرقوا تلك الكتب الكاذبة، وجلسوا يحبّرون كتباً غيرها لا يزوّرون فيها حرفاً واحداً. وكم هم عظماء أولئك الملوك الذين تواضعوا في حياتهم، فكان موتهم مجداً وكرامة لهم! هؤلاء فقط يُذكرون بالخير وليس القتلة ونابشو القبور.

النصّ التاسع عشر العباقرة الأربعة


 

- أنت رجل صالح حين تعترف بأنّك كنت خاطئاً وما تزال، وإنّني أعرف أنّ فيك كثيراً من الخير، فليس من إنسان يخلو من الخير والشرّ، لكنّهما يتصارعان في نفسه، فتارة يغلب الخير وتارة يغلب الشرّ. صدقاً أقول لك إنّ اللصّ الذي سرق أموال المعبد سيُطعم أبناءه الجياع، وقد يصادف رجلاً فقيراً مُعدماً يشحذ على الرصيف فيعطيه قليلاً من الدراهم. عُدْ يا بنيّ إلى منزلك، ولا تدع الوساوس تهيمن عليك، فليس من شيطان خارج الإنسان، والله ليس في حاجة إلى الشيطان لكي يساعده على الإيقاع بك. وقد أعطاك العقل لتفّكر وتختار.

-إنّ كثيراً من البشر يتركون الشرّ يتملّك أرواحهم، فلا يبقى من الخير في نفوسهم إلاّ قطرات قليلة، تشبه قطرات الندى على غصن شجرة، فهؤلاء هم الطغاة والظالمون، وبعضهم يغرقون في الخير وفي محبّة الله حتّى الاعتقاد أنّهم والله واحد، وكم قرأنا في الكتب عن أناس تعرّضوا للعقاب والجَلد والحرق لأنّهم قالوا كلاماً لم يفهمه الملوك. فلا أعتقد أنّ عاقلاً يستطيع أن يقول إنّه إله، ولكنّ المبالغة في الكلام أوقعت الكثيرين في المهالك...

-إنّ الله وضع في كلّ واحد منّا عقلاً، لا ليمشي إلى الوراء، ولا ليتحجّر في شرنقة الجمود...

نحن المسؤولون عن التقدّم والتأخّر، ونحن نحمل رسالة وعلينا أن نوصلها... وكم يكون فاشلاً مَن يتعب من حمل الرسالة فيرمي بها في الرياح قبل أن يبلغ هدفه.


 

النصّ العشرون راقصة المعبد


 

-إنّ الله يحبّ الجمال، ونحن نحبُّ الجمال أيضاً.

-كم يلزمكم من المعرفة قبل أن تحكموا على الأشياء. فمتى كنتم تتعجّبون إذا رقص الرجل ولم ترقص المرأة؟ فإنّ الخطيئة ليست في الجسد الذي تنظرون إليه، بل في عيونكم التي تشتهي ذلك الجسد... نعم، إنّكم لا ترون من الراقصة ما في روحها من براءة، ولا تقرأون ما في عينيها من الحكمة، بل أنتم تؤخَذون بما يظهر من جسدها الضعيف ، وبعد أن تشبَعوا من النظر إليها ، تحاسبونها على ذنبكم، ومنها تنتقمون. أما رأيتم الرجل كيف يسعى وراء المرأة، وقد يشتري المتعة من نساء يبعْنها، ثمّ يمضي عنهنّ وينعتهنّ بأبشع الصفات؟

-لا تستطيع الراقصة أن تقتلع جسدها وترمي به في الغياهب، فاقلَعوا أنتم شهوتكم، وتعالوا إلى المرأة كما يأتي المستكشف إلى قارّة جديدة، فإنّ قدميه لا تجرؤان على ملامسة الأرض التي نزل عليها. واعلموا أنّ العيون التي تنظر فقط إلى القشور هي سكاكين في عنق الحقيقة، أمّا العيون التي ينعكس عليها جمال الله وصورته إنّما هي حدائق للمعرفة.

-ليس عيباً أن ترقص امرأة، بل عيباً أن نشوّه جمالها بعيوننا وبألسنتنا، وما أحقر العينَ واللسانَ اللذين يحقّران، فإنّهما أداة في يد الشرّ!

-عندما ترتدي الراقصة ثياباً تكشف عن ساقيها وصدرها، فاثبتوا في براءتكم، وبدلاً من أن تتهامسوا فيما بينكم، فكّروا في أن تنظموا لها قصيدة لتعبّروا عن إعجابكم بها، ولا عيبَ إذا خضعتم لنزواتكم وأحببتم جسدها، لأنّكم تحبّون كلّ شيء صنعته يد الفنّان القدير، ولكن لا تجعلوا حبَّكم للجسد يقودكم إلى أن تتخلَّوا عن أرواحكم وتسقطوا في الوحول.


 

النصّ الحادي والعشرون "عبادة الذات"


 

-الصالح يفعل ما هو صالح، وقد يفعل قليلاً من الشرّ، والشرّير يفعل ما هو شرّ، أمّا الخير الذي يفعله فيشبه حبّة رمل في محيط، ولو ارتدى الشرّير الثياب الجميلة، وتقلّد بالذهب، ووقف يخطب بالكلام الرقيق أمام الرعيّة.

-كم من وجوه سوداء تتخفّى لكي لا تراها العيون، وكم من قلوب مليئة بالحقد تتظاهر بالنقاء والفضيلة!

-الإنسان يشبه الكرمة التي من غصنها تخرج عناقيد طيّبة وعناقيد مُرّة تدوس عليها الأقدام. فاحرصوا أن تكونوا أنتم العناقيد التي يأخذها الزارع إلى السوق ليعرضها يفتخر بها، ولا تكونوا عناقيد ليس منها فائدة. وإذا كنتم في يد الزارع وحقَد عليكم الحاقدون، فاعلموا أنّ هؤلاء لا يطيقون أن يروا أحداً أفضل منهم، وأنّ الشتيمة ولدت في قلوبهم وكبرت وترعرعت على ألسنتهم... إنّ كلام الحاقد لا ينقص من أجركم، بل يخبر عمّا في روحه من أذى.

-الحاقد يتأبّط الشرّ، ولا يتخلّى عنه إلاّ عندما يصبح في القبر، وفي رحلته إلى الأبديّة ينشر الخراب والبؤس، ولو كان لا يجني منهما شيئاً. فالحقد لا يُباع ولا يُشترى، ولكنّه طبع في النفوس. وأنتم لن يعلّمكم أحد الحقد لأنّ في قلوبكم الإيمان.

-أنظروا إلى الشمس كيف تدفق عليكم بالنور والنعمة، وعندما يحلّ الظلام تضيع بكم الدروب، فتضيئون مصابيكم. وحقاً أقول لكم إنّ المصباح ليس أقوى من نور الشمس، ولكنّه ينفع وينتصر على العتمة التي تحيط بكم من كلّ جانب، وإنّ شمعة صغيرة قد تنقذ إنساناً من الضلال.

-النور على صِغره يحيي والظلام على صغره يميت، ومهما طغى الحقد وتجبّر فإنّه لا يمحو النور، والنور خالد.

-لا تعرّضوا أنفسكم للخطر عندما تقابلون من يعشقون ذواتهم، وكونوا على يقين أنّهم يظهرون دائماً بمظهر العالِمين، فإنّ العلِم كلَّه يوجد فيهم. ولشدّة غرورهم وتعاليهم فإنّهم يحشدون أنصاراً لكي يمدحوهم ويتغنّوا بمآثرهم، وهم جميعاًيشبهون ملكاً ورِثَ الحكم عن والده، لكنّه نشر الظلم في الرعيّة وسلّم مفتاح المدينة للاعداء، ولكي يغطّي فشله، جمع حوله طائفة من المرنّمين لكي يتغنّوا بأمجاده، والأمجاد عنه بعيدة كما تبعد الثريّا عن الثرى.

-أنتم المطر الذي يهطل من السماء، ولا أحد في جبروته وقوّته يمكنه أن يوقف المطر عن الهطول إلاّ ربّ المطر، وجنود الأرض وقوّاتها ليسوا أقوى من الرياح التي تهبُّ على الغابة فتعرّيها، ولا أعتى من الأمواج التي تضرب الصخور وتفتّتها يوماً بعد يوم.

-هل رأيتم سلطاناً يصدر أمراً باعتقال العطر الذي في الزهرة؟ وهل سمعتم أحداً يقول إنّه استطاع أن يصادر الأغنية العذبة ويرمي بها في غياهب السجون؟

-أغنيتُكم هي سلاحكم، فأنتم لا تحملون السيوف كما يحملها أعداء الإنسان، ولا تقاومون مَن يشتمونكم ويحقّرونكم بالكلام الذي يشبههم، فلكي يعرفكم الناس ويعرفوا من أجل ماذا أتيتم، كونوا هادئين وثابتين في محبّتكم. واعلموا أنّ قوّة المرء ليست في الخراب الذي تصنعه يداه بل في البرّ يسعى إليه. وكم ترون أناساً يقفون على الخراب ويفرحون به، وترون آخرين يعملون البرّ ولا يتفاخرون.

-إنّ لكم عيوناً ترى ما في الأعماق، وآذاناً تسمع ما وراء الكلام، وعقولاً تكتشف ما هو أبعد من البعيد، فافهموا أنّ مَن يكذبون عليكم يقتلونكم مرّتين، أمّا الصادقون، فصدْقهم على وجوههم، وهم الذين تحيَون بهم ويحيَون بكم، وعنهم لا تفترقون مهما كانت وعورة الحياة.

النصّ الثاني والعشرون "العدالة والقوّة"


 

-الشريعة لا تقول كلّ شيء كما نفهمه. علينا أن نفكّر كثيراً قبل أن نحمّل الشريعة كلّ ما نرتكبه من أخطاء...

-إنّ المجرم يجب أن يعاقب لكي لا يكرّر فعلته، فإذا فتحنا باب السجن لجميع المجرمين ووجدنا لهم أعذاراً لكي نعفو عنهم، لامتلأ العالم بأساليب القتل والدمار. لكن ليس علينا أن نعامل البشر كما تعامل الحيوانات. فللإنسان كرامته وإن كان قاطع طريق...

-إذا كنّا يا سيّدي نعاقب المجرمين على أفعالهم، فكيف نحاسب غير المجرمين؟ وهل نجازي الناس على شرورهم كما نجازيهم على فضائلهم؟ إنّ الذين فقدوا أبصارهم يميّزون بين فاعلي الشرور وفاعلي الخير.

-ليس من شريعة ولا من حكمة ولا من قوانين تساوي بين مَن ينزلقون إلى هاوية الخطيئة، ومَن يصغي إلى صوت ضميره ويريد أن يكون طاهراً وبريئاً.


 

النصّ الثالث والعشرون "الوردة والعبير"


 

-إنّ مِن صفات الروح أن تعلو، ومن صفات الجسد أن ينحدر، فالروح لا تعانق التراب، والجسد لا يرتفع إلى الأثير. والويل لمَن انحدرت روحه وجسده في قت واحد، أمّا أولئك الذين يرتفعون بأرواحهم وأجسادهم معاً، فهم المختارون،  ووجودهم نادر. إنّهم يشبهون كنزاً مخبوءاً في جزيرة بعيدة، وعبثاً يبحث عنه المغامرون، وقد يظهرون بيننا من حين إلى حين، فنتبارك منهم ونغتني من أفضالهم...

النصّ الرابع والعشرون "غبيّ مَن يقول إنّها كذلك"


 

-المرأة ليست خادمة لكم، ولا جارية تتعرّى في أسرّتكم. فمزّقوا الكتب القديمة وحطّموا التماثيل التي رفعها الغابرون في أفكاركم. واحملوا نساءكم في أرواحكم لكي لا يخرجنَ منها بعد. لقد رأيتكم تضطهدون النساء وتأخذون زوجاتكم إلى الحقول فيعملنَ في الأرض اليابسة ويعصرنَ من الكروم خمرة ولا أشهى، ويعجنّ ويخبزنَ لتأكلوا، أفلم تشبعوا بعد من خمرة العصور ومن الخبز والجسد.

-سمعت أنّ المرأة عندكم آلة تحبّونها عندما تكون جميلة وتكرهونها حين تكبر وتشيخ، فهل أنتم لا تكبرون ولا تشيخون؟ وهل نظرتم في مرايا أنفسكم لتعلموا كم أصبحتم عاجزين عن الفهم والتخيّل، ولتفهموا أنّ المرأة ليست شجرة إذا أثمرت تقدّسونها، وإذا يبست تقطعونها من الجذور؟

-عندما تحبّ المرأة رجلاً غير زوجها، فأنتم تعاقبونها وتصفونها بأقبح النعوت، فهل عاقبتم الرجل الذي أحبّها هو أيضاً وتحتقرونه كما احتقرتموها؟ أم هي أحبّت وحدها

واضطجعت مع رجل من الخيال لا تعرفونه وليست لديكم وسيلة للعثور عليه؟

-إذا كانت امرأة تبيع جسدها، فإنّ رجلاً يشتري منها، وكلُّ واحد يبيع لأنّه محتاج، وكذلك مَن يشتري. وقد رأيتكم تحاكمون مَن يبيع ولا تحاكمون مَن يشتري. وصدقاً أقول لكم إن التاجر الغنيّ الذي يأخذ بعضاً من ذهبه وفضّته إلى السوق، ولا يجد من يشتريه، لا يتركه عندما تقفل السوق أبوابها لكي يسطو عليه السارقون، أو يستولي عليه المارّة، بل إنّه يحمله ويعود به إلى البيت لكي يخبّئه في صندوقه.

-عندما يبيع الرجل نفسه إلى امرأة، فمَن تحاسبون؟

إنّكم أيضاً تحاسبون المرأة، وتعفون الرجل إذا اشترى أو باع، فأين عدالتكم يا قليلي الإيمان؟

وليست كلّ امرأة تعطي جسدها من أجل المال، فالمرأة التي تحبّ قد تعطي جسدها أيضاً، في الحالتين يعطي الرجل جسده أيضاً. فلا تنظروا بعين واحدة وتهملوا العين الأخرى، فقد تكون العين التي أهملتموها هي التي ترى بصدق، وتلك التي تنظرون بها لا تعرفون بها الحقيقة إلاّ كما تريدون أن تعرفوا.

وتطلبون من المرأة أشياء كثيرة لا تطلبونها من الرجال، والله لا يميّز بين أبنائه، أمّا التقاليد التي تميّز فأنتم وضعتموها لغاية في أنفسكم، ولكي تنفعكم... وليس من أجل الحقّ.

- إنّ الأرواح القويّة لا تتعب، بل الأجساد هي التي تتعب.

-الضغينة ليست من عمل الإنسان بل هي دخيلة عليه، بسبب الشرّ الذي ينتصر على الخير ويطعنه في الصميم بينما يكون نائماً. وكم رأيت من النساء اللواتي يرفعنَ الصوت من أجل الحرّيّة، فما أكرمهنّ وما أعظمهنّ! وكم رأيت من النساء اللواتي يحتقرنَ الذكور، فإذا احتلّت المرأة منصباً كبيراً جاءت بكلّ النساء ليعملنَ معها ورفضت كلّ الرجال ولو كانوا أكثر قدرة وعلماً وفكراً، فإنّ هذا انتقام بشع لا يستقيم مع الحضارة، وتمييز مهين لا يليق بالمرأة التي ناضلت طويلاً لكي تمحو آثار التمييز عن جسدها ومن تاريخها.

-ما هو ذنب الأبناء إذا كان آباؤهم قد ارتكبوا جريمة أو فعلوا إثماً؟ وهل يُعفى من العقاب مَن يعاقب الناس على ذنب لا يعلمون عنه شيئاً؟

-غبيّ من يقول إنّ المرأة لا تساويه، وغبيّة من تقول إنّ الرجل لا يساويها. كلاهما جزء من الكلّ، وأساس في البيت الذي إذا انهارَ ركن من أركانه لا يسلم قاطنوه من الخراب، وإن كانوا عنه غائبين.

النصّ الخامس والعشرون "الرجل العائد من الحرب"  


 

-إنّ الحرب لا تقتل الأعداء فقط، بل تقتلنا نحن أيضاً، ولذلك فإنّ جميع من حاربوا في الماضي البعيد وانتصروا على أعدائهم ما زالت أصداء انكساراتهم تتردّد في العصور. وإذا فتحنا كتاباً وقرأنا فيه عن انتصارات فإنّها انتصارات عابرة، هي كالملح في الماء، لأنّ مَن ينتصر اليوم ويحتفل بأمجاده ينهزم في اليوم التالي وتنهار أمجاده تلك...

-إنّ الأحياء قد يعانون من جرّاء الموت أكثر ممّا يعاني الأموات أنفسهم.

-من يذهب إلى الحرب لا يستطيع أن يبرّئ نفسه من الجريمة، مهما أوجد لنفسه من الأعذار. وبعض الناس يتظرون إلى الذي يدافع عنهم على أنّه بطل، ولا يسألونه إذا كان قد قتل أحداً أم لا، وإذا سألوه فالأجدى أن يبالغ في الحديث عن فظائعه وإلاّ اعتبروه جباناً ولا يستحقّ صفة البطولة.

-ما رأيت إله السلام كارهاً للحقيقة، وأبناؤه دعاة لها في مشارق الأرض ومغاربها. وكم أغبط أولئك الفلاسفة والمفكّرين الذين رحلوا عنّا، وما زالت أفكارهم تسير بيننا وتدعونا إلى الصواب، أمّا الذين دعوا إلى الشرور فقد صاروا خبراً أسود في الكتب العتيقة. وليت الناس يتعلّمون من الكتب!

-كيف تريد من الجاهل أن يتعلّم من مشارق الشمس، وعيناه عالقتان بالغروب؟


 

النصّ السادس والعشرون "كالريح في الأوراح الجامدة"


 

-أصحاب الضغائن والأحقاد لا يغيظهم  سوى أن تقولوا الحقيقة عنهم. وهؤلاء يريدون أن يُعْموا بصائر الناس، وأن يأخذوهم إلى مجاهل الكذب والرياء. والمخادعون ليسوا قلّة، بل هم فئة من المبْدعين في الإثم، بينما أنتم تبدعون الفضائل، وليس من السهولة أن تنتصروا على من يتنكّرون ويَظهرون بغير وجوههم.

-كلّما أتيتم بفكر جميل ازداد أهل القباحة غيظاً، فأنتم وهؤلاء تشبهون أخَوين أعطاهما والدهما أرضاً ليزرعا فيها زرعاً طيّباً، فغرس الأوّل في أرضه نوعاً واحداً من الشجر، وزرع الثاني سبعة أنواع، وعندما جاء وقت الحصاد، قطف الأخَوان من أشجارهما خيراً كثيراً وذهبا إلى السوق ليبيعاه، فلم يشترِ الناس من الأخ الأوّل إلاّ قليلاً، واشتروا من الأخ الثاني حتّى فرغت صناديقه، فعاد في المساء إلى بيته فرِحاً، وأخبر زوجته وأولاده بأنّه ربح مالاً وفيراً، فاغتبطوا. أمّا الأخ الثاني فاستشاط غضباً، وبدلاً من أن يذهب إلى حقله في الصباح لكي يغرس أشجاراً أخرى مثلما فعل شقيقه، أضرم النار في زرع أخيه. فاعلموا أنّ الذي في روحه شرّ لا يبارك الخير، ومن يباركون الخير هم أقلّ من أصابع أيديكم.

-لا تخافوا من كثرة العدد، فالإيمان يحرّركم من خوفِكم، وإنّ قطرة ماء واحدة قد تعيد إنساناً من موته.

-ربّما تقابلون بَشراً يسيرون وراء البشاعة، ويكرّمونها في كلّ ناحية، وينْكرون فضل الجمال الذي يرونه في وجوهكم وأفكاركم، فهؤلاء يحتفلون بالبشاعة  لأنّ الجمال بعيدٌ عنهم كما المسافة بين الأرض والسماء. والفرق بينكم وبينهم يشبه الفرق بين أطيار الصباح التي تغرّد وتملأ الأجواء سحراً، وخفافيش العتمة التي تضطرب من النور وتلعن النهار. وستسمعون من الماكرين تحقيراً للصدق لا يخطر في بال، وسيقولون إنّ ما اقترفوه من كذب ليس غروراً، ولكنّ الحقيقة التي تقولونها ولا تزيدون فيها حرفاً واحداً هي الغرور.

-ستجِدون في مدن بعيدة مَن يعرضون أكاذيبهم في عين الشمس، فيمجّدهم الناس ويطلبون رضاهم، لأنّ الذين ضعفت أرواحهم يخافون من الفجور، فالذي يرتكب معصية الكذب لا يمنعه شيء عن ارتكاب الفظائع مهما عظم شأنها، ولذلك ترون أنّ للمزوّرين منازل كثيرة، ومَن يدورون في فلكهم شعوب وقبائل، بينما يبحث أنقياء القلوب عمّن يساعدهم ويؤويهم في الشتاء، وقد لا يجدونه... لكنْ شتّان ما بين الزهور والأشواك، فبينما تنشر الزهرة عبيرها بصمت في الهواء ولا تلتفت إلى الصغائر، فإنّ الأشواك تبغض العبير وتتمنّى لو أنّها تستطيع أن تنشب أظفارها في الأزهار وتهشّمها تهشيماً. وليس من أحد له عينان لا يميّز بين الأوراق الناعمة والأظافر التي تجرح. فاسكبوا العبير في كلّ مكان، ودوسوا على الأشواك وأنتم حفاة، وستجدون أنّها أضعف من أن تؤذيكم.

-إنّ أعتى الملوك لا يستطيعون أن يحبسوا كواكب السماء، وإنّ الرماح التي في أيدي الأشرار لا تجرح الأمل، ولا توقف الأرض عن الدوران.

-احملوا قناديلكم في الليل، فمهما كان الليل عظيماً ينكسر أمام شعلة صغيرة ويندثر. وانحتوا أفكارهم على الصخور، في جذوع الغابات، في العواصف والرعود، وكلُّ ما تتركونه وراءكم لن يمحوه الزمان، ولن تقوى عليه النهاية. أمّا أولئك الذين ينطقون بالقشور فإنّ أفكارهم محكومة بالموت وآثارهم ستأكلها العتمة في مقابر النسيان.

-بينما أنتم تسكبون من جراركم في كؤوس الجاهلين، احذروا أن تسيروا أمام الذين يكذبون، فإنّ الكاذب يُتعبكم، أمّا الصادق الأمين فيريحكم من عناء النظر إلى الوراء.


 

النص السابع والعشرون "المرنّمون"


 

-سوف يرتعد السلاطين من البراءة التي في أعين الصغار. ولن يبقى حجر على حجر في أورشليم الحقد والضغينة. سيدخل أبنائي إلى الممالك حفاة عراة، لكي يقلبوا تماثيل الرخام، ويُخرجوا الحمام من الأقفاص، فقد طال زمن الخوف والرعب، وإنّ العيون التي تغرق في الدموع، سيصبح لها صوت وستُغِيرُ على جحافل العدم.


النص الثامن والعشرون "مثلي يرتدي البراءة لباساً"


 

-الحاكم أيضاً لم يطلب شيئاً لنفسه، لكنّ له عيوناً ترى وقلباً يشفق، وجنوده ساهرون عند الأبواب، والناس لا يرونهم لأنّ أجسادهم ليست من تراب.


 

النصّ التاسع والعشرون "لا تحتقروا أحداً من الناس"


 

-لا تحتقروا أحداً من الناس، فإنّ الشحّاذين قد يكونون أغنى من النبلاء، وإنّ الذين يخدمون في القصور قد تكون أفكارهم أجمل من أفكار الشعراء.

-كانت امرأة تبيع جسدها في الطريق، فرأت رجلاً يسقط عن صهوة جواده، فتركتْ تجارتها وأسرعت إليه لكي تساعده، فكم هي بائسة في تجارتها، وكم هم بائسون مَن يشترون منها، لكنّها عظيمة عندما أعطت ولم تأخذ. فلا تقولوا: هذا غنيٌّ وهذا فقير، فالفقراء يملكون ما لا يملكه الأغنياء، وقد يشتهي الأغنياء الذين في أرواحهم جليد ممّا في قلوب الفقراء من الحبّ والطهارة.

-لقد رأيت ملوكاً يشحذون رغيفاً، ورأيت صعاليك يصنعون للشمس عقوداً وأساور. والتقيت بأناس يأكلون ولا يشبعون، فهؤلاء هم المحتاجون، فمَن يساعدهم؟

-كلّما التقيتم بفلاّح يعمل في الحقل فانحنوا له، ومجّدوا تعبه لأنّه يعطيكم خبزاً لتأكلوا وتطعموا أطفالكم. وصدقاً أقول لكم إنّ الرسّامين والنحّاتين يعرضون أعمالهم في معارض لكي ينظر إليها المعجَبون ويشتروا منها، أمّا الفلاّح فلا حاجة به إلى أن يفعل مثلهم، لأنّ الطبيعة معرضه، وكلّ ثمرة تخرج من بين يديه لوحة من الجمال رسمتها يد المبدع.

وكلّما رأيتم حدّاداً ينزل بمطرقته على الحديد، فقدّموا له وردة من أجل عرقه الذي يبذله من أجلكم. وهكذا افعلوا للنجار والخبّاز والراعي والمرأة التي تطحن وتعجن وتهزّ السرير بيمينها، فهؤلاء هم الملائكة الذين يسيرون بينكم، وإن كانت ثيابهم ممزّقة ويكسوها الغبار والسواد، فمِن حدائقهم زنابق، ومن أفواههم صلوات. وإذا سمعتم أحداً يسخر ممّا يرتدون، فامنعوه، لأنّ لا أحد يسخر من الشرف والفضيلة.

-لا تكونوا كأولئك الملوك الذين يتبجّحون بنعمة ليست منهم، ويتوهّمون بأنّ السماء تصغي إليهم، وتأتمر بأمرهم، وما أرواحهم إلاّ من تراب.

-لا تعاشروا مَن يمعنون في تحقير الآخرين لكي يُظْهروا أنّهم الأفضل، فالناس ليسوا أغبياء، والأقنعة لا تظلّ طويلاً على الوجوه. فإلى أيّ مدى تستطيع القباحة أن تتغنّى بجمالها، ويستطيع الظلام أن يقول إنّه يضيء للعابرين في الطريق؟ حقيقةً أقول لكم إنّ الذين يصدّقون أنّ الظلام نور سيكتشفون حقيقته عندما يتعثّرون ويسقطون.

-إذا حقّركم أحد فلا تردّوا عليه، لأنّ الذي ينطق بالحقارة لديه بضاعة رخيصة لا ينظر إليها أحد، وأنتم في أرواحكم كنوز، فإذا أظهرتموها في كلّ مكان، فقد يستولي عليها اللصوص.


 

النصّ الثلاثون "الحرّيّة للشعوب"


 

-لا يغرّنّكم الملوك بما لديهم من كنوز وأمجاد، ولا تستخفّوا بالضعفاء الذين يبذلون أرواحهم من أجل كرامتهم. إنّ الله لم يخلق الناس ليكونوا أملاكاً لمَن هم أقوى منهم، والملوك الذين يظلمون شعوبهم إنّما يحكمون على أنفسهم بالموت وعلى عروشهم بالزوال.

-تسمعون أنّ قدر الشعوب أن تعيش في دوَل، وهذا أمر جيّد لو أنّ تلك الشعوب قد اختارت بنفسها أن تعيش مجتمعة تحت راية واحدة، ولكنْ أن يُفرَض عليها أن تكون في أمّة مع شعوب لا تفهم لغتها، ولا تعرف تقاليدها، ولا تؤمن بقيَمها، فهذا لا يستقيم مع المنطق والعدالة. فكيف سيتعامل في التجارة والصناعة والزراعة مَن لا يقبل الآخر، وقد يحتاج إلى مترجم كلّما أراد أن يتحدّث إليه؟

-تسمعون أنّ مَن يريدون الحرّيّة هم خائنون، والملك الذي أعمل سيوفه في أعناق الناس إنّما فعل ذلك لأنّه اعتبرهم خائنين، وخارجين على سلطة ورثها من أجداده، وما هي السلطة إلاّ الشعور بالقوّة والاعتداد والهيمنة على مصائر الضعفاء؟

وإذا سألكم سائل عن أولئك الأبطال الذين جاهدوا من أجل مصير أبنائهم، فقولوا إنّهم من المختارين، وذكّروهم بتلك الأمم التي تفرّقت برضَى أبنائها، فذهبت كلُّ مجموعة منهم في طريقها، ولم يعاقب الحكّام أيّاً منهم، ولا زجُّوا بهم في السجون. أمّا الكتب الجامدة التي ما زال يلوكها مَن عتمت قلوبهم ورفضوا أن يسيروا في مواكب الضياء، فلا تصدّقوا حرفاً واحداً ممَّا جاء فيها. وهؤلاء يتغنّون بالحرّيّة وأفكارهم في سجون هي أضيق من نعوش، ويتفاخرون بالمعارك والحروب والمآثر القديمة التي لا يد لهم فيها، ولا قيمة لها في الحاضر. وكم هو رائع أن يتذكّر المرء تاريخه، وأن يتعلّم منه ويعلّمه لأبنائه! ولكنّ التاريخ ليس حجراً، ولا آثاراً متعفّنة تضربها الرياح وتعرّيها، فالتاريخ يتحرّك إلى الأمام، ونحن نقود العربة إلى المكان الذي تشعّ فيه الكواكب، وتصرخ مواكب الخير والفضيلة.

-مهما طغى ذلك الملك وتجبَّر، فإنّه لا يستطيع أن يبني سدّاً في وجه العاصفة التي تهبُّ من كلّ جانب. ولو وضع سلّماً إلى السماء، فإنّ جبابرة الأرض سيلاحقونه وينزلونه من عليائه. وسترتفع أعلام الحرّيّة في كلّ ساحة، لأنّ الحرّيّة من صنع الإله، وقد أعطاها من يديه لكي يغتبط بها البشر، والطغاة أعجزُ من أن يرموا بها في دهاليز العدم.


 

النصّ الحادي والثلاثون "لتنتصر الياسمينة على الخوف"


 

-طوبى للذين يعودن إلى حقولهم ليزرعوها قمحاً ويغرسوا في الوادي أشجار زيتون وتين. وطوبى لمن يحطّمون أغلالهم، ويفرّون من الموت الذي كان يستعبدهم، وينطلقون بخطى ثابتة إلى زمان جديد.

-تعالوا إليّ لكي نُخرج المدن من حرائقها، ونعطي للعابرين كتاب حياة.

-وداعاً يا كلمات الرثاء، ويا أناشيد البطولة، ويا حكايات المجد البائدة.

وداعاً للقصائد المعلّقة التي تتحدّث عن فرسان القبائل، وللدماء التي ما زالت تصرخ في رمال الصحراء. وداعاً للسيف والبندقية والحجر، ولتنتصر الياسمينة على الخوف، وليتمجّد حبر القلم.

-سنمضي في الغابات والقفار حتّى نصل إلى البحر الهادر. سنخاطب الطيور البيضاء التي تنشر أجنحتها على الموج قائلين: نحن مثلك أيّتها الطيور... لا نسأل عن بيوتنا، ولا من أين جئنا، ولا ماذا نأكل ونشرب. نعرف أنّ الله يعرفنا ويجعل لنا مساكن في قلبه، وهو الزمان والمكان والعناوين كلُّها، وهو يطعمنا من حصاده، ويسقينا من ينابيع لا ينضب ماؤها.

-تركْنا السلاح على الرصيف ليأكله الصدأ، فنحن لا نريد البكاء بعد اليوم. لا نريد الثأر، ولا نريد القبيلة.

-مَن يقدّسون الدماء فبالدماء يموتون، ومن يعبدون الروح فبالروح يعيشون. فلنحيَ نحن بأرواحنا، ولنترك أبناء الجسد يموتون في أجسادهم، ويبكون عليها ولا أحد يسمعهم سوى أعمدة القبور.

-إنّ الذين بدأوا الحروب لم ينتصروا، والذين رفعوا سلاحهم ليقتلوا الأبرياء لم يبقَ منهم سوى صفحات في كتب، وتماثيل عرّتها الرياح في ليالي الخريف.

-لتعودوا يا أبنائي وأحبّتي إلى البيوت البيضاء التي بنيتموها في القرى، وأشعلتم فيها نار المواقد، وغنّيتم للفصول... لتعودوا إلى آباركم وحكاياتكم... إلى غناء الجدول وهديل اليمام على السطوح... وإلى أرواحكم التي غادرتموها ولم تودّعوها، وهي تبكي بألم وتسأل عن أبنائها فلا يجيب سوى الفراغ.

-إنّ صوت الله هو صوت البراءة، فلا تفقدوا براءتكم، لأنّ الأرض التي أطلعتكم لا تريدكم أن تتحاربوا من أجلها... لقد غضبت تلك الأرض من عاركم، وكتبت أسماءكم على ألواح الهزيمة، فكيف تقرأون تلك الأسماء وتقولون: ها نحن مذكورون في سفر الخلود؟... إنّ خلودكم يكون في مَن أحببتم ومَن ستحبّون. والحقد لا يجعلكم خالدين، لأنّه والموت واحد، فابحثوا عن البقاء في مدينة الأحياء، ولا تحملوا بعد الآن نعوشكم وتسيروا إلى العدم، فإنّ العدم نفسه لا يشتهيكم وأنتم ترتدون ثياب الضغينة وتحتفلون بالثأر والدمار.


طائر الهامة - قصّة
 

-الأسئلة صعبة في عالم متناقض، والمشاهد المحفورة في الذاكرة أصبحت رجالاً ونساء يتزوَّجون وينجبون قبائل من غبار ورمــاد. إنَّ الأسئلة هـي الغياب، والغياب مـأساة، والمأساة خطيئة، والخطيئة موت، وهي الشكُّ، والشكُّ انتحار للعقل واحتضار للشجاعة.

-الشريعةُ الأزليَّةُ لا تُسامحُ الجبناء، الذين يتعثَّرون في خطاهم عندما يسيرون في قلب الإعصار، ولا الخائفين الذين يسرقون أكياس الحنطة من مخازن المدينة، ثمَّ يرمون بها تحت جسرٍ مهجور خوفاً من العقابِ والندم.

-الحروب تترك أجنحة مخضَّبة بالدماء عند كلِّ باب، وأعراساً مذبوحة في الشوارع، ورجالاً ماردين يحملون الجروح في ضمائرهم، ويطلقون الرصاص في البراءة. البراءة وحدها هي ضريبة الدم.

-عندما ينشب الموت أظفاره، لا تعرف الضحيَّة مـن أين تبدأ. النهاية وحدهــا تقرِّر أنَّ الكلام لا يجدي، ولا يعيد رصاصة إلى بندقيَّة...

- الأنقياء يعتقدون أنَّ السلاح لا يقتل، والمجرمون لا يعرفون أنَّ صمت الضحيَّة رصاصة في القلب...

-السلاح مهما طغى، فستحطِّمه الذات عندما تنظر إلى مرآتها.

-مهما كان المرء قويّاً، فإنَّه لا يقوى دائماً على التحكَّم بمشاعره. إنَّ مشاعرنا قد تكون أسيافاً مصلتة على مصائرنا.

-صحيح أنَّ القدر يدفع بالإنسان إلى حيث لا يريد، لكنَّه فوق ذلك يشرِّده في الدروب الخطيرة، ويملأ حياته ندماً عصيّاً على النسيان.

-بعد أن ينتهي الاحتفال، لا بدَّ من العودة إلى الذات، فتتكاثر الأسئلة، وتعجز العقول عن أجوبة لها، وبين الذكريات الصعبة والحاضر الأليم، تتردَّى الأرواح في جحيم العقاب، ويصرخ الإنسان الآخر في الإنسان: ماذا جنت يداي؟ وكيف تحوَّلتُ إلى وحش كاسر لا يرحم؟ وما هي المكافأة التـي حصلت عليها غير البؤس والعذاب؟

-اليأس، والغضب، والهذيان، والجنون، والصداع، والخوف، والانتحار هي المظاهر الأكثر انتشاراً بعد انتهاء الحروب... بل هي الأجوبة التـي يمكن أن يطمئنَّ إليها الخاسرون بعد أن تصطدم عقولهم بفراغ، فتتعطَّل.

-الربيع في قلوبنا، ونحن نصنعه.

- بعض الناس يعيشون دائماً في الخريف، ولا يطيقون الخروج من خلف جدرانه.

-مِن العقلاء مَن لا يعرفون أنَّهم مجانين، أمَّا المجانين، فهم أقرب منَّا إلى المجهول.

-إنّ الجنون عند العظماء هو ضرب من القداسة.

- أغلب المجانين أصبحوا كذلك، لأنَّ العقلاء رفضوا الاعتراف بعبقريَّتهم!

- المتردِّد الجبان هو الخاسر في النهاية، وعلى كرامته ستعبر خيول الرياح، فتهشِّمها وترمي بها في الفراغ.

-إنَّ الإنسان لا يورث الشرَّ لأبنائه... قد يكون الأبناء أكثر نبلاً من آبائهم...

-من العار أن تغرق الشمس في الأفق البعيد، وفي الأرض عدالة لم تتحقَّق بعد.

إذا لم نغفر أخطاء البشر، أصبح العالم غابة للثأر، وتحوَّل الإنسان أيضاً إلى طائرٍ مفترسٍ...

-الرجل الطيِّب هو البحر الذي يطوي في أعماقه كلَّ الصخب والمأساة.

- العظماء فقط يعرفون كيف يقطِّبون الجروح بخيوط النسيان، ويدوسون بأقدامهم على قامة الليل، أمَّا أصحاب النفوس الضعيفة، فيأسرون أرواحهم في زنازين الحقد، ويأكلون خبزاً يابساً على مائدة الأحزان والذكرى، فيجوعون ويعطشون.

- أنظري إلى البحر كيف يتجدَّد باستمرار، وإلى الطبيعة التـي لا تستقرُّ على حال. هل هناك شيء في هذا الكون يرضى بالجمود والتحجُّر؟

- المستقبل نحن نصنعه بأنفسنا، بإرادتنا المتحرِّرة من قيود الشرِّ والبغض.

- ينبغي أن نضع حدّاً لإرادة المجتمع التـي تسعى إلى إخضاع مصائرنا، خصوصاً عندما

يكون هناك صراع حادٌّ بين الأفكار الجامدة والأفكار المتغيِّرة.

- أنا لا أتوقَّع من الجيل الماضي، الذي يتحمَّل المسؤوليَّة الكاملة عن تدمير وطن، أن يكون مسؤولاً عن خلق حياة جديدة.

-إنَّني أشفق على نفسي عندما أستمع إلى رجل لا يقوى على السير، يحاضر في غزو الكواكب... إنَّ الذين فاتهم القطار لا يُحسنون إصلاح المحطَّة، والذين ينتظرون على حافَّة القبر لا يصنعون الولادة...

- القدر لقمة مالحة. القدر فأس حطَّاب تنهال على جذوعنا. القدر حجر بارد على مائدة الجياع.

-الناس في محكمة لا تقفل أبوابها، ويريدون لكلِّ ضحيَّةٍ متَّهَماً.

-لقد رأيت في أحلامي سلاماً... كان شيخاً طاعناً في السنّ، ويتوكَّأ على عصا. أحببته، أشفقت عليه لأنَّه يعرج، وساعدته لكي يمشي... وبعد ذلك فقط عرفت أنَّ الأحلام أبلغ من اليقظة. يجب أن ينام المرء قليلاً بعد، لكي يبتعد عن الناس، ولا يسمع كلامهم... كلامهم وحوش في غابة.

-عندما يغضب المرء، يتخلَّى عن قراره، ويضعه في يد الصدفة.

- يجب أن يكون لكلِّ واحد منَّا جسد غير جسده، يطير به إلى ما فوق الغيوم... فيدوس عليها، وكأنَّها زجاج يتحطَّم... قد لا ينفع تحطُّم الزجاج دفعة واحدة... وقد لا يفيدنا نحن أن نقطع المسافة بين الأرض والسماء... ينبغي أن نتمهَّل، لكي لا يمحونا الفراغ.

-هل تعتقد أنَّ مَن لعنوا الصباح يمكنهم أن يقطفوا زهرة من بستانه؟! إنَّهم لا يفهمون لغة الجمال، وقد حرمهم الله من تنشُّق العبير، ومعانقة الفجر الطالع...

-علينا أن نواجههم بلغة الحبِّ الصارخ، فهناك مطرقة واحدة لتحطيم صروح الجهل، وعلينا أن ننزلها على آلهته القديمة، ونحظر على الناس عبادة الأوثان.

-الدم الذي أهرقه الجلاَّد على مذبح البراءة لا يغسله مطر النسيان...

-متى كان المجتمع صالحاً، والبشر أتقياء؟ ومتى كان الله خاضعاً لما يمليه عليه الناس؟... إنَّ الشريعة الحقيقيَّة ليست موجودة في الأفكار، والتقاليد الموروثة... والرجل المؤمن لا يسمح لأحد بأن يأخذ شريعته منِّه.

- الحرب هي الخطيئة المميتة التـي لن يغفر إله ما أنزلته من الآلام والمآسي، بل هي دليلٌ قاطع على وحشيَّة الانسان، وبدائيَّته، وخضوعه للعقل، وتجرُّده من العاطفة... العقل هو الآلة الهدَّامة التـي تفلت من كلِّ الضَّوابط، فتقتل، وتجرح، وتُشرِّد. أمَّا العاطفة، فهي منبع الصدق والحكمة. هي الجُرأة على التَّسامح، والشَّفقة على فقير عار، والشَّجاعة على تحرير العبيد من عبوديَّتهم... وهي المحبَّة للإنسان مهما كان لونه، أو دينه، أو مُعتقَده. العقل يُمسك بالبشر من آذانهم، ويدفع بهم دفعاً إلى معركة الوجود، والقلب يأخذ بيد المرء، ويقوده إلى مسالك الحبِّ والفضيلة. وكم هو جميل أن ينسجم العقل والقلب في نغم واحد فيه الجمال والسلام والإبداع!

-قوم من الجهلة يقودون جهلة آخرين، ويتحكَّمون بمصائرهم، بل عميٌ يقودون ذوي بصائر، فيضلُّون معاً، ويصلون إلى جنازات.

-القتلة كثيرون لكنَّ القاتل واحد. الموتى أكثر من القبور، والهواء يحملهم إلى أبعد من الموت. وعلى الرغم من عددهم، فإنَّ المقتول واحد. الحرب ليست بين البشر، بل هي بين آلهة. وأنا أريد من الآلهة أن تتحارب، لكي تميِّز بين الثأر والغفران. غداً ستنقضُّ العاصفة على شجرة، فتعرِّيها، لكنَّ العاصفة كانت عارية قبل أن تولد. الشجرة إذن إله التمرُّد، والعاصفة ضحيَّة. هكذا يقول الأنبياء ويصدقون. وهكذا أنتصر أنا، لأنَّنـي ولدت من الخطيئة وبكيت عليها في مهدِها. لكنَّنـي أمام الخطيئة إله قويٌّ، وليس عليَّ إلاَّ أن أتجرَّد من الذكريات، فالذكريات جريمة. الذكريات تعطينـي حبلاً لأقتل نفسي. وعليَّ أن أقتل الذكريات قبل أن أموت بدقيقة واحدة.

-إنَّ الله خلقنا من أجل هدف عظيم، وهذا الهدف هو ما يميِّزنا عن أطيار الحقول، ووحوش الغابة.

-نحن لا نصغي إلى صوت الوهم، ولا نرضخ إلاَّ لمشيئة الله والخير الذي في نفوسنا...

-أشفقت أيضاً على هؤلاء الناس الذين يصدِّقون ولا يصْدُقون. يعيشون في اليأس والفقر

والمرض، ويحصلون على الدواء من اليد التـي أصابتهم بالوباء... لقد أفلح أمراء الحرب في سياسة الابتزاز اللطيف لأبناء الرعيَّة، فأيديهم ممدودة ولا تعطي أكثر ممَّا تأخذ، وعلى المرء أن يشعر بالذلِّ والهوان من أجل وظيفة، أو علاج أو خدمة في دوائر الدولة. وتحوَّلت القصور التـي ارتفعت على عظام الخليقة إلى مزارات يوميَّة لطالبـي كسرة خبز، يأكلونها بعد أن يمرِّغوا جباههم في الوحول، وربَّما يُطردون عن الأبواب طرداً، ثمَّ يعودون بعد يوم أو يومين إلى الأبواب ذاتها، سائلين ومتسوِّلين.

وفي البيوت الصغيرة والمقاهي والمطاعم، تلوك الأفواه عبارات السخط والغضب، وترتفع الحناجر باللعنة على أصحاب الضمائر السوداء، ولكنْ ما تلبث تلك العاصفة أن تهدأ، فتضجّ الشوارع بصيحات الولاء والتمجيد، وتغطِّي الجدران صُور الملوك الذين يمكنهم أن يكونوا في كلِّ هيئة يشاؤونها... ويمكنهم أيضاً أن يحتقروا الحقيقة، ويزعموا أنَّهم يدافعون عنها.

لقد بالغ هؤلاء في التمثيل حتَّى أصبحوا شخصيَّات على مسرح، فيَضحكون من غير سبب، ويُضحكون من ينظر إليهم. وقد خاضوا حروباً، وقتلوا، ودمَّروا المنازل... وأصبحوا أغنياء في غمضة عين، ولا يسألهم قاض في محكمة العدل: من أين لكم هذا؟ وحين انتهت الحرب، خلعوا جلودهم، وتستَّروا بربطات عنق فاخرة، وتحوَّلت مهمَّتهم من السفك والتدمير، وتعليق الجثث على الأعمدة، إلى تحقيق السعادة الأبديَّة، فأخذوا يتمثَّلون بأفلاطون وأحفاده من الفلاسفة المثاليِّين في التبشير بالخير والحقِّ، وفي إصلاح العالم الذي أفسدوه وجعلوه ركاماً فوق ركام.

-كان الورثة يراقبون مطارح الولادة، ويقتلون كلَّ طفل في عينيه بريق من نور، وكلَّ طفلة تبتسم لغد جميل... الورثة كانوا يمدِّدون الأجسام على أسرَّة، فيقطعون الأعناق الطويلة، والألسنة التي يمكنها أن تنطق بالحقِّ، فلم ينجُ إلاَّ القليل من المحظوظين الذين تفتَّحت عقولهم فيما بعد، وأصبحت أفكارهم منارات للثورة والتغيير.


 

***


 

"جريمة هي الذاكرة، مقتلة الحروف. أحملُ نعش الذاكرة وأسير تحت المطر. من يتبعني إلى سكوتي؟ مَن يحمل معي صناديق العتمة؟ مائدتي جوع، وحياتي رصيف، فتعالوا أيُّها السكارى لكي نفترش ما تبقَّى من فُتات العمر. تعالوا أيُّها المتسوِّلون لكي نقرع أجراس القيامة. وتعالوا يا ماردي العصور، لنسكب على نعوشكم آخر دمعة، فالآن تنتصر الوردة على السكِّين... أمَّا الأجساد التـي غطَّاها التراب، فتصير حديقة لأطفال المواعيد.

لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظلام غصن في غابة. لقد عبَرنا على الخيل من الليل إلى النهار، وماتت كلُّ الكلمات الحمراء."

جميع الحقوق محفوظة لمريم رعيدي الدويهي ومشروع أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي - سيدني.