سليمان ابراهيم (عنايا) يكتب عن قناديل سلمان زين الدين

May 6, 2015

 

 

 

 

قناديل سِلمان زين الدّين تبقى متوقّدة نكايةً بالريح السّموم!!

 

"القناديل والرّيح"؛ كتابٌ يحمّله سلمان زين الدّين بين يديه بتؤدّةٍ ويقدِّمه لقراء العربيّة باعتزازٍ، قافلة ينقل إليهم على متنها قيم القرية اللّبنانيّة بعامّة وما عاش منها وعايش في قريته من تقاليد وعاداتٍ وطقوسٍ،غدت قناديلَ كانت تضيء يوميات الزّمن الغابر، فيستنير بهديٍ منها شعوب وشعاب مجتمعٍ إنسانيٍّ قاطبةً... وقلبه يصخب بأماني بقائها منيرةً دروبها بالرّغم من ريح حضاراتٍ سموم تهب عليها عاملةً على طمس حضور أبنائها وإطفاء منائرها مُستقبلاً!!  

  فالكاتب سلمان زين الدّين، على مدى المقالات الثمانية عشر، ينقل إلينا صورًا قرويَّةً حيَّةً يعمل من خلالها للإبقاء على إصالة حيّةٍ متحرِّكةٍ تقيم في وجدان مَن عاشها، منعشةً لإرادات مَن سيرثها، كي لا تنقرض وتزول مع جلاء مُورثيها، لترسخ في يوميات الجيل الآتي ممارسةً وعيشًا بأدواتها وطقوسها ووسائل إتقانها: إسمًا وفعلاً وأداءً وأدواتٍ.

  وقد جاء في تقديم الكتاب على لسان الدكتور محمد قاسم مكي، ما حرفيّته: "الإطلالة على الرّيف بقلم سِلمان زين الدّين، إطلالة على الحياة المتحرِّكة النّامية... أقدامها في الماضي البعيد، ونظراتها تتحفّز إلى الأُفق الأمامي البعيد...". ومن المُلاحظ، خلال كلّ الأقاصيص الّتي حمَّلها الكاتبُ سفينة سرده، انغماسها بخاصّة الواقعيّة: أحداثًا وأبطالاً، فيذكر  أسماء المواقع والشّخصيات وكنياتهم، انتقالاً إلى لغة تخاطبهم السّائدة. فكلّ ما في الحكايا، يشير إلى صدق الكاتب في ما ينقل إلى القارئ من مشاهد ومواقف...كما وأنّنا نجد الكتاب معرضًاغنيًّا لمعدّاتٍ وأوانٍ ركن إليها القرويّ في ترويض مناخات العيش لِما يتناسب وحياته الّتي وطّد النفس على استعمالها مستصلحًا الأرض مواقعَ يستخدم أدواته فيها لِما يخدم استعمالاته اليوميّة: كالبيدر والمعصرة... ومن الأدوات: الخلقين، الحلّة، الجرن، الدِّست، الصَّاج،...المنجل، المعول، الغربال، المورج، الدرَّاسة، الأباريق... كما وأنّ أسماء المواقع والأمكنة لها في المسرد نصيب: فالمنزل الرّيفي تتخلّله الكواير والمصطبة واليوك... وله من الأثاث: الطرّاحة والحصيرة والمسند. ومن أشجار القرية ومزروعاتها: شجر البلوط والسِّنديان والعفص والمردكوش والحبق وجوز الطّيب... كما وأن للقروي وسائله وأدواته يزجي بها أوقات لهوه: ففي بسط المراجل، يلوذ إلى العَمدة والقيمة والكباش. ولعيش الإنشراح والتعبير عن الفرح: يُمسك بالدّبكة وينحو إلى  الغناء والحداء متوسِّلاً الميجانا والعتابا، يرفقها جميغها بحنوةٍ من منجيرةٍ وقرع ٍ لطبل وإيقاع ٍ لدربكّةٍ.

  من "البيادر" إلى "التنّور" مرورًا بالنَّعصة "منصة تاريخ القرية بحلوها ومرِّها وأحزانها وأفراحها وتبدُّل أنماط العيش فيها، طبقًا لتبدُّل الطّقس وتوالي الفصول... إنّها كما قال الكاتب: "جريدة الضّيعة وبرلمانها...". كما ويصادفنا  وصفٌ دقيقٌ رشيقٌ لشخصيّة معروفةٍ مرموقةٍ في وجدان أهل القرية؛ البائع الجوَّال: راضي (ص55-56)؛ وصولاً إلى "السّوق"، حيث ينقل إلينا الكاتب وصفًا حيًّا لموجوداته (ص60) ومظاهر الحياةالإجتماعيّة الصّاخبة فيها: بيعًا، شراءً وتعارفًا، فضلاً عن بروز الدّور الإعلامي والإقتصادي لها. والملفت في "العيد"، إتّساع رقعة الحديث عن العيد أعمالاً وتقاليدًا في الرّيف، مقارنةً بضيق مساحته في الكلام عليه في المدينة، كون الحديث عليه فيها لا يعنيه. ومن أجمل ما أورده الكاتب في سياق الحديث عن العيد في القرية: " وبعد، ضيعتنا لا تعرف بطاقات المعايدة المزخرفة وعباراتها الميتة. فبطاقاتها حيّةٌ ومباشرةٌ تُبلَّغ وجهًا لوجه وفمًا لفم، وعباراتها صادرةٌ من القلب ومطبوعةٌ بأحرف الوجدان والضّمير، وما تحمله الكلمة الحارّة المولودة لتوِّها من رحم القلب أنّى لقُصاصةٍ من الورق أن تحمله؟" (ص67-68). وفي نص "بيتنا"، نجد زين الدّين متوقِّد الوجدان والضّمير، مُحفَّز العبارة، وقد اتّصل العنوان بنون الجماعة، حيث يتركنا نجول ونصول معه في بيته الّذي أسّسه جدّه المختار واتّصل إرثًا تاريخيًّا يدوم على أحسن ممّا كان إلى  والده حيث كان جدّه " كلّما حقّق انتصارًا في مُغالبة الزّمان، بنى غرفةً أُخرى..." ويصادفنا في هذا النّص سردٌ فوصفٌ ولا أبهى! فكلّ فِقراته تؤكِّد أنّ أهلنا العتاق كانوا أشدّ همّةً وبأسًا وعزمًا وتوقُّد فكرٍ ممّا نحن عليه. فهذه الّتي ذكرتُ، جميعها كانت عَتادهم في إدارة شؤون حياتهم وتنظيم بيوتهم وبناء علاقتهم الإنسانيّة مع الجار والقريب وابن مجتمعهم: واللّهِ، كانوا أجلَّ منا قدرةً وعظمة موقفٍ، بالرّغم من الفتقار معظمهم إلى شهاداتٍ علميّةٍ وتنويهات ووفرة دروع تقديرٍ على ما أتوا وحقّقوا؛ حيث كانوا أوفر منّا معرفةً بالسّليقة والفطنة، ناهيك إلى عظمة مواقف الرّجولة فيهم ومنهم إزاء الأمر الجلل!!(ص71-76).

  آهٍ، كيف سرقت منّا المدنيّة المدّعاة مراتع طفولتنا كما منك يا سِلمان!! هادمةً مسارح الشّيطنات واللّهو البريء... من "بيادر المعصرة"  في "العريض" حيث كانت تنتشر أجرانٌ عُرفَت بأسماء أصحابها أو بكنيةٍ أُلحِقَت بها من مثل "جرن أبي حسن" إلى  "جرن الرقيقة" إلى ثالثٍ "جرن أبي عيسى"، حيث كان كلٌّ منها يؤدّي عملاً ويُسدي خدمةً، بحسب موجبات الحياة اليوميّة القرويّة. (ص80-81). إضافةً ناهيك إلى "بركة الأُوزّ" الّتي لم يكن لها من الأُوزِّ سوى التّسمية. وفي نقلةٍ جديدةٍ، أقفُ إزاء "الحارة" حرة الكاتب الّتي تغدو الحارة الوطنيّة... فأهتف من القلب إزاءها: ألا ليت يعود الوطن  حارةً والمواطنين جيرانًا وأحبَّةً! لكنّ غدر الزّمان نهب صفو البال... (ص85-87). إضافةً إلى رسمه صورة "المنادي إبي حسن" ودوره في نقل الخبر إلى مجتمعه، وكيف تقلَّص هذا الأخير، مع غزو المدنيّة لبيوتات القرية. (ص91-92). وقوفًا بحضرة "الناطور" وطرق تعيينه  والإتّفاق على تسميته بنفحةٍ من طيبةٍ وعطفةٍ محبّبةٍ... آهٍ لو يعودون إليهما في زماننا لَكَم كانوا يوفّرون على الشّعب والوطن من شرور المناكفة والإختلاف... حيث يتوجّه الكاتب بألذع النقد لِما يحيق  بمجريات تعيين الناطور؛ مرورًا بذكر صلاحياته وطرق صونها والحفاظ عليها...كما ويختم الكاتب بإبداء خوفه على أرض ضيعته، لتنداح دائرة خوفه وتحوطه وجفًا على أرض الوطن بمجملها!! (ص95-99).إضافةً إلى بوتقةٍ من الوِقفات إزاء مشاهدَ باتت تسير بخطىً متسارعةٍ على درب الإندثار: كالفَزعة، أي العونة، وشخصية البيطار، ومَعْلَم العين، وصولاً إلى معالم أُخَر كالمعصرة والتّنور حيث تقف بنا ريشة الكاتب متوثِّبةً إلى رفد أدبنا بمَعينٍ من سيل حبر من موسم ٍ عتيدٍ، طيّب المذاق، غايةً في روعة التّصوير والرّسم لشلاّلٍ هادرٍ من مشاهد مجتمعنا المحلّي الضّيعوي الّذي بتنا نشتاقه ونتحسّر عليه!!

  فيا صديقي من فوق موج السّطور؛ فسِلمانُ وسليمان يذرِّفان الحبر دمعًا فوق خدود الورق لوعةً على ما انقضى من سير الزمان الحلو وما انقرض من عادات أهله وتقاليدهم ووقفاتهم الشُّم التي هوت بمعظمها في دهاليز الذّاكرة الخرساء... وهيهات أن يصحّيها جيل اليوم بعد انغماسه في مستنقع حضارةٍ لبست منّا ولن تكون يومًا مفخرةً لنا.

  بوجدانيّةٍ عالية المنسوب، ينقل لنا الأديب سلمان زين الدّين مشاهدَ من القرية وفصولاً عن أهلها الميامين؛ غامسًا ريشته حُقَّ حبرٍ سال بنثرٍ فيه الوفير من الشّاعرية معجونةٍ بماء شعورٍ فوّارٍ صادقٍ، أحال النّصوص نابضةً حياةً وتوقُدًّا حاضرًا، وتوثُّبًا إلى حفظ مكرُمات الأقدمين مُستقبلاً.

                                                         سليمان يوسف إبراهيم

                                                        عنّايا، في6/10/ 2014  

 

  










































 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب في لقاء صحفيّ مع د. جميل الدويهي

December 23, 2018

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload