فضل عبد الحي: السعادة حزينة

June 15, 2015

 

- لا سعادة بغير عطاء، أريد أن أعطي لأنال السعادة.

كان عطائي يرفضه الناس قائلين في سرهم: ماذا يريد منا ومن عطائه لنا؟ انه لخبيث نستفيد منه ونأخذ ولا نعطيه شيئاً ونكون على حذر.

كان عطائي سعادتي ومنها حكمتي، ولكن من اين لهم بذلك علم؟ لانهم بأخذهم كانوا خبثاء سعداء، وهو حزنهم ولكن للاسف هم لذلك جاهلون.

هناك حكيم في كل نفس من البشر، الحكيم الذي يظهر لهم الحكمة في انفسهم، اريد ان اظهر لهم حكمتهم فظهرت حكمتهم: (الحبس للرجال... السارق سعيد والمسروق حزين، الكذب ملح الرجال وعيب ع اللي بيصدق).

فذكرتهم بقول رسول العرب: رأس الذنوب الكذب، فكانوا لي من بيوتهم طاردين.

اذا كنت تحب ان تكون دائماً سعيداً، يجب ان تكون كريماً، لا سعادة بغير كرم، فدعوني من الجاهلين.

لماذا لا نكون مسالمين بدلاً من أن نكون لبعضنا قاتلين؟ قلت لهم، فأرادوا قتلي.

فغيرت هويتي ومذهبي واسمي وديني وارتحلت الى عالم ثان لا يعرفني فيه احد، قلت في نفسي: علهم يأخذون مني غير رافضين متسائلين متكبرين ومعاكسين.

دخلت المدينة الجديدة فرحاً مسروراً، لم اجد في الشوارع سوى وجوه واجعة عابسة غاضبة، صريخ هنا، جدال هناك... أناس يهددون، آخرون يتشاجرون، مظاهرات فيها صور وأعلام تحرق.. وآخرون يحملون الصور التي يحرقها الآخرون، وهم لها رافعون والويل لمن لهم معارضون.

كنت مسروراً فظنوا اني بمشاكلهم فرحاً، فأخذوني عند القاضي مدعين، سألني القاضي:

قال: لماذا انت فرح مسرور، الا تعلم بأن الفرح والسرور في بلادنا يعاقب عليهما القانون؟

قلت: اني فرح بوجودي، مسرور متفائل بما يخبئه لنا المستقبل، سعيد بجمال الطبيعة.

قال: أليست الطبيعة التي تجلب عليها الكوارث: فيضانات، براكين، زلازل وتقتل الملايين؟

قلت: وابن الانسان ايضاً بحروبه يقتل الملايين، ان الطبيعة تتنفس، تمرض، تتقيأ فيضانات وزلازل، أوليست الطبيعة حياتها كحياتنا؟

قال: ما هذا التخريف الذي تقوله يا رجل؟ ليست الكرة الارضية سوى ارض جماد، صخور واشجار، حيوانات موجودة لاجلنا لخدمتنا، فماذا تقول اذن عن السماء والشمس وهذا الفضاء الواسع؟

قلت: اقول ان الشمس امنا، وهذا الفضاء الواسع والدنا، وكما الحياة على الارض كذلك الحياة في السماء.

- مجنون... الجميع بصوت واحد صرخوا: مجنون... اخرجوه... اطردوه من المدينة وعلقوا على صدره لائحة بأن هذا الرجل مجنون، قال: ان امنا الشمس وهذا الفضاء الواسع والدنا.

خرجت من المدينة كما دخلت فرحاً مسروراً ولكن هذه المرة بخروجي حياً.

تنقلت من بلاد الى بلاد، لكنهم بمشاكلهم كانوا مشغولين حزينين، وكان عطائي للريح ذاهباً.

_ فاصبحت بسعادتي حزيناً باكياً، فتعلمت الصمت فكان اجمل دواء، فاصبح لا شيء يفرحني ولا شيء يحزنني، اصبحت مبتسماً سعيداً بحزني وسعادتي.

- ما نفع السعادة واكثر الناس تعساء وبالحزن سعداء؟

- ما نفع المحبة واكثر الناس للكره محبون مدافعون؟

- ما نفع الجمال واكثر الناس في البشاعة جمالاً يرون؟

_ ما نفع العطاء اذا لم يوجد له أناس آخذون؟

وضعت حزني وسعادتي للبيع: فبيع حزني ولا احد اشترى سعادتي.

فيا لَحزني بسعادتي.

اصبح الحزن سعيداً بحزنه. والسعادة باكية من سعادتها.

أصبحت السعادة حزينة.

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload