د. جميل الدويهي: أبعد من القيامة لأمان السيد... المحكومة المؤنث والحاكم المذكّر

October 30, 2015

 


تزيدنا الأديبة العربية الكبيرة أمان السيّد خشوعا أمام الكلمة الملتزمة الحرّة، المتفلّتة من كلّ قيد جارح، لكنّها المقيّدة بما تمليه حرارة العمل الأدبي، ورسالة الفكر الهادف، وكرامة الإنسان. والأخيرة هي الأهمّ في كتابات أيّ أديب أو شاعر أو مفكّر. فالأديبة السيّد لا تحمل سيف النار بل حديقة عطر شرقي نبيل، تعطّر به أجواء النصّ، وتفوح منه أمواج طيّبة إلى الفضاء الأبعد من مساحة الكتاب، فيخرج المتلقي في غنى، هو غنى الروح والقيمة والفلسفة الوجودية العميقة، فأمان لا تؤمن بالفنّ للفنّ، وعلى الرغم من أنّ الفنّ يفرض نفسه لفظاً وتعابير مبتكرة، وخيالات بعيدة، وتركيبات جديدة، ولغة رمزيّة جميلة، فإنّ المعنى، كما أرى في الكتاب، هو الأساس، وهو الهدف الذي تسعي إليه الأديبة، وهكذا جمعت بين جمالية الفن وحرارة المضمون. 

"أبعد من القيامة" ليس كتاب شعر ولا نثر، بل هو رسالة، تذهب في غير اتجاه، وأهمها اتجاهان: 

1- موضوع المرأة- الضحية: فأمان مأخوذة بهمّ وجودها كامرأة شرقيّة، ولذلك هي تكتب أكثر من نصّ في هذا الموضوع، وتشيع تبعاً لذلك ضمائر النسوة: "جالسات في القاع حيث المرأة هي عشيقة شمروخ، فكيف لمن عشقها شمروخ أن توالف اليوم أنسيّاً؟ (ص 8) وشمروخ كما تشرحه الأديبة، هو ملك الجن: "شمروخ يا ملك الجن، أفدني يا سيدي ويا مليكي" (ص 7)، فالصراع إذن هو بين أنسي ضعيف (المرأة) وجني قوي- مليك (الرجل)، لذلك تكون جلسة النساء في القاع، والرجل في القمة، والصوت الأنثوي يرتجف حين تتعرى أفكاره للعيون (ص 7)، والعري هنا ليس للأفكار فقط، بل للجسد، وكأن وظيفة المرأة هي فقط أن تتعرى وتتعرى حتى في أفكارها، وعلى الرغم من هذا الجلد المتواصل للجسد العاري وللفكر العاري ولكل شيء عار، فإن الزوج يحلف عليها بالطلاق، وتتعرى أيضاً من زواجها. 

وتمضي أمان في إقامة التعارُض بين الرجل والمرأة، تعارض قد لا يوافق عليه البعض، ولكنه حقيقيّ ويحدث، وما تكتبه الأديبة هو من الواقع ويتصل به، حيث لا انفصال بين رؤيا الكاتب ورؤيته، ففي "ضوع الوردة" (ص 21)، تصور أمان المرأة كوردة تنتزع بتيلاتها (تتعرّى أيضاً)، والرجل يعبر إلى الضفة الأخرى على قرع الدفوف (عرس)، وعندما يلتهم الرجل تلك المرأة الضعيفة "لن يسأله أحد: لمَ التهمت العبير؟!" (ص 21). ففي نص لا يتعدى تسعة أسطر تنجح أمان السيد في تقديم صورة مأسوية، بل صورة جريمة، أو صورة عرس تنتظر فيه المرأة أن ينقضّ عليها الرجل فيلتهمها. قصّة أقصر من قصيرة، لكنها أغنى في التعبير عن رواية كاملة. 

وهذه هي فاطمة، ضحية أخرى من ضحايا الرجال: "على جسدها بنى الكثير من الرجال أعشاشهم. جعلوها مطيتهم حين تعدّدت زيجاتها بسبب فقرها، وبسبب طمع من كانوا يعرفون أنها تتاجر بالأواني القديمة التي يتصدق الناس بها عليها، فيُجذبون إلى جمالها واجتهادها في العيش كريمة، ثم ما يلبثون أن يلقوا بمتاعهم على كاهلها المنهك، فيكاد يُقضى على ما فضل منها." (ص 63) ومثل هذا النص نص آخر بعنوان "النقيصتان" ( 39) حيث تشرح الكاتبة معاناة امرأة من بنغلادش، خادمة في المنازل، يتربص بها الرجال لكنها ترفض أن تكون السهم أو الكنانة: "كنانة الذكر تتسع للكثير من السهام، وأنا أرفض أن أكون السهم أو الكنانة" (ص 40). 

2- موضوع الحاكم: الذكورة، والذكر، والذكورية ألفاظ تصيح من كتاب "أبعد من القيامة". والمذكر هو الحاكم أيضاً،  إذا لا يقتصر دوره على التحكم بالمرأة فقط بل أيضاً التحكم بالمساكين الذين لا قوة لهم ولا حول. الحاكم يضرب على الطاولة: "طق طق طق... يقول قاضي القضاة حامي الحمى في الديار غير المدنسة: قرارنا وجاهي غير قابل للطعن. ولا للنقض. أُفهم وأُثبت علناً". هذه  الكلمات القليلة والمختصرة تعبّر عما وصل إليه استهتار الحاكم بأرواح الناس، فامتلأت السجون بالآلاف، والسجن موصوف في الكتاب بدقة وتفصيل: "أقدام طاولة سوداء، وكرسي أعرج، هناك وجه في غبار البلاط. هناك حذاء يئن من ثقل صاحبه. هناك بقايا طعام في صحن مهمل. هناك فتات عصفور يزور 

الشرفة صباحاً ليكنس نافذة لا ينسى صاحبها أن يرشرش له بعض العدس الأصفر قبل أن يسرح في سبحة الضوء." (ص 25) 

والحاكم نفسه هو المسؤول عن الكارثة: "بين مئذنتين وصليب تسقط الجباه في الثرى، بين رضيع يبتسم من تحت الأنقاض، وأيد تحاول سحبه إلى الحياة، وبين وشاح مدمّى، وصبية تحلم بحب كان عذرياً. بين سكين جندي ورأس مدحرج مفقوء العينين. بين جنين لا يفقه سر وجوده وأم حبلى تداري عارها... بين مدن تنوء بأشباحها، وقتلة يؤذنون للصلاة قبل ذبح النعاج." (ص 33). إنها مأساة تصفها الأديبة بـ "فوق التخيل"، غير أنها حدثت وتحدث، في صراع بين المتحكم والمحكوم عليه، وهذا الأخير يساق إلى الذبح عبداً ذليلاً لا يقاوم السيف: "وصل إليه الدور. أرخى رأسه لباطن الكف المبسوطة إليه. طبع القبلة مقتدياً بالآخرين... تناهت إلى سمعه قهقهات تخرج من بطون المتواجدين: إنحنِ أيّها العبد... إنحنِ." ( ص 52) 

ولعلّ قمة التصوير للقتل والترويع تبدو في نص بعنوان "رصاص أقلام" تهديه الأديبة السيد إلى الفنان محمد حسن، فتقول: "أخرسوه، اجتهدوا ليخرسوا لسانه المنتصب كأفعى الرمل في وقت الظهيرة، ولكن عينيه تصران على التحديق... بقلم الرصاص يرسم مشنقة يتدلى منها لسان... يعلمون أن تحت المشنقة امتدت ألسنة وألسنة واجتمع بشر يتكاثرون في كل حدب وصوب... إنه لا يسمع صدى صوته، ومع ذلك هو سعيد، لكنه يستغرب ما الذي يغيظ السجان، ويجعله يسحق بين كفيه حنجرة اجتثها بخنجره منذ أعوام." (ص 58) ومن هذا النصّ نلمس معاناة الإنسان المضهد في وطن لا يتسع للصوت ولا للكلمة إلا كلمة الحاكم المقدّسة التي لا تُمسّ، حيث أنّ الموت يكون بعد الموت، والقتل يكون بعد القتل، وتمتدّ وليمة المأساة إلى ما لا نهاية، ويكون الضحايا من لا يعرفون فنّ الركوع.  

وتبقى في الكتاب الصغير، محاور أخرى عن الغربة والعشق والحياة، وهي كلها تتداخل في محيط واحد تقريباً، وتجمعها أحاسيس الأديبة المفعمة تجاه كل ما هو إنسانيّ ونبيل، حتى لتظن أنك في حديقة يمتزج عبيرها ليصبح مادة واحدة تميزها تلك الرقة التي لا يصنعها إلا الربيع. وأمان السيد هي الربيع المتدفق بالحياة، والكتاب هو ذلك العبير الذي لا يمكن التفلّت من تأثيراته لمدة طويلة. 

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب في لقاء صحفيّ مع د. جميل الدويهي

December 23, 2018

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload