أمان السيّد: سلّة من القصب تحنّ

March 22, 2016

 

  في يوم الأم أتجلل بسورية، وأمي.. أمي وسورية حرتان أبتا أن تستبدلا بالأليف غريبا.. كما أمي  هي الأرض التي أنبتتها.. باقيتان على العهد تضربان أروع الأمثلة في الوفاء ما يفوق حب الجميل لليلاه، وحب عنترة لعبلاه..

 "لا رجل بعد أبيكم".. تقول أمي.. كبرتُ، وأنا أتخيّل فارس أحلامي يحمل ما تزاحم في الخيال من صور كالطيف عن أبي أثْرتْها أمّي بما غمرتني من الوصف في أفعال لم تكن مخيلتي الطفولية لتدرك قيمتها.. أمي الأسيرة  في حب تعرّش حتى سكت مع النبض في الرابعة والثمانين حين.. حين  فارقتنا أمي..
 أمي التي ضربت أكبر مثل للوداد  باحتضانها حب أبي حيا وميتا.. ما كان أعمقه بعد رحيله.. كثيرا ما تيقنت أنها لم تستطع أن تخرج من سطوة الصبا، ولم تستطع أن تعي أنها  قد كبرت، وشاخت ولم تعد الصبية التي يليق بها أن تتغنى بالعشق..  حفظتُ عنها قصص عشقهما حتى أستطيع الآن أن أروي تفاصيله وريدة وريدة.
    أذكر  سلة القصب التي كانت تضم رسائلهما، والتي كانت قد أخفتها على السقيفة خوف أن أعبث بها كمراهقة تشكّل باكورة إخوتها في البيت، فتنتقل عدوى العشق إلى قلوبنا، وهي الأرملة الحريصة على نقاء بناتها، وإكمالهن تعليمهن زادا للحياة يقف سدّا منيعا في وجه اليتم، وغدر الزمان..

  لم تكن تدري أنّي ارتقيت المخبأ، وهناك كنتُ أتكوّر حول سلة القصب، وأتنفس الهوى حبوَ لـُجين، وأتعرّف أبي في تلك الرسائل عاشقا شفّافا  في ملامح وجه تغلغل في ذاكرتي الطفولية، وأقلب رسائلهما وقد اصفرّت بفعل الزمن، ولكنّ رائحة الحب لم تفارقها.. يقولون: للحبّ رائحة تسري في بذور القمح لتزهو بها السنابل، وهو ما كان رغم حرص أمي الشديد على ألا تدنّسني خطيئة العشق..

  كنت أنغرس في خطوط رسائل يبثها فيها الحب أشعارا، وفي رسائلها التي كانت تذيلها قبل حمر، فيدبّ الخفق في قلبي البكر..

  لست أنسى ما قامت به  حين اكتشفت عبثي بتلك السلة.. أضرمت النار في كل ما احتوته من عشق التهب وقلبها.. كانت تحبس دموعها مكابرة كما الأرض التي أنجبتها  بينما صوتها يندد متوعدا مهددا إياي.. وكنت أبكي أكثر مما بكت هي في صمتها، ولعلني كنت أبكي بذرة أنجبتني وتركتني سنبلة لا تقوى على الاتكاد إلى الجدار الذي غاب وراء الخيال..
    في  هذا السلوك أراني أتوه بين أمي وأرضي.. من منهما أرضعت القرين الأصالة والوعي، والحذر من المجهول، ومن منهما علّم الآخر أنّ الأبناء سنابل عليك أن تجهد لتمتلئ بالحبّ لكل منهما..

 وما أكثر ما كنت أوقظها حين تنغمر في سوادها ونحيبها على أبي أنه قد مر زمن طويل على وفاته، ولكني كنت أعرف أني أستنجد  بجبل يحجب تماما كل ما يتناثر في الأرجاء من الصدى..
    تلك أمي التي كانت توصينا بأن تدفن مع أبي في قبر واحد.. كانت وصيتها غالية.. لكن القدر كانت له حساباته بفصل العاشقين.. أمي احتواها قبر والد كانت عشقه الأكبر بسبب اكتظاظ المقبرة بالمدافن، ذاك الأمر الذي غيب قبر أبي عنّا - نحن الذين نُفينا في رحاب الدنيا- مُبعدين عن الوطن..

 ما أزال حين تحضرني أمي أربط بينها وبين سنوات الثورة السورية الخمس، وأتساءل.. ترى أمن الرحمة  الكبرى بها أنها ماتت قبلها بشهور، أم أنها الرحمة بنا - نحن أبناء أرضها المنفيين- في مشارق الأرض ومغاربها.

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload