سليمان ابراهيم - عنايا: "لدمنا عشب جديد" للشاعرة سناء غَنَوي

June 4, 2016

 

  تعصفُ في أَوصال قلمي رياحُ وجدانٍ عاتيةٍ وصرخة ضميرٍ لا تستكينُ، ما بينَ قصفِ رعدِ الرُّوح ِ في " رشقٌ من زهر " للشَّاعرة سناء غَنَوي، وبرقِ سيوفِ بُناةِ لبنانَ: بدءًا بفخر الدِّين ورجالِه وصولاً إِلى رجالاتِ الإِستقلالِ، مرورًا بخيَّالةِ الميرِ بشيرَ؛ منجنيقِه... وتوصوصِ عيونِ أَعوانِه... علَّ أَمطارُ الشِّعرِ برذاذِ  نداه فوقَ أَديم الوطنِ، تُيبِتُ على مساحاتِ جُسومِنا والعُقولِ: زُغُبَ عُشبٍ واعدٍ بغدٍ جديدٍ... وإِنِ آعتصرتْ قُلوبَنا أُمنيَةُ عيشِه رغيدًا... ولم نُفلِحْ... فرُبَّ يوم ٍ يحياهُ هناءَةً وآطمئنانًا أَبناؤنا، أَمِ الأَحفادُ من بعدِنا!!

  أَجدُني وأَنا في رِحاب " لدمِنا عُشبٌ جديدٌ " في حضرةِ شاعرةٍ أَوقفتِ الأُمَّةَ أَمامَ محكمةِ العصرِ والضَّمير؛ حيثُ غدى المدَّعي دمُ شُهداء الفعلِ الـمُشينِ وجُثَثِ قتلى الصِّدفةِ... أَمَّا للدِّفاع ِ فقدِ آنبرَتْ اقحوانةٌ صيداويَّة المنشأ، لبنانيَّةُ الهوى، كانت قد أَمسكَت بناصية مجد القلم من طرفَيه: فتدغدغُ بين أَناملهاالقلبَ شِعرًا وتُهادي الشعورََ نغمًا،فتُضئُ جوانبَ القضيَّةِ ودافعُها إِلى كلِّ ذلكَ، إِيمانٌ وطنيٌّ راسخٌ بضرورةِ التَّغييرِ مُتَّعظينَ بما سلفَ من سِيَرٍ وحِدثان، وإِنْ كانت موقنةً أَنَّها تُرافعُ في قضيَّةٍ، أَغلبُ الظَّنِ فيها، أَنَّها ستكونُ خاسرةً بحضرةِ قاضٍ عادلٍ- مُنصفُ أَجيالٍ هو- تاريخٌ صاح ٍ لا تغفلُ عينُه ولا يُسقِطُ أَيًّا من التَّفاصيلِ في النَّسوةِ العَجلى!!

  ولكن... فلرُبَّما بمحاولتِها هذه،تمكَّنتْ من إِنقاذِ الوطنِ وأَهلـه باكتشافِ أَسبابٍ تخفيفيَّةٍ لبعضِ من أَخطأَ بحقِّهما، وطلبِ الإِعدام لأُولئكَ الَّذين كفروا بهما من غير أَن يرفَّ لهم جفنٌ... كيما لا تسقُطِ الخاصّة بجريرةِ العامّةِ.

  أَمَّا القاضي الصَّاحي، فضميرُه مُوجَعٌ لآسترجاعِه صُوَرَ الدَّم وتداولِ سمعِه رَجعَ صُراخ ِ أُمَّةٍ في وادي كُفرٍ لا يخبو إِوارُهُ... وأَنَّاتٍ لا رجعَ صدىً لها في آَذانِ وأَذهانِ سُمَّاعِها، الَّذينَ يواكبونَ الآلامَ من غير أَن يكونَ لهم يدٌ في كفكفةِ لؤلؤ العيونِ من المآقي، أَمْ لملمةِ أَنينٍ تناثرَ خلفَ الأَحبَّةِ في الشَّوارع ِ وقارعاتِ الأَزقَّةِ!... كلُّ ذلكَ يجري تحتَ ناظرَيه، يدوِّنُ وقائعَهُ، مُطوَّقًا بصمتٍ دهريٍّ وإِنْ كانَ الزَّمنُ قد أَورثَه مطرقةَ الحُكم ِ بقضاءٍ مُنصفٍ لا يرحمُ... ولا يُحابي! لأَنَّ القوَّةَ للحقِّ مهما امتدَّ بناسِ الأَرضِ أَمَدُ التَّظلُّم ِ والتَّعنُّتِ والتَّنكيلِ... فلا غروَ أَنَّ فجرَ الحُرِّيةِ والإِنعتاقِ من أَصفادِ القهرِ بازغٌ لا محـالـة!!

  فسناء غَنَوي، تلكَ الحُقوقيَّة الفوَّاحةُ عِطرَ عدلٍ وصدقَ أَحاسيسٍ؛ تعودُ إِلينا اليومَ فوقَ شراع ِ شِعرِها مُتلمِّسَةً بحَنوةٍ من يراعِها، ضفافَ نهر ابراهيمَ... مُؤتزرةً بثوبٍ يُخالطُ صباغَ حُزنِه بعضٌ من عصيرِشقائقِ النّعمانِ، توسُّلاً لفضح ِ جريمةِ الخِنزيرِ بحقِّ أَدونيسَ حبيبِ عشتار، في يوم ِ عيدِه الَّذي بقيَ يتوالى على وطنِنا طيلةَ يوميَّاتِ حروبِنا القذرةِ؛ مُرتشفةً كأسَ أَملٍ حتَّى الثَّمالةِ بعيشِ يوم ٍ جديدٍ إِلى جانبِهِ، في وطنٍ أَطعمَتْهُ العُمرَ من شِغافِ قلبِهاحُبًّا، وأَسقتْهُ من خمرِ يراعِها ولعًا صادقًا مُذ غمسَتْ ريشةً من أَجنحةِ روحِها في حُقِّ الحياةِ فرحًا وحُزنًا وأَلمًا وولوعَ وِجدانٍ!!

  فمن زمنٍ سلَفَ، يومَ وضعَ البًستانيُّ مُقدِّمةَ الإِلياذةِ الَّتي عرَّبَ، قطعَ الشَّكَ باليقين:" أَنَّ لاشعرٌ ملحميٌّ في أَناشيدَ وأَراجيزَ وجدانيَّاتِنا الأَدبيَّةِ بالمفهوم الإِغريقي..." ولرُبَّما خروجُ البُستانيّ بهذا الإِستنتاج ِ، أَحزنَ الأَسياد المعاصرين ولم يُرضِ ساديَّتهم؛ فأَبوا إِلاَّ أَن يُسطِّرَ كاملُ بطشهم البعضَ من وريقاتِه الصَّفراء الَّتي يَندَى لها الجَّبين بمعظمِها، ولردح ٍ من الزَّمنِ الأَسودِ!!  

  غيرَ أَنَّ الشَّاعرةَترسمُ لنا بشفافيتِها الشِّعريَّة المتغلغلةِ في قلبِها المفعم ِ وطنيَّةً ونفسِها الغنيَّةِ عزَّةً وإِباءً، المشفوعةِ بمشهديَّةٍ دراميَّةٍ تُجسِّدُ يوميَّاتِ الحرب ليغدو تواليها بتسارعِ أَحداثِها؛ فعلاً وردَّةَ فعلٍ على مُستوىً عالٍ من الملحميَّة الصَّارخة:فمن الإِستشراف، حيثُ ينطلقُ من وضع ٍ أًوَّلي، إِلى الحدَثِ حيثُ تُحاكُ عقدةُ الدِّيوان وتنمو الحبكةُ عبر سردِ يوميَّاتٍ ثمانٍ من مُجرياتِ الحربِ، هـي،الأَرضُ الخِصبةُ لتنامي الحدثِ بدراميَّةٍ ملحميَّةٍ مُلفتةٍ بتراكميَّةٍ مُتشعِّبةٍ تودي بالشَّاعرةِ إِلى استحضارِ بُناةِ لبنانَ الجَّريح ِ لآستطلاع ِ أَمرَ ما آلَتْ إِليه أَوضاعُ وطنِ الأَرز: من أَحيرامَ ففخر الدِّينِ مرورًا بالميرِ بشيرَ الثَّاني... وقوفًا برجالاتِ الميثاقِ والإِستقلال... مُكوثًا بالأََعوانِ الَّذينَ تلقّوا أَقسى الحسابِ وأَمرَّهُ جرَّاء سفالتِهم والخيانةِ!! كُلُّهم جاؤوا ليشهَدوا ويتباكوا على سقوطِ أَبي كرامتهم وحافظِ أَنَفَتِهم- وطنِهم- لُبنانَ، شهيدَ أَنانيَّاتِهم وصريعَ طمعِ جُكَّامه وهوَسِ شعبه بالكذبَةِ العُظمى: نوال المجدِ الباطلِ... وهل من مجدٍ نستذوِقُهُ ونتذوَّقُهُ ونحنُ عبيدًا!! فالعبدُ، يُثقِلُ كاهلَهُ ويحني هامتَهُ أَثقالُ تزلُّمِه وتَبَعِيَّتِهِ، مهما كان نوالُهُ وفيرًا وصيدُهُ الزَّائلَ عارمًا!!

  ولَكَم يستوقفُ القارئَ في الدِّيوانِ من لُمع ٍ شعريَّةٍ تمسُّه بالصَّميم ِ وتُوقِظُ فيه آلامًا نفسيَّةً وجسديَّةً، يظنُّ أَنَّه شُفيَ من تباريحِها... في حين أَنَّها تنكأُ كُلَّ مَوضِع ٍ منه جراحًا، لا زال نزفُها مُقيمًا فيه، باديًا للعيانِ، رُبَّما إِلى الآن!!

  ... ويغضبُ قُدامى الملوكِ والأُمراءِ لِما عاينوا من اندثارِ المجدِ في ممالكِهم والإِمارات، آسفينَ لتحطُّم ِ القيم ومراقي الأَخلاقِ والمروءآتِ... ولكن، مهما يكُن من أَمرٍ، فعينُ العَليِّ صاحيةٌ غيرَ غافلةٍ، ومن يوم ِ الحسابِ لامفرُّ،حيثُ يتقدَّمُ الجَزاءُ بخُطىً جريئةٍ ثابتةٍ؛ ليلفُظ الحُكمَ صائبًا مُلائمًا بكُلٍّ من شخصيَّاتِ الحكاية، جزاءَ فِعلتِه... في حين أَنَّ الطَّيبين بقوا مُمسكينَ بجذوةِ الأَملِ بانبعاثِ طائرِ الفينيقِ، مُرنِّمينَ للقيامةِ صلاةَ شُكرٍ على نجاةٍ وسلامةٍ. وكما أَنَّ كُلَّ ليلٍ وديجورٍ يعقبُه نهارٌ وصحوةٌ وبُزوغُ شمسٍ، هكذا أَتى على وطنِ الحُبِّ والجمالِ والخلودِ، صباحٌ جديدٌ صاخبٌ بالأَمل ِ والتَّصميم على استرجاع ِ الوطنِ وأَهلِه من بين شِدقَي تنينِ مطامع ِ الأَغرابِ والأَعوانِ وذَوي المآربِ الخَسيسَةِ؛ حيثُ تُصبحُ معه، عودةُ الوطن من غُربةِ الإِغتيالِ أَمرًا يقينًا... ويبقى " احتفالُ النَّارِ " مناسبةً أَلِقَةً لتصفيةِ ذَهبِ الوطنِ من شوائبِه وتنقيةِ ترابِه المقدَّسِ من أَدرانٍ فيه كانت...قد علقَتْ... ليبقى لنا منه جنيُ عزَّةٍ وحصادَ كرامةٍ وقطافَ مَكرُماتِ بقاءٍ خالدٍ، لأَنَّنا:

       " نحنُ للوطنِ... شمسُهُ

         تُرابُه ، غدُهُ،  

         أَيَّـامُهُ الَّتي نشاءُ...

         ونحنُ للوطنِ الأَبناءُ

         ونحنُ لهُ... الأَولياءُ!! "

  وهكذا تختُمُ سناء غنَوي، الشَّاعرةُ الدِّيوانَ على رؤيةٍ تفاؤليَّةٍ بوطنِ الغدِ ومُواطنِيِّ الجيلِ الجديد؛ لأَنَّ لبنانَ خالدٌ خُلودَ أَرزه... وأَبوابُ الجحيم ِ وقوَّادِه المرذولينَ لن يقويا على تقويضِ دعائمِه أَو دَثرِ أَمجادِه...!!

  فخُلاصة ما تصبو إِليه الشَّاعرة، بالرُّغم ِ من كلِّ ما انتابَ الوطنَ وأَهلَه أَن تقولَ لهم ولكلِّ مَنْ تسوِّلُه نفسُه إِلحاقَ الأَذى بلُبنانَ أَمْ يتوجَّسَ بأَهلِه ومصالحهم شرًّا،أَنَّــهُ:

       " تحتَ سماءٍ تفرَّدَتْ

        ونُسِجَتْ بأَقواسِ القُزَح ِ

        كلُّ الأَسماءِ والوجوهِ واللُّغاتِ

        كلُّ المعتقداتِ

         طقوسِها والإِيمانِ

         سنبقى نُردِّدُ:

         لا، لن يكونَ بيننا اختلافْ

         لا، لن يكونَ بيننا فراقٌ، ولا بُعادْ

         لا، في مُدنِ الوردِ

         لن يستحيلَ الحُبُّ رَمادْ "

  وهكذا أَتلمَّسُ بالدَّليل الحِسِّي أَنَّ الشَّاعرةَ تنضحُ بما رُبِّيتْ عليه من حبِّ الوطنِ والتَّعلُّقِ بهُدبِ تُربِه وعزِّه ودوام البقاءِ والسُؤدُدِ، لأَنَّ مَنْ تربَّى على شيءٍ شابَ عليه، ولا يُمكنُ للإِناءِ إِلاَّ أَن ينضحَ بما فيه؛ والحُبُّ والخيرُ والجمالُ مزايا فيَّاضةٌ من شخصِكِ أَيَّتُها الشَّاعرةُ، وارفةٌ ظلالِها من حضورِكِ الَّذي يغارُ منه نيسانُ إِن غدا شاعرًا أَو استحالَ خِصبُهُ شاعراتٍ من زهرٍ عطِرٍ منثوراتٍ على مرسح ِ يوميَّاتِه وأَنسامًا من رشقه تلوِّنُ السُّفوحَ... تاركةً وهادَهُ الضَّاحكةَ خُضرَةً وعبيرًا، يهديانِ "لدمِنا عُشبًا جديدًا" ما دامَ للوطنِ وأَهلِه مُحبِّينَ أَسخياءَ من وزنتِكِ بعدُ!

  سناء غَنوي، يا غارًا يُكلِّلُ سيرَ الشُّهداءِ... أَيا شاعرةً تُضئُ أَبياتَ شِعرِها شموعًا على مذبح ِ الوطنِ، وفوقَ هاماتِ شُهدائه مشاعلاً،علَّ "الجبابرةُ تخرُّ ساجدينا"... ويـصطلي جميعُنا حولَ موقدِ وطنٍ يضطرمُ حُبًّا وتفاهُمًا وصدقَ تعايُشٍ، فنهنأُ حينها بظلِّه، رغَدًا يقينًا!!

  أَيـا سناءُ، كوني موقِنًةُ، أَنَّه من فيضِ نورِ الكلمةِ فيكِ، قد أَضأتِ أَشدَّ أَيَّامِنا ظُلمًا وظلامًا... وبرقَّتِكِ المتوثِّبةِ إِلى قلوبِنا، قد أَحلْتِ دياجيرَ النُّفوسِ ملاعبَ أَملٍ وصحوةَ طموح ٍ، نرنو من خلالِهاواثقينَ عبرَ نوافذِ الحياة، إِلى فجرٍ قادم ٍ وقدِ انبلجَ صًبحَهُ سيولَ طُهرٍ من نغم ِ شِعرٍ شفيفٍ، فوقَ أَهدابِ عُمرِنا الجَّديدِ... وزهو الحياةِ؟ مُقيمٌ مُروجًا خُضرًا على جنباتِ أَيَّامنا كما أَيَّامِك،لا مَحالةَ!!

                                                                         سليمان يوسف إِبراهيم

                                                                       عنَّايا- في 28-10-2009

 

  

         

     

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload