د. جميل الدويهي: ماذا تفعل ذرّة محبّة؟ (قصّة قصيرة)

October 9, 2016

ماذا تفعل ذرّة محبّة؟

من مجموعة "الحافلة والولد ممكن"

تصدر عام 2017 من ضمن مشروع الدويهي "أفكار اغترابية"

للأدب المهجري الراقي

 

 

يعذّبني انفصام في شخصيّتي، بعدما لاقيتُ كثيراً من الاضطهاد.

هربتُ مرّة إلى الغابات، ومكثت هناك زمناً طويلاً، فخافت زوجتي على مصيري، واستنجدتْ بأهلها وأقربائها ليعيدوني إلى الحضارة، فحملوا الفوانيس وطاردوني بين الأشجار فوجدوني عارياً، أشعث الشعر، أتكلّم من غير وعي.

قال أحدهم: يبدو أنّه نسي اللغة لكثرة ما عاش مع الوحوش البرّية.

دفعوني بأيديهم الملوّثة إلى المدينة.

صرختُ بهم: خذوني إلى أيّ مكان. إلى مصحّة عقلية، إلى جزيرة ليس فيها بشر، إلى مكان تحت الأرض. لكن لا تأخذوني إلى تلك المدينة التي تبغضني. هناك أناس يكرهونني حتّى الموت، يقطعون الطريق على أفكاري، يريدون قتلي بأيّ ثمن.

لكنّ أهل زوجتي وأقرباءها لم يسمعوا صُراخي، ووجدت نفسي بعد ساعات في مستشفى المدينة، ومن حولي أطبّاء يقلبون شفاههم، ولا يعرفون ماذا يفعلون.

سمعتُ منهم أنّني مصاب بأمراض كثيرة، لكنّها قابلة للشفاء، ما عدا مرضًا واحداً لا يمكن الشفاء منه، هو الانفصام.

قلتُ لهم: يا أطبّاء بلا حدود. الانفصام لم يحدث في قلب الغابة. لقد فررتُ إليها وكنت مصاباً بطلقات حاقدة في دماغي. هل أعجبَكم هذا؟

قال أحدهم: لا رجاء منك في هذه الحالة. سنعطيك دواء ينفعك لبعض الوقت... ثم تعود إلى ضياعك المعتاد.

خاطبتُهم قائلاً: شكراً لله الذي خصّني بهذه النعمة. فأفضل لي ألف مرّة أن أكون ضائعاً مع نفسي، ولا أبحث عن طريقي بين الضائعين.

***

عدتُ إلى بيتي، إلى زوجتي التي تعيش مع التمنّيات.

كانت تقول: أنظر إلى هذا القصر الذي على التلّة... ليته يكون لنا! سئمتُ العيش في الأكواخ.

فأقول من غير أن افكّر: كيف أشتري لك بيتاً كهذا، والأشرار يطاردونني ويمنعون عنّي الهواء والشمس؟ كّلما مشيتُ خطوة تعثّرتُُ ووقعتُ عشرات المرّات. إذا اشتهيتُ لقمة نزل الغراب عليها وخطفها من يدي... هل نسيت أنّني أحمل أكبر الشهادات، وكلّما تقدّمت إلى وظيفة رفضوني ووظّفوا من هو أقلّ علماً ودراية منّي؟ عيونُهم ثقبتْ حياتي... أنظري إلى صورتي كيف علّقوها على الجدران، ومكتوب عليها: "مطلوب”... إنّهم يتربّصون لي في الطرقات، وتحت الجسور، وبين الأزقّة... لولا عناية الله لرأيتِني معلّقاً على خشبة، وإكليل من الشوك على هامتي.

***

على الرغم من كلّ تلك المعاناة، كان هناك أناس يحبّونني، ولكنْ ماذا تفعل ذرّة من المحبّة أمام قناطير مقنْطرة من الضغائن؟

وهل تعيد المحبّة ثلاثين سنة ضاعت من عمري تحت مقصلة الجلاّدين والعُتاة؟

الذين يحبّونني هم الذين أخذوا بيدي في مجاهل الحياة، فما أعظمهم، وما أكبرهم!

هم الذين سكبوا في محابري عبير الزنابق وغناء القصب.

هم الذين أشعلوا القناديل بنور عيونهم.

وهم الذين أعادوا البسمة إلى شفتيّ، وأنا طائر يبتسم على حدّ السكّين.

من أجلِهم لم أتوقّف عن الكتابة، فعندي شغف كبير بالفكر والفلسفة والشعر والرواية والحكمة. وكنت بعدَ أن آخذ الدواء، أشعر براحة نفسيّة، وتأتيني أفكار غريبة، فأسارعُ إلى التقاطها... قبل أن ينتهي مفعول الدواء، فتتشتّت أفكاري، وأتبعثرُ على الطاولة.

***

 

أفقتُ من قيلولتي في ظهيرة أحد الأيّام، على صُداح موسيقى أمام بيتي. موسيقى شرقيّة من طبل وزمر، فأسرعت إلى الباب لأعرف ماذا يجري، وعندما رآني المطبّلون والمزمّرون قالوا: أهلاً بك بيننا. لقد أفرحتَنا وأسعدتَنا... نحن نحبّ المبدعين ونقدّرهم، ونصبْنا للموسيقيّين والحُكماء والعظماء في شوارعنا وساحاتنا تماثيلَ من رخام... لقد وصلتْ إلينا أعمالك، وقرأنا من كتبك، فأعْجِبنا بك إعجاباً كبيراً، وكم نحن فخورون بأنّك حللتَ بيننا.

قلت لهم وأنا عابس ومضطرب: لا أصدّق ما تقولون، فإنّ بينكم رجلاً قصير القامة يضمر لي كُرهاً أين منه كراهية عبس لذبيان؟ وهناك آخر يتبخْتر كالطاووس، ويعتبر أنّ الناس أدنى منه مقاماً، وكم يغيظه أنّني برهنت للملإ ضآلة شأنه، وضعف أفكاره! وهناك الحمّال، والأجير في الديوان، والساحر والبهلوان... وجوههم مثل بوابير الكاز. يريدون أن يجعلوا الشمس في مقام الفحمة المنطفئة، والوردة في مستوى العشبة اليابسة، ويدوسون تحت أقدامهم الكلمة التي تنقل الجبال، ويزغردون لنقيق الضفادع.

تعجّب الناس من جرأتي، ونظروا بعضهم إلى بعض، وقال كبيرهم:

حسناً... لقد جئنا إلى هنا لكي نكرّمك وأنت تهيننا، وهذا لا يليق.

ثمّ التفتَ إلى صحبِه وهو حانقٌ، وأمرَهم بالقول: عودوا إلى بيوتكم، فهذا الرجل قد كفَر بنعمتنا، وعلينا أن نتجاهله بعد اليوم.

وفي تلك اللحظة، رجعتْ زوجتي من السوق، فرأتْ الحشدَ أمام المنزل، وأنا في حالة من الغليان. ولمّا سألتْ عمّا حدثَ، خاطبَها كبيرهم، فقال: نعتذر أيّتها السيدة، لقد أتينا بالطبول والزمامير والراقصين إلى هذا المنزل، لكي نُظهر تقديرنا واحترامنا لإنسان لا يليق به التقدير والاحترام.

أجهشتْ زوجتي بالبكاء في اللحظة، وقالت للجمع والدموع تفيض من عينيها الكبيرتين: رجاءً... سامحونا... زوجي ضحيّة من ضحايا الانفصام... وقد نامَ إلى الظهيرة ولم يأخذ الدواء، ولعلّه لا يعرفُ الآن أنّنا سافرنا منذُ يومين إلى بلاد أخرى.

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب في لقاء صحفيّ مع د. جميل الدويهي

December 23, 2018

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload