د. جميل الدويهي/ معرض من غير رسوم (قصّة قصيرة)

January 30, 2017

(من مجموعة "الحافلة والولد ممْكن" التي تصدر عام 2017،

من ضمن إصدارات الدويهي في مشروع الأدب المهجريّ الراقي "أفكار اغترابية")

 

(هذه القصّة مهداة إلى منتحل صفة،

وتعبيراً عن إعجابنا بقدرته الفائقة على تحويل راجح الكذبِه إلى "زلمي")

 

 

في شارع هادئ عند أطراف المدينة، برج مرتفعٌ بُني على تلّة خضراء، تكسوها الأعشاب وبعض شجيرات صغيرة فيها أزهار ذات ألوان زاهية.

لقد أحسن البناؤون إنشاء هذا البرج الذي يطلّ على الخليج، وفيه بعض المحالّ التجاريّة ومكاتب في الطوابق العليا، وداخل إحدى ردهات الطابق الأسفل معرض للفنّ، يعرض فيه الرسّامون والنحّاتون ما صنَعت أيديهم من لوحات رقيقة تحاكي الإنسانيّة في خلجاتها، فالفنّ الذي يقصر على التعبير فقط ليس كاملا، فأجمل الفنّ ما يعبّر عن صاحبه، وعن الإنسان معاً.

أمام البرج يقف رجل خمسينيّ أشيب، يرتدي بذلة أنيقة، وربطة عنق فرنسيّة الصنع، وقد بدت عليه أمائر الثراء، ويرجّح أنّه أحد سكّان تلك المنطقة التي يقوم فيها البرج، وأغلبهم من أصحاب الأموال، ومدراء المصارف، والأطبّاء، والمحامين الأغنياء.

نظر الرجل إلى ساعته، ثمّ التفت يميناً وشمالاً ليجتاز الشارع الذي يفصله عن مدخل البرج، حيث خطوات قليلة إلى الداخل ويكون عند باب المعرض. وقد قرأ في جريدة تصدر بالعربيّة عن فنّان تشكيليّ معروف سيعرض لوحاته ابتداء من اليوم. وما هي إلاّ دقيقة حتى كان في صالة العرض، يُجهد عينيه في التحديق على الجدران البيضاء الناصعة، فلا يجد أثراً لأيّ رسم. ظنّ للوهلة الأولى أنّه في المكان الخطأ، أو في الموعد الخطأ، لكنّ رجلاً غريباً خفّ إليه وخاطبه بابتسامة متأنّقة: أهلاً وسهلاً... أهلاً وسهلاً... هل أعجبتك الرسوم؟ أنا الفنّان التشكيلي المعروف سامح جودت. ألم تسمع بي؟

تعجّب الزائر من بلاهة سامح جودت، أو ما يشبهُها، وحدّق فيه مليّاً ليتأكّد من أنّه يتكلّم مع مخلوق أرضيّ، فجودت يشبه سكّان الكواكب الأخرى، جلد وعظم على وجه كثير البشاعة، تعلوه نظارتان مستديرتان لا تحجبان عينيه المليئتين بالدموع.

خاطب الزائر محدِّثه: عفواً يا أستاذ سامح، أنتَ تسألني عن الرسوم، وهي غير موجودة.

-غير موجودة؟! كيف تجرؤ على أن تقول ذلك أمامي؟ ألا تحترمني؟ أنا رسّام كبير، ولوحاتي تتصدّر القصور والمتاحف، وأنت تزعم أنّها غير موجودة...

فرك الزائر عينيه مرّتين وأعاد النظر إلى الجدران البيضاء الخرساء التي تحيط به وليس فيها حركة ولا إبداع، وأراد أن يقول شيئاً، لكنّ سامح فاجأه بالقول: إذا كنت لا ترى لوحاتي، فعليك أن تعترف بأنّني رسّام كبير، كما يعترف بي كثيرون ممّن ليسوا في حاجة إلى الرؤية، وهم يكتبون عنّي، ويوافقون على أقوالي من غير تمحيص ولا عناية... في هذه المدينة يا أستاذ لا يقارنون، ولا يهمّهم ماذا تكون، بل مَن تكون. المهمّ أن تعلن عن نفسك... وهم يصدّقون.

-لم أفهم ماذا تعني...

-أعني... إذا قلت: أنا فيلسوف، فستجد كثيرين يكتبون عن فلسفتك من غير أن يقرأوا لك، أو يسألوك عن كتاب لك في الفلسفة... وإذا قلت: أنا موسيقيّ وكنت أعزف مع موزارت، فستجد من يصدّقون زعمك، على الرغم من أنّ موزات مات منذ زمن بعيد، وقد لا يكون جدّ جدّك قد عاصره... وأنت عندما تنظر إلى لوحاتي على الحائط، يمكنك أن تفعل مثلهم، تغمض عينيك وتتخيّل أنّني رسّام، وتكتب في الجريدة إذا أردت عن روائعي في الفنّ والتخيّل.

-لكنّني سمعت أنّ الفنّانين والأدباء والفلاسفة يُعرَفون بأعمالهم، فدافنشي معروف بالموناليزا، وموزارت بالسيمفونيّة الأربعين، وغوته بفاوست، وشكسبير بروميو وجولييت، وجبران خليل جبران بالنبي، حتّى الراقصات يُعرفن برقصات معيّنة يراها الناس ليحْكموا عليها...

- لا تقل ذلك في هذه المدينة، الراقصة التي ترقص عندنا تأخذ النقوط، والتي لا ترقص يرسلون إليها النقود بالبريد. فهنا لا يجب أن تقارن، ولا أن تنقد بطريقة صيحة، سأعطيك مثلاً: في البناية المجاورة معرض آخر للرسم، يعرض فيه صاحبه لوحات عن الطبيعة والجمال والمرأة والحبّ والخَلق. لماذا يتعب؟ هو رسّام وأنا رسّام، هو مبدع وأنا مبدع. لو رسم مليون لوحة يكون فنّاناً، ولو رسمت صفر لوحة أكون فنّاناً أيضاً. وفي هذه المدينة بالذات كتّاب وشعراء يصرفون على أعمالهم ويطرحونها أمام الناس، وكتّاب وشعراء آخرون لا يفعلون شيئاً سوى القول إنّهم مبدعون. وهل تعرف من هو الخاسر في النهاية؟ إنّه المبدع الحقيقي لأنّ كل شيء عند العرب صابون. الطائر الغرّيد الذي ينشد بأجمل الألحان هو طائر، والغراب الذي يندب الأموات هو طائر أيضاً، فما الفرق؟... في الميزان يوضَع كلّ شيء. والذي يقول: لماذا لا تستعملون الميزان الصحيح لتميّزوا؟ يقيمون قيامته كي يحضعوه ويسكتوه ولا يعود إلى مثل هذا الحديث الفاضح الذي يعرّي الثمرة من قشورها، ويُظهِر ما فيها من حلاوة أو من اهتراء.

لم يستطع الزائر أن يجيب بكلمة واحدة. كان مرتبكاً، مضطرباً، ذاهلاً عن نفسه. فقد سمع بالمزوّرين الذين يزوّرون العملة، وبالتجّار الذين يتلاعبون بالأسعار، أو يغيّرون شهادة المنشأ والماركات، أو يعبثون بتاريخ الصلاحية. وسمع بالمحتالين الذين يدخلون إلى المصارف ويسلبون أموال الناس ببطاقات مزيّفة أو مسروقة، ولكنّه عندما يستحضر أسماء الشرفاء في مجال الفكر والثقافة والإبداع، وعندما تتردّد في سماعه أشعار لامرتين وهيجو وتوماس إليوت، وقصص همنغواي ودوستويفسكي، وموسيقى بيتهوفن وفاغنر، أو عندما تتراءى في مخيّلته أعمال النحّات رودان، وأناشيد هوميروس، لا يعود هناك مجال لقلّة الفضيلة في نظره، فالفضيلة هي من الشجاعة، والكذب من علامات الناس الذين لا شجاعة لهم.

قال لسامح جودت من غير أن يفكّر: ومَن هم الذين يميّزون بين عمل وآخر؟ أو يقولون عنك إنّك تتساوى مع مَن يعملون وأنت لا تعمل شيئاً؟

-المجلس... عندنا مجلس نقرّر فيه كلّ شيء. أصابعنا في كلّ مكان... أنظر إلى إصبعي... نستطيع أن نصبغ السماء بلون بَيض العيد، ويمكننا أن نقلب الصيف شتاء والشتاء صيفاً، والويل لمن لا يكون في مجلسنا... نُعرّيه من حقّه في الحياة... نطارده... نحرمه من النوم... لذلك ترى في كلّ يوم مُبدعين مُشرّدين، وجاهلين يحوزون على أكبر الوظائف...  اقتنعتَ الآن؟

اقترب الزائر أكثر فأكثر إلى الجدران المحنّطة والتي ليس عليها قطرة حبر، فيما كان سامح جودت يقترب معه، ويسأله بشغف: هه، أعجبتك؟... هذه اللوحة عنونتُها بـ "كلمة صدق"، وهذه التي هناك قرب الباب عنونتها بـ "لَمسة فضيلة"، وتيك التي عن يمينك هي لوحتي الشهيرة "أنا أو لا أحد"، والتي وراءك هي رسم آخر مشهور لي بعنوان "أطردوا مَن يَعرفون لكي أُعرف أنا"...  والتي عن يسارك استخدمتُ فيها كثافة اللون والحركة، وغلب عليها الأحمر مع زرقة سماوية، ومزجتُ فيها بين الخيال والواقع... حيث تبدو أجنحة علويّة تتصاعد في نور مع تنورة راقصة من العصر الفينيقي... هل اكتشفتَ ذلك بنفسك؟

أراد الزائر أن يطير من ثيابه، فالجدران بيضاء ناصعة كالثلج، وصامتة مثل قبر. صفن قليلاً، وقال بصوت أجشّ يعبر عن الغضب والمأساة:

هل تعرف يا حضرة الرسام لماذا أنا هنا؟ وماذا جئت لأفعل؟

-كلاّ، وكيف لي أن أعرف ماذا في قرارة نفسك؟ غير أنّني أقدّرُ أنّك جئتَ لكي تشتري واحدة من لوحاتي...

-كلاّ. لقد جئتُ إلى مستشفى للأمراض العقليّة، وأنا في الأصل طبيب متخصّص في الأمراض النفسيّة والعصبيّة والعقليّة، وأعمل في مستشفيات كبرى في المدينة وخارجها، وقد مرّ تحت نظري آلاف المجانين، وكنتُ أقوى منهم، ولي قدرة فائقة على الثبات أمام تصرُّفاتهم المذهلة التي لا تخطر في بال... وهذه المرّة الأولى التي أقف فيها أمام رجل مجنون، يجعلني أفقد صوابي... وأصبحُ مجنوناً أنا أيضاً.

                                                                          سيدني: 18 شباط 2016

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload