د. جميل الدويهي: هذه هي أفكارنا الاغترابيّة

June 5, 2018


فخر لنا ان يكون أفكار اغترابية، فكرة ومشروعاً، عابراً للقارات. فكرة أطلقها رجل واحد، هو حديد لا يلتوي، وذهب لا يعتق، وحبر لا يجف... من أمكانات قليلة ليصبح عمارة أدبية وفكرية وثقافية، ونهضة اغترابية تشع كما الشمس، ولا يقوى على إطفائها أحد.
رغم الصعاب، والمعوّقات، والضباب، والتربّص على كل مفترق، كانت لأفكار اغترابية لغة الرقي والترفع الخاصة به. ترفُّع عن كل حقد وثار وانتقام. واجه القدح والذم بكبر، وهو الذي يقول: لا تحتقروا أحداً من الناس، وانتم كلامكم من ذهب فلا تعرضوه في السوق لكي لا يستولي عليه اللصوص.
المؤسسات تفتخر بصداقتها مع أفكار اغترابية. محبو الأدب في كل مكان يحبونه، وليس المهم أن يكون هناك موقع على الانترنت، فهناك مئات المواقع الأدبية، ولكن المهم هو النهج والطريقة، فأفكار اغترابية لا يعرف لغة الإقذاع، وأدبه رفيع، وراق، أدب الحياة والإنسان لا أدب السوقة والابتذال. ولا يخفى على أحد أن أفكار اغترابية ترك أثراً كبيراً في الأدباء والشعراء، فهناك من يتأثرون به وبطريقته، وهناك من يحاكونه في قصائد تشبهه. وهذا الأمر لا يخفى على عين بصير. ونحن نسمع كثيراً من الناس، نسمع ألقاباً وصفات كبيرة، ونسمع مديحاً، ونسمع أيضاً أن أفكار اغترابية هو الرجاء بعد الرابطة القلمية، وأصحاب هذا الكلام أحياء يرزقون، ونعرفهم ولا نؤلف شيئاً من عندنا... وكل هذا الكلام جميل ويعبر عن أصحابه الطيبين الأوفياء وأصحاب الضمائر، لكن الأهم من كل ذلك هو إصرارنا على المضي في طريق رسمناه ولن نحيد عنه، ولا يحاول أحد أن يوهمنا بان ما يقوم به من فولكلور هو الجوهر، فلا أحد أكثر منا يستطيع أن يمارس الفولكلور وأن يقوم بحركات بهلوانية تضحك، لكننا لسنا في برنامج الهواة، بل نحن في مشروع اغترابي كبير، جاد، فاعل على الأرض يراه الناس كل يوم ويشهدون على تنوع أعماله وغناه... وعندما نقارن بين أدب التهتك والخلاعة، وأدب التصنع والتكلف وبين ما أنجزه أفكار اغترابية، نفهم لماذا يغيّبه البعض، ويرفضون أن يذكروا اسمه على ألسنتهم أو على صفحاتهم الصفراء، فكيف يرى من أفكارهم من جليد أن تعبر النار في ضمائرهم؟ وكأنّ تغييب أفكار اغترابية وإنتاجه العظيم هو الغياب في ذاته. لكن الحقيقة أن المتربصين يفرحون بفكرة أنهم لا يذكرونه، وهم لا ينامون الليالي من الهم والقلق كلما أنتج وحق نجاحاً وجمع الناس حوله، بينما هم لا يضعون كتاباً يستحق الذكرعلى الطاولة. 
أفكار اغترابية طوّر في الشعر والأدب، وأظهر تنوّعاً غير مسبوق، وخرج من شرنقة التقليد إلى عصر جديد، وعارضَ من يعيشون في الماضي، ولا يزالون منذ 40 أو 50 يضربون على الوتر ذاته، فقديمهم أحلى من جديدهم، وكأنهم يرفضون فكرة أن الإنسان يتطور ويطور. وأفكار اغترابية ينتج في سنة واحدة ما قد ينتجه أديب في حياته، وهذا ليس عيباً، بل هو فضيلة، لاننا نحرص على النوعية قبل أن نحاسب بالمكيال، فلا عذر عند الذين ينتقدون تنوع أعمالنا وغزارة إنتاجنا.
وأفكار اغترابية لم يكن أنانياً، وليست عنه تكيه، ولا يستغل الناس من أجل أن يكتبوا عنه، فالذين في الأفكار هم الأحرار، يمكنهم أن ينقلبوا عليه ساعة يشاؤون، ويذهبوا إلى سواه إذا أرادوا، وصاحبه لم يستجدِ يوما مديحاً، ولا حشد أصحابه وبطانته ليكتبوا عنه أو يترجموا له، والدليل أنه يترجم لنفسه تعبيراً عن الصدق والأمانة. فالأكاديمي يعرف جيداً الأصول، ويعرف أن الذي يكتب أو يترجم لا تكون له علاقة بصاحب العمل، فالعلاقات العامة والشخصية شيء والإبداع شيء آخر.
هكذا كان أفكار اغترابية، وهكذا سيكون... قلّة معه... صحيح، والناس لا يوزنون بالاطنان، بل بعمق أفكارهم وصدقهم وأخلاقهم الرفيعة، وليس ضرورياً أن تكون الكثرة دائماً على حقّ. والمشروع ماض في طريقه لأن صاحبه يعرف الطريق ومَن معه يسيرون معه في الطريق ذاته... ولا تضيع خطاهم.

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload