رندة رفعت شرارة لجميل الدويهي: أين نحن؟

June 15, 2018

 تعقيباً على مقالة د. جميل الدويهي: "أين نحن من هؤلاء؟" كتبت الأديبة رنده رفعت شرارة - كندا هذا المقالة القيّمة:

 

نحن على ورق الرسائل، رسائل تحمل ما في قلوبنا بصدق وشفافية ووفاء لتصل إلى قلوب تعيش صدق المشاعر وتتفاعل مع المضمون ربما ولدنا وفي خيالنا افكار تسرح بنا الى البعيد وفي يدنا قلم يترجم احاسينا وينقلها بأمانة أذكر من ايام الدراسة الابتدائية استاذ متمرس ضليع بقواعد اللغة والبلاغة، كان يأخذني لأقرأ مواضيع الإنشاء على صفوف المدرسة وكان يقول لي بأنها مواضيع مميزة. هناك كنت وهناك بقيت اكتب ما يرواد خيالي دون ان أنظر حولي او اتشبه بأحد او أفكر حتى بذلك. أحببت جبران ومي زيادة واميلي نصرالله وسعيد عقل، وتعلقت وما زلت بفيلسوف "الشخروب" ميخائيل نعيمة وتعلمت منه الصبر الشعر والنثر هما نبضة قلب، لحظة دهشة، دمعة وجدان، هما خيال يعتمد على واقع. ينسجان بمنوالهما قصصاً فيها من يومياتنا الكثير الشعر كما النثر هو لمسة حنان وبارقة أمل لذا لا يمكن لكاتب أن يتشبه بآخر او يكتب مثله، ولا يستطيع نقل أحاسيس الآخرين. كل فرد منا هو مشروع شاعر او كاتب او حتى فيلسوف، على شرط ان لا يكون الهدف هو التسمية واللقب بل الكتابة للكتابة، وأن تراعى قواعد الكتابة وأسيها مشكلة هذه الأيام ان الأغلبية تسعى للشهرة على حساب القلم والحرف. فليكتب من يكتب لكن فليترك الحكم للآخرين لأن القاريء هو الحكَم نحن في عصر انفلات أدبي في كل الميادين، مشكلتنا عدم وجود رقابة نقدية تضع الأمور في نصابها وتحدد الغث من السمين فتأخذ بيد المبتدئين الموهوبين وتساعدهم وتواجه المتعدّين على اللغة. نحن لا ندعي الأفضلية على غيرنا لكني ومن خلال هذا الرد اعلن جهوزيتي لمساعدة من يؤمن بأنني قادرة على مساعدته للانطلاق في عالم الكتابة أن كان فعلا يؤمن بقدرتي على ذلك أعود لأثني على كلمتك واؤكد عليها، فلنقف امام مرآة أنفسنا ويحكم كل منا على ذاته بكل صدق وشفافية ولا يعطى لنفسه حق الحكم على الآخرين، على ان لاينسى واجبه في الحفاظ على لغتنا من الشوائب تحية لك انت الأديب والفيلسوف العميق الرؤيا، والكاتب والشاعر والرائد في اعمالك، مع ذلك فان تواضعك وصدقك يمنعانك ان تكتب الا بشفافية وصدق بعيدا عن الغرور والتكلف مقالة شاملة متكاملة سيذكر الزمن القادم تفاصيلها، عندما يبدأ عصر النهضة الأدبية من جديد .

تحياتي صديقي الكبير د. Jamil Milad El-Doaihi

***

مقالة د. جميل الدويهي "اين نحن من هؤلاء؟"

 
بدأت كتابة "الشعر" في سن مبكرة، ولا يزال عندي كتيب صغير كتبت عليه بخط اليد نصوصاً عندما كنت في السادسة عشرة من عمري. ولكن تلك النصوص لا ترقى إلى مستوى الشعر. ونشرت قبل "وقلت أحبك" دواوين في سيدني، وأقول دائماً إن تلك الدواوين هي البدايات ولا تمثلني كشاعر، فقد وجدت نفسي وهويتي في "وقلت :احبّك". وليس سهلاً أن يكون المرء شاعرا.
كنت على مقاعد الجامعة، وكان يدرسني مادة "البلاغة والبيان" الدكتور مصطفى الرافعي، وكان يدأب على القول إن هذا البيت: "هل إلى أن تنام عيني سبيلُ؟....... إنّ عهدي بالنوم عهدٌ طويلُ".... هو من أجمل الأبيات التي قيلت في تاريخ العرب. ولم أكن مقتنعاً بجمالية هذا البيت، على الرغم من اطلاعي المحدود على الشعر آنذاك. لكنني كنت أعتقد أن شعراء قالوا أفضل منه، وذات مرة رفعت يدي وطلبت الكلام، فطرحتُ على الدكتور الرافعي، وحوالي 200 طالب في الصالة الكبيرة مجموعة من الأبيات التي أعرفها، وهي بيت لعنترة: "فوددتُ تقبيل السيوف لأنها.... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم"، وبيت ليزيد بن معاوية: "وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت...... ورداً، وعضّت على العناب بالبرَدِ"، وبيت آخر لعنترة: " وتخال أنفاسي إذا ردّدتُها.... بين الطلولِ محت خطوط المبردِ"، وبيت لبشار بن برد: "لو كنت أعرف أن الحبّ يقتلني.... أعددتُ لي قبل أن القاكِ أكفانا"... وصرّحت أمام أستاذي الكبير بأن هذه الأبيات أفضل واكثر جمالية، في رأيي، من البيت الذي ذكره، فأجابني بكلمة واحدة: عفارم..
وأعود إلي بيت يزيد بن معاوية (وينسبه البعض إلى الوأواء الدمشقي)، فقد كنت أعرضه على طلابي في الجامعة في مادة التذوق الأدبي، وأحاول أن أجد أحداً يستطيع فهمه وشرحه، فلم يحدث ذلك مرة واحدة، وكنت أشرح لطلابي أن المرأة تذرف دموعاً من عينيها اللتين تشبهان زهرتي نرجس، فتسقي ورد خديها، وتعض على شفتيها اللتين كالعنّاب بأسنان بيضاء كأنها البرَد. من هنا جمالية البيت لأنه يحتوي على أسرار (استعارات مكنيّة). وكانت تلك الأبيات بذاتها تعذبني في رحلتي الشعرية، وأحاول أن أكتب مثلها، وكانت أنفاس عنترة بين الأطلال وهي تمحو خطوط المبرد أكثر الأبيات التي تمثل تحدياً لي، حتى كتبت باللهجة العامية: "من كتر منّي بعيشتي مقهور...... دمعي برم دولاب طاحونه"، فانتقمت من عنترة فارس فرسان العرب، أو هكذا ظننت.. واقتنعت، وارتحت من عناء التحدي. 
هكذا هو الشعر، لعبة أمم. لعبة إبداع راق ومتميز، وليس كل من قال: "يا جمال البوبعة شو محملين؟" هو شاعر كما كان يقول أستاذي الكبير الراحل د. عبد الحميد جيدة. ولكن ليس علينا أن نحبط من عزيمة الناس، ونكسر ظهورهم بفتاوى أدبية جاهزة، وقوالب تحد من محاولاتهم، وأنا شخصياً أبارك كل عمل بشروط: أن يتخلى صاحب الأعمال الهزيلة عن الأدعاء والتشاوف، ولا يواجهني بوجه عابس كلما مرّ بي وكأنني تلميذ عنده، وأن لا يحاول إظهار نفسه بأنه دخل الجنة، فالدخول إلى الشعر يشبه الدخول إلى الجنة من ثقب الإبرة. ولذلك نرى على رفوف المكتبات ملايين الكتب، ولكن ليس الجميع غوته، وجبران، وإدغار ألن بو، وراسين....
وليس مهماً أن يكون المرء شاعراً، لكن العرب يحبون هذ الصفة، ويسعى الآلاف من الناس في الشرق إلى تقمص المتنبي ومحمود درويش ونزار قباني، فمهلاً... لا تهرولوا إلى الشعر... فالنثر لا يشكو من شيء. كان جبران أديباً أكثر منه شاعراً، وكان أمين الريحاني كذلك، وميخائيل نعيمة، وغوته وطه حسين. ونجيب محفوظ لم يكتب شعراً... فلماذا هذه الاستماته إلى عالم الشعر، حتى وصل عدد الشعراء في موريتانيا وحدها إلى مليون شاعر؟
جاءني مرة مبتدئ إلى جريدة "صوت المغترب" في التسعينات، وكان يكتب أبياتاً بيد مرتجفة على ورقة، وفوق الأبيات رموز التفاعيل العروضية، فيبدو أنه كان ينظم نظماً، ويسألني أن أصحح له، فكنت أصحح على مضض، لأنني كنت أشعر أنه يفتقر إلى اللمسة الشعرية الساحرة، وقد بدأ في سن متأخرة. ولا يزال إلى الآن ينظم، وما سمعته مرة إلا سمعت مقداراً هائلاً من التصنع والتكلف والجمود. والناس يصفقون له لأنه "شاعر". وجاءني آخر يحمل ورقة صغيرة عليها أبيات زجلية، هي أكواخ متداعية في الحقيقة، وسألني رأيي، فخجلت وكان صعباً أن اقول له إنها لا تشبه الشعر في شيء، وبعد مدة، اهتدى إلى طريقة ملتوية Short Cut، وهي أن يكتب نثراً، ثم "يفرفط" الجمل على أسطر متتالية، فيصبح نثره شعراً، ويصل إلى رتبة شاعر من غير عناء، ويتساوى بغمضة عين مع الذين صرفوا أعواماً طويلة يتقلبون في نار الشعر ويغالبون الليالي لكتابة قصائد.
وشاعر ثالث في سيدني تحديداً، يكتب منذ خمسين سنة بالطريقة نفسها، ولا يطور، ولو قرأت له قديمَه لوجدت أنه أفضل من جديده، والناس يصفقون له لأنه يدغدغ مشاعرهم بجرن الكبه والدملجانه والشمشار والفرن والتنور والسنديانه... وهي أشياء تعني لهم الحنين، ولو قلتها نثراً لدغدغت مشاعرهم أيضاً. وهذا الشاعر دخل مرة إلى مجتمع فقال: سعيده (أي مساء الخير)، فصفق له الحضور وأبدوا إعجابهم وكأنه غزا الفضاء.
لقد أسميت كتابي "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان" (نثر أو شعر)، لأنه كتاب نثر في الواقع، ولو قسمت جملَه كل جملة على سطر لأصبح شعراً في اعتقاد الكثيرين. وليس مهماً عندي إن كنت أكتب نثراً او شعراً، ولست ممن يلهثون وراء صفة شاعر، فصفة أديب تعنيني أكثر، وكتبي "من أجل الوردة"، "اهل الظلام"، "طائر الهامة"، "في معبد الروح"، "تأملات من صفاء الروح"، و"رجل يرتدي عشب الأرض" هي أهم بكثير من دواويني الشعرية، وأفتخر بها أكثر. لكن الناس يسمونني شاعراً على الرغم من أن أعمالي الشعرية أقل بكثير من أعمالي النثرية.
فالعرب يطربون لكلمة شاعر، ويكبرون الشاعر أكثر من الأديب، مع ان الأديب يكتب نثراً وشعراً، والشاعر قد لا يكتب نثراً. وهذا يفسر الشغف بالحصول على لقب شاعر، وما أجمل أن يسير المرء في قريته أو في حيه يتغاوى برداء النابغة الذبياني، ويعلق أعماله على أستار الكعبة مثل امرئ القيس، وتغني له فيروز أو عبد الحليم أو نجاة أو أم كلثوم... وبات على الناقد أن يتأقلم مع فكرة أن الغالبية العظمى من الناس شعراء، ولو قال الحقيقة كعالِم، فإن الاتهامات الجاهزة ستهبط عليه، مثل: مغرور، متشاوف، لا يرى أحداً غير نفسه... إلخ... والحقيقة التي لا يقولونها هي أنه ناقد ويتحدث ويحكم عن علم ودراية، ومن العيب أن يخاف الناقد على نفسه ويختبئ من قولة الحق خوفاً من اللوم والتنكيل.
وقد بلغت السخافة بالبعض إلى حد التباهي بالحرية، وكأنها ملك لهم وحدهم، ويعيبون على سواهم أن يمتلكها، وكأنّ نزار قباني كان مستعبَداً ومكبلاً بالقيود، أو كان سعيد عقل في سجن الباستيل، أو كان إدغار ألن بو في قصيدته الرائعة "الغراب" في الزنزانة لا يرى النور... وما هذه النظرية البليدة سوى قناع شفاف يخفي عقدة لا أكثر ولا أقل، ومثل هؤلاء من يحرم صفة شاعر عن الأكاديمي، وكأن الشعر والأكاديمية لبن وسمك لا يجتمعان، أو مَن يجرد المتعلم من الثقافة وينسبها إلى طالب لم يدخل إلى جامعة، وكأنه ممنوع أن يكون الإنسان متعلماً ومثقفاً في الوقت نفسه. 
أين نحن من هؤلاء؟ هذا السؤال أطرحه على نفسي كلما كتبت نصاً أو قصيدة، فجبران وطاغور وغوته وألبير كامو، وإبسن ودوستويفسكي وبوشكين هم "بعبع" بالنسبة إليّ، وهم التحدي، ودائماً أقارن أعمالي بأعمالهم فأخاف، لكنني أسعى ولا ايأس. وعندما أقول حقيقتي لا أكون مغروراً بل صادقاً، أما أولئك الذين يقولون عن أنفسهم أشياء غير حقيقية فهم المغرورون والمزيّفون والمزوّرون أيضاً. وكم أتمنى لو يفعل الكثيرون مثلي، فيقفون أمام مرآة أنفسهم، ويحكمون على ذواتهم كما هي حقيقة، من غير زيادة ولا نقصان.
___________
د. جميل الدويهي: مشروع أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي - سيدني 2018.

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload