سليمان يوسف ابراهيم: إياك والطاووس

February 5, 2019

 

كل مخلوقٍ للّه من خلقه سببٌ وله فيه مرامٌ. فمن المخلوقات ما أَوجده ليعلِّم بالمثل، ومنها ما أَوجدها ليعلّم بالعمل وغيرها ليعلِّم الكفاح من الكسل... ميّز مخلوقاته بفطرةٍ وغريزة وماز رأس خلقه بعقلٍ وضمير. فالإنسان بعقلٍ يكتسب ويتطوّر والحيوانُ بنخاعٍ على سلوكياتٍ وغريزة مفطور...

فوفاءُ الكلب ليس خُلُقًا، وصبر الحمار ليس أَدبًا، وحكمة الحيّة ليست جهبزةً، وبناء نخاريب العسل ليس إبداعًا. فلا يبدع إلّا ذوي العقل، وصاحب العقل هو الإنسان. عجبي من إنسانٍ يجد كلبه أَشد وفاءً من أَخيه!!!

من هنا، فالحيوان يخلق ويمشي ويقوم صغارُه بأداء أَنشطته كافّة، منذ الفقس والإلادة والتّجرّي؛بينما الإنسان يتكسّب أَنشطته جميعها: يدبُّ، يحبو، ينقل، يتعثّر ثم يمشي... إِنه يسير برجلين، لكنّه يحلِّق بأَحلامه من غير جناحين,,, يقبل، يرفض، يهادن، يناهض ويداهن... يحب، يحنُّ، يرحم ويقسو، يحزن ويفرح، يشعر ولا يبالي... كل ذلك يغدو  له مع نمو قدراته العقليّة والنَّفسيّة النّابعة والتّابعة لقائد أوركيسترا هو العقلُ يكسِبه المعارف يأمره، وينهاه وينبِّهه إِلى أنَّ الرّوح تسكنُه؛ ومتى عقلت الرّوح قواها، نفسًا تغدو، وعودةً إلى باريها تتوق!!

وما يصحّ في الدواب من الحيوان، معظمه  بطيور الفلا والأرض يصحًّ. فللطّيور أَجنحة، كيما بـإِثر قُوتِها تسعى، ودأبًا خلف موائل سكنها تحيا وتطيرُ.

فلو شاء لنا ربُّنا أن نطير لزيّن سواعدنا بريش، ولو شاء لنا أن نغرِّد ونصيح، لكان أَبدل أَفواهنا بمناقيد. لقد شاء لنا أن نعبِّر: فأَغنانا بأَلسنٍ وزيّننا بعقلٍ وضمير، وزادنا بسواعد لنبني وأَقدامٍ لنسعى على دروب العمر تارةً باتّجاه طموحاتنا وطورًا نحو بعضنا البعض حبًّا، محاسنةً وعشق قلوب... إنَّ مساوئ الخُلُق مجتمعة ً في نفس وقلب المتكبِّرُ تعشعش، لأنّه لا يرضى بحكم ربّه ويناهضها جميعها بسبب أَنانيّة متمكِّنة منه ولا شفاءَ له منها!!

غضب الله على الطّاووس لكبريائه، فأَخرجه من جنّته، حتّى أّنّه منعه من طيرانٍ وحرمه من تغريدٍ، مُستغنيًا عن تسبيحه، تاركًا صوته يقرب النعيق بهذي... فلماذا بعض ناسنا يتطوطس، مرةً على أخيه الإنسان ومرّات على خالقهم؟ يخسرون حبّ النّاس فيبتعد هؤلاء عنهم، ويفقدوا رضى خالقهم ويُنبَذُون إلى جهنّمٍ من جنّةٍ، بعد أن أُخرجوا منها إلى أرض الشّقاء وهي التي كان قد أَعدّها لهم بالأصل؟!!

فلنعلم جميعنا، أنَّه مهما بمشيته تبختر الطّاووسُ، فهو من باقي أهل الطّير منبوذُ! ومهما رفعَ من جميل ريشه سيبقى الأَديمُ، بجمع ذيله مكنوسُ، ولا خيرَ يُرتَجى من أرضٍ، بقوائمه يدوس!!

وما جاز من كره الرَّب لطباع الطّاووس، فعلى النّاس إن تكبّروا وتجبروا، بالطّبع يجوزُ!! فهل عجبٌ بعد أن يباعد الخلق من بينهم إِنْ قاربهم الطّاووسُ؟!!    

                                                                   سليمان يوسف إِبراهيم

                                                                 عنّايا، في14/10/2018

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload