مريم رعيدي الدويهي: عبادة الشخص في نصّ "الغراب" لجميل الدويهي

February 24, 2019

 

في غياب النقد الموضوعي لأعمال الأديب د. جميل الدويهي الفكريّة والأدبيّة الرائعة، أجد من أقل الواجب أن أكتب عن أعماله وأضيء عليها، لعلّني أملأ الفراغ بقليل ما يستحقه الجميل.

أولاً : نصّ الغراب: من الكتاب الفكريّ الثالث "رجل يرتدي عشب الأرض" لجميل الدويهي ( ص 54):

كان أناسٌ في قرية وراء الجبال يعبدون غراباً أسود، وقد حنّطوه وجعلوا له مقاماً في وسط القرية، يزورونه ويتباركون به. فالرجال كانوا يسجدون أمامه ويبتهلون إليه بأن يغدق عليهم بالخير وعلى أراضيهم بالغلال، والنساء كنّ يصلّين بتضرّع لكي يشفق الإله الغراب عليهنّ، فينجبنَ أطفالاً يشبهونه في وسامته وجلاله. والأولاد الصغار كانوا يطلبون منه أن يكون لهم في كلّ يوم عطلة وعِيد لكي لا يذهبوا إلى مدارسهم.

وكانت تسهر على ذلك الغراب سادنة عجوز، تتقن السحر والشعوذة.

وذات ليلة مرضت السادنة فلزمت بيتها، ولم تحرس الغراب المحنّط، فمرّ في المكان رجل غريب، ورأى الطائر الأسود، فانزعج من هيئته، وانتزعه من مكانه، ثمّ جاء بحمامة ناصعة البياض وجعلها في الموقع، حتّى جاء الصباح، وخرج الناس من بيوتهم. وكان أوّل ما فعلوه أن ذهبوا ليلقوا نظرة على غرابهم، فلم يجدوه، بل وجدوا الحمامة تقف مكانه وتهدل بصوت عذب. فما كان منهم إلاّ أن هجموا على الحمامة وأمسكوا بها، فنتفوا ريشها، وقطّعوها إرباً إرباً، ورموا بها في بئر عميقة، وقالوا بعضهم لبعض: لقد استقامت العدالة، وتخلّصنا من الشرّ الذي أحاط بنا من غير أن ندري، وليس علينا الآن سوى أن نبحث عن غرابنا الحبيب، أو نجد أيّ غراب من طينته، فيعود النور إلى قلوبنا، ويزول الشؤم الذي جاءت به هذه الحمامة إلى قريتنا، ويُمحى يوم أسود من تاريخنا المجيد.

ثانياً: تحليل النص:

ليست المرة الأولى التي يكتب فيها أناس أو يتحدثون عن عبادة الشخص. فالتاريخ مليء بقصص من هذا النوع وأساطير وأمثلة تتشابه في الرسالة والمعنى. وفي واقعنا اليومي نعايش قصصاً مماثلة في السياسة والدين والمجتمع، وفي الحركة الأدبية أيضاً، حيث تصل مرتبة "الشخص" إلى التقديس، من غير مبرّر منطقي، وفي غياب المقاييس العلمية الصحيحة التي تقاس الأمور بها. والناس إذا دأبوا على فعل شيء وجدوا من المستغرب أن يهجروه، لو جئتَ إليهم بالاثبات العلمي الذي يدحض اعتقادهم ويبرهن سوء تفكيرهم.

ولنا في التاريخ كثير من الأمثلة عن عبادة الملوك، وتقديس الأبطال والمشاهير. وربما تكون لهؤلاء المقدسين بعض السمات التي تسمح بأن يمجدهم العامة وينصبوا لهم التماثيل، ولكن "غراب" الدويهي يختلف، فلا شيء فيه يبرّر عبادته، فلونه أسود قبيح، ونعيقه مزعج، وحضوره دلالة شؤم... هذا في المألوف، لكن أهل القرية التي يتحدث عنها الدويهي جعلوا للغراب مقاماً رفيعاً، وألهوه، وعينوا سادنة تسهر عليه وتحرسه. وكانو يعتقدون أنه رمز للتفاؤل والسعادة، وخصوبة الأرض والولادة، حتى إذا غابت السادنة ومر في المكان رجل غريب، فجعل الحمامة مكان الغراب، غضبوا واستنكروا، ونتفوا ريش الحمامة، وذهبوا ليبحثوا عن غرابهم أو غراب آخر ليعبدوه.

لقد مثلت الحمامة البيضاء سواداً في عيونهم. وهذا يحدث في مجنمعاتنا، حيث تقديس المألوف، حتى إذا ظهر شيء جديد، ولو كان أفضل، رفض العامة التخلي عن موروثهم. وكم من السياسيين والمبدعين والعباقرة والمصلحين دفعوا أثماناً باهظة لأنهم جاؤوا بالثورة والتغيير، وكم من الأنبياء صلبوا واضطهدوا لأنهم نشروا تعاليم فيها النور، فإذا الجماهير تميل إلى الظلام وتأبى التنكر له!

ولماذا يرى كثير من البشر السواد بياضاً، والنور ظلاماً، والعكس صحيح؟

إن طرح هذا السؤال لا قيمة له، إذا استذكرنا المآسي التي حصلت في التاريخ، أفما جاء النبي صالح بأفكار جديدة لإصلاح العالم، فعقر الماكرون ناقته ونكلوا به؟ أما صلب المسيح في عصر كان فيه الأبيض سواداً والأسود بياضاً؟ أما اضطهد النبي محمد من بني قومه لأن النور ظلام في أعينهم والظلام نور؟

الحقّ ليس على الغراب، بل على من يعبدون الغراب، ولا يسألونه عن حاله ومآله، وما هي المعجزات التي حققها، والعظائم التي فعلها ليكون له هذا التقدير؟ ولو قارن الناس بين هديل الحمامة ونعيق الغراب، بمنطق سليم وضمائر حية، ولو لمسوا ريش الحمامة بيد وريش الغراب بيد أخرى، لكانوا فهموا الفرق بين الخشونة والنعومة. ولو فهموا أن الحمامة رسولة للخير والسلام، وتزرع الطمأنينة أينما حلت، وأن الغراب عدو الخير ومفترس للخيرين، لكانوا وضعوا حداً بين الجهل والمعرفة.

القصة إذن تضيء على حالة اجتماعية بأسلوب رمزيّ، يتقنه الدويهي ويعرف أسراره، فإذا سمي أديباً، فقصصه ورواياته واعماله الفكرية تنطق عن هذه الحقيقة، وهو لا يأخذها لا بالاستعارة ولا بالتطفل، أو ليكون له مقعد في صفوف الآخرين. وقديماً: قيل عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. وجميل في امتحان الشعر والنثر والفكر والتاريخ والأكاديميا ينجح بتفوق... والاثباتات على الطريق ويمكن لأي شخص أن يراها ويلتقطها بأطراف أصابعه.

لقد أثبت الدويهي في نص "الغراب" أنه مفكر من الطراز الرفيع، فهو لا يذهب إلى القصة لغرض الرواية والامتاع، بل لغرض فكري، وليعكس حالات إنسانية، فيبين المساوئ، ويطرح التغيير. ولو أن الناس يرفضون التغيير كما رفضوا الحمامة، فهو لا ييئس ويمضي في سبيله، فلا بد من أن تنجلي الحقائق ذات يوم، وتظهر الأعمال على الميزان.

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload