مريم رعيدي الدويهي: إضاءة على قصيدة "الساحر الهندي" لجميل الدويهي

April 12, 2019

 1- القصيدة

جميل الدويهي: الساحر الهندي

 

الساحر الهنديُّ مسلولٌ ضعيفْ

كالعودِ، لم ترأفْ به ريحُ الخريفْ

تخشى عليه من السقوط، كأنّه

من غابرِ الأيّام لم يأكلْ رغيفْ.

____

في رأسه ثلجٌ، وفي عينه نارْ

وعلى خطوط جبينه مرّ القطارْ

دُكّانه كمغارةٍ في شارعٍٍ

فيها تماثيلٌ، وأقزامٌ صغار.

____

قلتُ: الأمورُ خطيرةٌ يا ساحرُ

فقبلتي هُزمتْ، وما لي حاضرُ

أصبحتُ مغلوباً على أمري، ولم

يبقَ معي إلاّ سؤالٌٌ حائرُ.

____

قال: التردّي واضحٌ في مقلتيكْ

ومظاهر الإحباطِ باديةٌ عليكْ

أغمِضْ قللاًن وانتظرْ حتّى ترى

كلّ الذي ترجوه أحضرُه إليكْ.

____

أغمضتُ عيني، وانتظرتُ فردّني

عصْراً، وارجعَني إلى الماضي الهني

شاهدتُ في التاريخ سيفاً عالياً

وبيارقاً عربيّةً لا تنحني.

____

عاصرتُ آلافَ الملوك الأقدمين

كانوا عماليقاً، وكانوا ظالمين

ماتوا جميعا، غير أنّ ملوكنا

قد أصبحوا موتى... وظلّوا حاكمين.

____

ورأيت ناسَ الأرض ما فيهم عبيدْ

فالمجدُ للأحرار والعيشُ الرغيد

لم يهجروا وطناً، ولم يتهجّروا

من خوفهم منه إلى وطن بعيدْ.

_____

وتبعتُ شعبًا زاحفاً فوق الجبالْ

فالحرب ما هدأت، ولا هدأ الرجالْ

ما كان في الأزمان شعبٌ مثلنا

قتلوهُ حتّى لا يفكرَ في القتالْ,

_____

ورأيت إسرائيلَ ما كانت ولمْ

تغْدرْ كذئبٍ جائعٍٍ بين الغنم

كيف ارتضينا أن تضيع بلادُنا

ونصيرَ خدّاماً لأسياد الأمم؟

_____

ولمحتُ بيروت الجميلة في المساءْ

كانت تمشّطُ شعرها بالكبرياءْ

نحن اغتصبناها، ومّلنا بها

لمّا تقاتلنا على نوع الهواءْ.

_____

ووصلتً مشدوهاً إلى أسبانيه

ففتحت أبواب القصور العاليه

كان الملوك هنا... رأيت خيلَهم

وسمعت أصواتَ السنين الماضيه.

_____

... الساحر الهنديّ أرجعني إلى

عصْري، وكنت أصيح كي يتمهّلا

إنّ الذي شاهدته وسمعته

في رحلتي كان انتصاراً مذهِلا...

_____

قال العحوزُ: لقد فعلتُ الممْكنا

ومضى... فلم يسمع ندائي المُحزِنا

وبقيتُ وحدي غارقاً في خيبتي

من سوء حظّي قد رجعتُ كما أنا.

 

2- الإضاءة على القصيدة:

كتب الشاعر د. جميل الدويهي قصيدة الساحر الهندي عام 1994، وتشرها عام 1999 في مجموعة تحمل عنوان "وجهان لمدينة واحدة". وعاد إلى نشرها على صفحته على فايسبوك في نيسان 2019. ويمكنني أن أقول إن أهم ما استرعى انتباهي فيها خياله الخصب الذي كان عنصراً مهماً وأساسياً بنيت عليه القصيدة. لقد اخترق الدويهي جدار الزمن ليحملنا إلى عالم بعيد كان يحلم به، وإلى جزء مهم من حياة ضاع منه. وحاول أن يسترجع الأمنية الجميلة التي لا تفارق أفكاره، وتعني له الكثير من الأمجاد والعظمة. وكان الساحر الهندي هو من قام بإعادة الدويهي إلى الماضي وإسعاده في لحظات عابرة ومن خلال مَشاهد لم تعدد تتكرر في عصرنا الحاضر. وقد حقق الساحر للدويهي ما كان يبتغيه بعدما قال له:

"أغمض قليلاً وانتظر حتى ترى         كل الذي تروه أحضره إليك".

وعبّر الدويهي في هذه القصيدة عن واقع لم يعد يرضى عنه، بالمقارنة مع الماضي الجميل، فاستفاض بالكلام عن أحداث مؤلمة والتردي القائم في الحاضر، إذ قال:

ما كان في التاريخ شعب مثلنا،           قتلوه حتى لا يفكر في القتال"...

وقال أيضاً:

"عاصرت آلاف الملوك الأقدمينْ        كانوا عماليقاً كانوا ظالمينْ

ماتوا جميعاً غير أن ملوكنا               قد أصبحوا موتى وظلوا حاكمين...

في هذه الاستشهادين دلالة على التخبط الذي نعيش فيه حالياً حيث أن الشعب بمنع من مواجهة الأعداء على أيدي ملوك لا ينزلون عن عروشهم، ولهم في كل مناسبة حجة ليظلوا يتسلطون على الناس.

وكان لا بد للشاعر من أن يهرب إلى محطة يرتاح فيها، ولو كانت من نسج الخيال. واستطاع أن يستبدل بإبداعه حالة مخالفة لقناعاته بحالة أخرى، ويسرق اللحظة ليرجع إلى الماضي الذي يدغدغ قناعاته وأحلامه الطفولية، بعد أن تخطى حدود التفكير، لأن شفافيته وصدق أحاسيسة دفعتاه إلى أن ينقلب على رداءة الأحوال، وكأنه يطالب بالعودة إلى أزمنة سابقة كان للعرب فيها أمجاد ومواقف عزة وكرامة. وعندما انتهت اللحظة الخيالية صاح بالساحر لكي يتمهل قبل أن يقفل باب السحر ويعود الشاعر إلى حاضره البليد:

"الساحر الهندي أرجعني إلى         عصري، فكنت أصيح كي يتمهّلا

إن الذي شاهدته وسمعته               في رحلتي كان انتصاراً مذهلا"...

فالنهاية لم تكن كما يرغب الشاعر، ولم يسمع العجوز نداءه المحزن، فبقي وحده في الخيبة:

وبقيت وحدي غارقاً في خيبتي...      من سوء حظي قد رحعت كما أنا"؟

وفي مجمل تفاصيل هذه القصيدة، يبدو التأرجح واضحاً بين الماضي المجيد والحاضر المرير، وما كانت هذه الأبيات الشعرية إلا لتجسد معاناة الشاعر، والتوق إلى عالم مثالي أفضل في زمن ضاعت فيه القيم الأخلاقية والمعايير الصحيحة، وهكذا أرضى طموحه، واستمتع بالعيش الهنيء لوقت قصير، ولو كان هذا عن طريق السحر والخيال. 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload