كلود ناصيف حرب: المجوس شهدوا على ولادة المسيح - مراجعة تاريخية

December 8, 2019

إعداد كلود ناصيف حرب

 

الديانة المجوسية من الديانات الوثنية القديمة، ولها إلهان اثنان، إله للخير وإله للشر، بحيث يكون بين هذين الإلهين صراع مقيم ودائم إلى قيام الساعة. وباعتقاد أتباع الديانة المجوسية أن الساعة ستقوم بعد أن ينتصر إله الخير على إله الشر. ويُعتقد أن الديانة المجوسية جاءت قبل الديانة الزرادشتية. وكانت منتشرة في بلاد فارس وجوارها. ولا شك في أنها عُرفت أيضاً في اليهودية. وينسب إبن خلدون المجوسية إلى "كيرمرث"، وهو من أبناء آدم، والبعض قالوا إن "كيرمرث" من أبناء نوح.
وكلمة المجوس فارسية الأصل، أو يونانية، أو جاءت من لغة بني إرم (إرم ذات العماد).
ويعبد المجوس النار، وبعضٌ منهم يعبد الكواكب. وهذه العبادة لها صلة بأفكار دينية قد تكون تسربت من الهند، وهم يتشابهون مع الهنود في التقمص، والعلم بالغيب. والغريب أنهم الآن يؤمنون بالمسيح إلى جانب زرادشت. ويعود إيمانهم بالمسيح إلى أن ثلاثة منهم شهدوا على ولادته في مغارة بيت لحم، وقدموا له الهدايا، وأيضاً لأن النبي دانيال "سيد المجوس" قد بشّر بولادة المسيح قبل مئات السنين من مجيئه.
نبوءة دانيال:
كُتِبَ عن دانيال النبي في حديث ملكة مادي إلى بلطشاصر ملك بابل ما نصه: "يوجد في مملكتك رجل فيه روح الآلهة القدوسين، وفي أيام أبيك وجدت فيه نيّرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة. والملك نبوخذ نصَّر أبوك جعله كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين... من حيث أن روحًا فاضلة ومعرفة وفطنة وتعبير الأحلام وتبيين ألغاز وحل عُقد وجدت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصر" (دا 5: 11، 12)
واستمر شأن دانيال مرتفعًا بعد ذلك في مُلك داريوس المادي وفي مُلك كورش الفارسي كقول الكتاب: "فنجح دانيال هذا في مُلك داريوس وفي مُلك كورش الفارسي" (دا 6: 28).
وعين دانيال كبيرًا للمجوس ولكنه لم يلجأ إلى السحر، وتنبأ دانيال عن مجيء السيد المسيح وعن مملكته وحدد زمن مجيئه، وترك كل نبواته الصادقة في سفر دانيال. وقد ورد في نبوءة دانيال ما يلي:
"سبعون أسبوعًا قضيت على شعبك، وعلى مدينتك المقدسة، لتكميل المعصية وتتميم الخطايا، ولكفارة الإثم، وليؤتى بالبر الأبدي. ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا... يُثبِّت عهدًا مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يُبطّل الذبيحة والتقدمة" (دا 9: 24، 25، 27).
والمقصود بالأسابيع هنا أسابيع سنين وليس أسابيع أيام (أي أن الأسبوع يساوي سبع سنين). وقد تمت هذه النبوة بالفعل كما ذكرها دانيال النبي.
وكتب دانيال أيضاً: "كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى قديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطيَ سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي لن يزول، وملكوته لا ينقرض" (دا 7: 13، 14).
وجاء في التوراة أيضاً: "ثم كتب الملك داريوس إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها. ليكثر سلامكم. من قِبَلي صدر أمر بأنه في كل سلطان مملكتي يرتعدون ويخافون قدام إله دانيال لأنه هو الإله الحي القيوم إلى الأبد وملكوته لن يزول وسلطانه إلى المنتهي. هو ينجي وينقذ، ويعمل الآيات والعجائب في السماوات وفي الأرض" (دا6: 25-27).
ويبدو من هذا النص أن داريوس ملك الفرس كان يؤمن بالإله الحي القيوم الذي بشر به النبي دانيال. وكتب إلى كل الأمم التي تخضع لسيطرة فارس بأن يخضع الشعب لهذا الإله.
المجوس يزورون بيت لحم:
إذن كان المجوس الذين عاشوا في مملكة فارس وجوارها يعلمون ما هو الوقت الذي سيأتي فيه المسيح المخلص. وقد اعتمدوا على معرفتهم للكواكب لقياس الزمن الذي سيحل فيه الميلاد المجيد بحسب نبوءات سيدهم دانيال النبي... ولذلك شدوا الرحال من بلاد فارس على الأرجح نحو بيت لحم، أو بحسب الدراسات الحديثة من السعودية أو الأردن، وأراد الرب أن يكلمهم باللغة التي يفهمونها فأرسل إليهم كائنًا مميزًا، له صفات عجيبة؛ ربما يكون ملاكًا لامعًا يبدو في هيئة نجم. وكان ذلك النجم واضحًا مميزًا ويسميه المسيحيون "نجمة الميلاد" أو نجمة المغارة".
ولمجيء المجوس إلى المغارة معنى مهم، وهو أن المسيح لم يأت من أجل اليهود، بل من أجل الأمم كلها، ولم يأت لديانة دون سواها.
لقد جاء المجوس من المشرق إلى أورشليم قائلين: "أين هو المولود ملك اليهود، فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له؟" (مت 2: 2)
وقد قام النجم بهداية المجوس من بلادهم إلى موقع الميلاد، وكان النبي بلعام قد أشار إلى "نجم من يعقوب" سابقًا، وأشار الباحثون إلى أن النجم اللامع المذكور في إنجيل متى قد يكون اقتران كواكب المشتري وزحل والمريخ الذي تم بين عامي 6 و4 قبل الميلاد.
وسجد المجوس للسيد المسيح وهو طفل، وسجدت له الأمم في كل حين.
وعندما نقول "المجوس"، نسأل أنفسنا: كم من المجوس جاءوا إلى بيت لحم؟
يقول الإنجيلي متى (أصحاح 2) إنهم أتوا "من المشرق إلى أورشليم". وبسبب ذكر ثلاث هدايا، البخور والمر والذهب، افترض أنهم ثلاثة أشخاص. وعلينا أن لا ننسى أن المجوس لم يكونوا وحيدين في المغارة، بل كان معهم الرعاة، وهذا الالتقاء يعني لقاء الأغنياء والفقراء، وكذلك اجتماع اليهود (الرعاة) والوثنيين (المجوس) تحت جناحي السيد المسيح.
ويختصر متى الإنجيلي صفات المجوس الثلاثة بكلمة "حكماء"(مت 2: 1 و 7 و 16)، وقد تكون هذه الكلمة تعني "الملوك" في ذلك الزمان، أو القادة، أو زعماء القوم. وعلى الرغم من أن الإنجيل لا يذكر أسماء المجوس، فإن التقليد يذكر أنهم جسبار ملك الهند، وملكيور (ملكون) ملك فارس، وبلتازار ملك من بلاد العرب.
وتروي التقاليد القديمة ان هناك مغارتين تذكران بالمجوس: مغارة في دير كاتمسا بالقرب من دير مار الياس الواقع على الطريق بين القدس وبيت لحم حيث استراح المجوس في زيارتهم الى بيت لحم. وهناك مغارة تحت الكنيسة في دير مار ثيوذسيوس في بيت ساحور حيث دفن القديس ثيوذسيوس هو ووالدته ووالدة القديس سابا، لجأ إليها المجوس في عودتهم الى بلادهم تفادياً للقاء مع هيرودس الملك.
هؤلاء هم المجوس الذين عاينوا شهادة الميلاد إلى الشعوب، وكانوا أول من سجد للمسيح، وقدموا له الهدايا في تلك المغارة الصغيرة المتواضعة، التي انطلق منها نور المعرفة والمحبة والإيمان إلى العالم أجمع.

 

Please reload

أخبار الجالية

كلود ناصيف حرب عن "نغمات على قيثارة الحنين"

December 9, 2019

1/10
Please reload

كُتّاب و شُعراء 
Please reload