نشر كتاب "تأملات من صفاء الروح" في مدينة سيدني عام 2016، من ضمن مجموعة كتب هي : "في معبد الروح" بالانكليزية، "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان" (شعر منثور)، "أعمدة الشعر السبعة" (أول ديوان شعر عربي على الإطلاق يحتوي 7 أنواع شعر)، بالإضافة إلى "كتبوا في معبد الروح". جميع هذه الكتب صدرت في عام واحد من ضمن مشروع د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي من أستراليا. وتوّجت هذه الإصدارات المتعددة شكلاً ومضموناً بأمسيتين حاشدتين، الأولى في أمسية "ملبورن في القلب"ملبورن 30 تشرين الأول والثانية مهرجان الأدب المهجري الراقي 2 في سيدني 25 تشرين الثاني، حيث قدمت الأعمال مجاناً إلى الحاضرين. (غلاف الكتاب في آخر النصّ)

إنسانيّتُك هي دينك

بعد أن خدمتُ المعبد لأربعين سنة، وأصبحتُ شيخاً طاعناً، سلّمتُ المعبد إلى الكاهن الأصغر، وأوصيتُه خيراً بالناس، ثمّ ذهبتُ إلى الجبل الذي يرتفع فوق الغابة، حيث المعبد القديم الذي كان يعيش فيه الكهنةُ السابقون، وكان مهجوراً ومهمَلاً، فأصلحتُه وساعدني في عملي بعض الرجال والنساء الذين يعيشون قرب الغابة. ولم تمضِ أيّام حتّى بدأ قليلٌ من الناس يتوافدون إلى المكان، وكنت أستقبلهم بغبطة وأشاركهم في الصلاة.

لم أسأل أحداً منهم: من أين جئتَ؟ وكنت أعلم أنّ بعضهم قد جاء من قرية بعيدة، فالأسماء والأمكنة والوجوه لا تهمُّني. فكم من الأسماء لا تشبه أصحابها، وكم من أمكنة تضيق على ساكنيها، فيحطّمون حديد المسافة ويهربون إلى المجهول... وكم من وجوه مستعارة تتساقط عند هبوب الرياح!

إنَّ قيمة الإنسان لا تكون في صورته، فالصورُ تُعلَّق على جدران الأزمنة إلى حين، وقد تتساقط وتندثر، أمَّا الروح فتبقى، ولذلك يخلع الناس أجسادهم ولا يخلعون أرواحهم، أمّا الإيمان بالله وحده فهو جوهر تلك القيمة، وكلُّ شيء يتداعى بمرور الأيّام إلاّ ذلك الجوهر، فهو كالشمس، كلّما تقادمت بها العصور ازدادت نوراً ولمعاناً.

سألني أحد الزائرين يوماً: إلى أيّ دين تنتمي؟

فقلت له: إنّ الديانات تبطل إذا كانت سبيلاً للفرقة بين الناس، فهل أنت تفرّق؟

قال: لا. لم أفرّق يوماً، ولم أدعُ إلى الاختلاف.

قلت له: أنت من طائفتي وأنا من طائفتك. فلا ينبغي أن تسأل أحداً عن القشور التي لا أهمّيّة لها.

وسألتُ الرجل: إذا كنتُ في صحراء، وأشكو من الجوع والعطش، وكنتَ أنتَ في خيمة ورأيتَني منطرحاً على الرمال الحارقة، أفلا تخرج من خيمتِك على عجل لكي تنقذَني من الموت؟ وهل كنتَ تسألني: مَن أهلي وعشيرتي؟ وإذا كنت أعبد الله أو الحجر؟

فكّر الرجل هنيهة وكأنّه يتصوَّر المشهد الذي رسمتُه في خياله، وقال: نعم أيّها الكاهن، كنتُ أخرج من خيمتي وفي يديَّ خبز وماء لأطعمك وأسقيك. وما كنتُ سألتك: مَن أنت؟ لأنّ حياتك عندي أغلى من كلّ شيء.

فرحتُ بكلام الرجل، وقلت له: طوبى لكَ أيُّها المؤمن الشجاع. إنسانيّتُك هي دينُك.

هذه العبارة الأخيرة التي تفوّهتُ بها في ذلك اليوم، نقشتُها على حجر، وجعلتُها فوق باب المعبد لكي يراها الوافدون ويتمعّنوا فيها. وما تزال إلى الآن شاهدة على معرفتي وصدق إيماني بإله واحد هو إله البشر جميعاً، ولا يمكن لأحد أن يمتلكه.

الشجر ة المثمرة

 

سمعتُم من الناس عن الشجرة المثمرة التي يضربها الناس بالحجارة، فلا تصدّقوا جميعَ ما يزعمونه، فمن الأشجار تلك التي تعطي ثمراً طيّباً، ومنها ما تعطي ثمراً مُرّاً يشكو منه الناس وتأنفه الطيور.

وفي الحقول أشجار كثيرة تعانق السماء وليس فيها ثمر، وأشجار أخرى صغيرة لكنّها كريمة تعطي من غير حساب.

وقد تجدون في أرضكم شجرة تعطي فاكهة كثيرة، وأخرى تعطي فاكهة أقلّ، غير أنّ التي تعطي قليلاً قد يكون ثمرها أطيب وأغلى في السوق، فتلك التي تعطي قليلاً باركوها، وافرحوا بعطائها، ولا تغضبوا من تلك التي أعطت كثيراً، فإنّ الله يعطي من خلالها.

وقد تزرعون أشجاراً وتنتظرون أعواماً لكي تثمر، فلا تعطي شيئاً، فتلك أشجار بخيلة، يقتلعها الفلاّح من جذورها ويلقي بها في أتون اللهيب.

وقد تزرعون شجرة وتهتمُّون بها جيّداً، وعندما يحين الصيف تكتشفون أنّها لا تعطي لكم. وقد تهملون أخرى فتعطي لكم في موسم القطاف وأنتم لا تتوقّعون منها أن تعطي، فاشكروا الله على حكمته، وتعلّموا أنّ العطاء قد يأتي إليكم من حيث لا تنتظرون، لأنّ الله يراكم ويصغي إليكم، ويعرف ماذا تريدون ونشتهون.

أمّا أسوأ أنواع الأشجار، فتلك التي تعطي ثماراً ناضجة تشتهيها العيون، وتطلبها

الأيدي، ولكنْ بعد أن تقطفوها تجدون أنّ داخلها مهترئ، فتلك أثمار مغشوشة تريد إظهار نفسها على أنّها جميلة في قشورها، وهي مريضة في داخلها، وقد تنقل المرض إلى أثمار أخرى تشبهها.

وليس جميع مَن يقولون: "أنظروا إلينا. نحن أشجار مثمرة ولذلك يضربنا الناس بالحجارة" هم الصادقون. فالعابرون في الحقل قد يرشقون شجرة بحجر لأنّهم جائعون ويطلبون شيئاً يأكلونه، فيسقط لهم من الشجرة ما يسدّون به رمقهم. وقد يرمون بحجارتهم على شجرة لأنّها بخيلة ولا تعطي، فقد خابت آمالهم عندما طلبوا منها أن تعطيهم من غلالها وتنقذهم من الجوع. وقد تتظاهر شجرة أمام صاحبها بأنّها تعرّضت لليباس والذبول لأنّ العابرين لم يرحموها، فاحذروا أن تصدّقوا تلك المدّعية الكاذبة، فقد مثّلت على صاحبها لكي تنجو من الفأس الذي يقترب منها ويهدّد أغصانها. وما أكثر مَن يمثّلون أدواراً مثل تلك الشجرة الجبانة، فتسمعهم دائماً يتحدّثون عن أفضالهم وما حقّقوه من انتصارات في الحياة، ويشْكون من أنّ الآخرين يعتدون عليهم، فهؤلاء هم المزيّفون الذين لو جُمعت أفضالهم لما تساوي أفضال نملة تدبّ على الأرض، وقد جعلوا من الشكوى والتبرّم وسيلة لكي يلفتوا الأنظار إليهم، ولكي يتباهوا بأنّهم من أصحاب الفضيلة والعطاء، وما هم إلاّ ينابيع ضئيلة وبخيلة، ولا تسقي عطشاناً.

صدقاً أقول لكم إن أولئك الذين يكشفون عن أجسادهم لكي يرى الناس آثار الحجارة التي أصابتهم، قد أصابت حجارتهم كثيراً من الأبرياء، ولكنّهم يريدون أن ينظر الناس بعين واحدة، ويسمعوا بأذن واحدة.

وكم تسمعون مِن أشجار أنّ الناس رشقوها بالحجارة، بينما هي لا تعطي إلاّ

الشوك والقذى، فتلك تزعم أنّها ضحيّة لشرور الناس لكي تصرف الأنظار عن فشلها وبخلها، ولكي ترفع من شأن نفسها بعد أن رذلها العابرون ولم يلتفتوا إليها.

نعم يا أبنائي وصحبي. لا تكونوا ساذجين، فتصدّقوا جميع ما يُقال لكم. بل كونوا حكماء، وادخلوا إلى الأعماق حاملين أنوار العقل والقلب، لأنّ ما يظهر على الوجوه لا يعطي صورة حقيقيّة عما يختبئ في الروح. ولا تدَعوا الكاذبين يسيطرون عليكم ويخدعونكم بالمزاعم الباطلة. كونوا كالفلاّح الذي يعرف أشجاره وأشجاره تعرفه، ويميّز بين تلك التي تعطي ثمراً طيّباً فيحمله إلى السوق ويبيعه ويجني منه مالاً وفيراً، وبين تلك التي تعطي أثماراً مرّة أو مهترئة، فإنّها مهما ارتدَت أقنعة مزيّفة، سيفضحها نور الشمس، وستكون عارية في يوم الحساب، لا يشفع بها بكاء، ولا تنقذها شهادة زور.

إنّ أجمل الأشجار هي التي تعطي ولا تعرف أنّها تعطي، وأبغضها تلك التي لا تعطي، ولكنّها تنتقد مَن يمرّون في ظلالها، وتزعم أنّهم أكلوا من خيراتها ولا يشكرون.

مأدبة الحطّابين

 

كنت أسير إلى النهر الذي يجري في وسط الغابة، فرأيت جمعاً من الحطّابين يتناولون الغداء تحت شجرة، وكان أحدهم يغنّي غناء عذباً، فأعجبني غناؤه، وفرحت لأولئك الرجال وقد أخَذ منهم التعب كلّ مأخذ، كيف أنهم يفرحون ويطربون. وعندما شاهدني أحدهم خفّ إليّ، وحيّاني ثمّ قال: تفضّل أيّها الكاهن الجليل إلى مائدتنا، وفيها خير كثير.

نظرت إلى المائدة، فإذا هي بساط من القماش وُضعت عليه أرغفة قليلة من الخبز، وبضع حبّات من الزيتون الأسود، وقطع من الجبن الذي تصنعه النساء في تلك النواحي.

وكم كانت فرحتي عارمة عندما تشاركت مع الحطّابين في تلك المأدبة. وكنت أستمع إلى الرجل الذي يغنّي بشغف، فغنّيت معه، ولم أنتهِ من غنائي إلاّ عندما انتهى. وكان الرجال الآخرون ينظرون إليّ بتعجّب، وقال لي أحدهم: لقد بلغتُ من العمر عتيّاً، ولم أرَ كاهناً من قبل يغنّي مع الحطّابين ويفرح مثلما غنّيتَ وفرحتَ. فقلت للرجل إن الغناء هو نوع من الصلاة، فاسمع الأشجار كيف تغنّي، والينابيع كيف تعطي من ذاتها للعطاش وتغنّي لهم، فعطاؤها فرح، واصغِ إلى الطيور وهي تنشد على الأغصان فتتحوّل القصائد إلى نغمة سماوية... وتمعّنْ في أغنية الموج لكي تكتشف منها أسرار الأعماق، وقد تخبرُك قطرة الماء التي تتكسّر على الشاطئ أقاصيص لم تعرفها عن عصور قديمة يعجز العلم 

عن معرفتها واكتشافها. نعم يا بنيّ، إنّ الغناء الذي يخرج من القلوب الصافية والأرواح المؤمنة هو فعل إيمان بالحياة.

قال لي الرجل: نحن لا نغنّي لأنّنا فرحون بل لأنّنا متعبون، والغناء يخفّف عنّا التعب. فقلت: نعم يا بنيّ، ولكنّ غناءكم وأنتم متعبون هو أجمل الغناء، فشتّان بين مَن يغنّي وهو فرح ومَن يغنّي وهو حزين. فالذي يغنّي وهو فرِح يشبه النسيم الذي يهبّ على الزهرة فيأخذ منها العطر، ومن يغنّي بحزن لا يوقفه حزنُه عن أن يأخذ العطر من الأشواك والعواصف. وعندما تغنّون وأنتم متعبون فإنّكم تنتصرون على التعب الذي يريد أن يرهق أجسادكم، ويحطّم أرواحكم، وتصعدون إلى الرجاء كما تصعد النواة القاسية من بين الحجارة لكي تعانق الضياء.

وقال لي الرجل الذي كان يغنّي: نحن نخاف أن نغنّي أمام الجبابرة، لأنّ أصواتنا ترعبهم وتهزّ عروشهم. فقلت: صحيح ما تقوله أيّها الرجل، فإنّ هناك مَن يخافون من الأغنية لأنّ أصواتهم بشعة ولم يكتشفوا الغناء الذي يحوّل الصقيع إلى دفء. هؤلاء يريدونكم أن تصمتوا لأنّكم كلّما نطقتم تكشفون عن الحقيقة التي لا يريدونها أن تظهر أمام الناس. إنّ بين الصمت والكلام مسافة لا يقطعها إلاّ الملهمون... والذين تصفهم بالجبابرة ما هم إلا ضعفاء يرتعدون من الكلمة ويهربون منها فيختبئون في ظلام أنفسهم. فلتكن أفكاركم كهذه الأشجار العاتية التي ترتفع حولنا، وليكن كلامكم كالفؤوس التي تقطعون بها الأغصان اليابسة، ولكنْ لا تجرحوا الناس. قولوا الحقيقة كما يقولها الطائر الغرّيد، وكما يهمسها الفجر لأزرار الورود. إنّ الشجاعة فقط هي ما يجعلكم تتميّزون عن

الجذوع الواقفة التي لا تجرؤ على السير كما يريدها الزمان أن تسير.

وقال رجل ثالث: لقد علّمنا أجدادنا الغناء، ونحن نعلّمه لأبنائنا، وهكذا تظلّ الأغنية ترتفع كصوت وصدى في العصور...

قلت له: أنتم تفعلون حسناً عندما تعلّمون أبناءكم ما تعلّمتموه من أجدادكم، ولكن عليكم أن تحفظوا أسماء الذين علّموكم، فكم من الأغاني العذبة لا نعرف مَن هم أصحابها! أمّا إذا أراد أبناؤكم أن يصنعوا ألحاناً جديدة، فافرحوا لهم وباركوهم، فكما تكون الخمرة المعتّقة في الخوابي طيّبة وغالية، فكذلك الخمرة الجديدة، وأنتم لا تعيشون في دهاليز الأمس، بل تنطلقون منها إلى دروب قد لا تعرفون إلى أين ستوصلكم، ولكنّكم تعشقون المغامرة، ولا تفرّطون باللحظة التي تنقلكم من مكان إلى آخر.

كانت تلك آخر كلماتي إلى الحطّابين في الغابة، فقد ودّعتهم لكي أمضي في سبيلي، وكنتُ أسمع أصوات غنائهم تتردّد بين الأشجار كما يتردّد الرعد، أو كما يتردّد الهمس الذي يكون أقوى من الرعود.

مَن صنع لكم هذا؟

 

كثيرون من الناس يفرحون بما فعلوه لكم من الخير والفضيلة، وهم يكْمِلون عملهم عندما تشعرون أنتم بأنّ ما صنعوه لكم قد غيَّر حياتكم وجعلكم تفرحون أنتم أيضاً. فليس من عمل يتمُّ إذا كنتم لا تستفيدون منه، ولو كان أصحابه من العباقرة. فانظروا إلى النجّار كيف يصنع لكم أبواباً ونوافذ تحميكم من العواصف والرعود، ولو لم تكن تلك الأشياء تفيدكم لما كانت لها قيمة. وانظروا إلى الفلاّح في حقله كيف يزرع لكم لتأكلوا، وأنتم تظنّون أنَّه يتعب من أجل نفسه، لكنَّ الحقيقة أنَّ لا أحد يتعب من أجل نفسه فقط، فإنّ الرغيف الذي يأكله أبناؤكم هو الهديّة المتواضعة التي يقدّمها إليهم الزارع لكي لا يجوعوا، فاشكروه على كرمه وعطائه.

وصحيح أنَّ الخيّاط الذي يعمل في متجره من الصباح إلى المساء، ويخيّط لكم أثواباً ترتدونها وتتزيّنون بها في أعيادكم، يجاهد من أجل نفسه، ويسعى لكي يوفّر القُوت لزوجته وأبنائه، ولكنّه في الوقت نفسه يخدمكم ويساعدكم لكي تغطّوا عريكم، ولولا فضله عليكم لكنتم جعلتم من أوراق الشجر ألبسة لكي لا تفضح عريَكم عيونُ الآخرين.

أنتم لم تتّفقوا مع البحّار لكي يغامر في البحار البعيدة ويكتشف الكنوز، فقد

فعل ذلك من تلقاء نفسه، ولكنّه عندما يقود مركبه في المحيط البعيد، يقود مراكب أحلامكم، ويأخذكم معه في رحلة العطاء، فمِن يديه تغتنون. وكذلك

الرسّام والشاعر والمسرحيّ والموسيقيّ، فمنهم رجال ونساء لا تعرفونهم، وقد يعيشون في أوطان بعيدة عن أوطانكم. وعندما يبْدعون فأنتم تغتبطون معهم، فكأنّكم كنتم تشاركونهم في الجمال الذي خرج من أفكارهم وأرواحهم المتوثّبة إلى الخلود، فلا تنكروا هؤلاء أو تتنكَّروا لهم، كما يفعل الأنانيّ الذي ينظر إلى آنية من الفخّار اشتراها من السوق ويقول: هذه لي ولن يأخذها أحد منّي، بيْد أنّ الصواب هو أنّ تلك الآنية ليست له، بل لغيره، وله نصيب فيها لأنّ مَن صنعها ليس أنانيّاً مثله، ولم يقل هذه لي وحدي، ولن أعطيها لغيري.

عندما تزعمون امتلاك الأشياء تغلب عليكم سمة الأخذ، وعندما تعترفون بأنّ النبع الذي تشربون منه ليس لكم، وأنَّ الزهرة التي تتنشّقون عبيرها ليست من أملاككم، وأنَّ الشمس لا تشرق إلاَّ لتنير الطريق لجميع العابرين كما تنير لكم، فإذّاك تكونون حكماء وعادلين.

وكلّما تعبتُم في عملكم تذكَّروا أنَّكم لا تعملون من أجل أنفسكم بل من أجل مَن يحبّونكم وتحبّونهم، ولو كنتم لا تعرفونهم. ففي هذا الشعور بالمحبّة قيمة العطاء الذي لا يقف عند حدود.

لقد كان الوجود غير موجود عندما أراده الله أن يكون، فالوجود كلُّه فكرةٌ في الأصل، والفكرة تحوَّلت إلى حقيقة، فكان ما ترونه أمامكم، ولكم نصيب فيه، فهل تعرفون أنَّ الذي خلق لكم كلّ ما تحبّونه وتشتهونه قد اغتبطَ من أجلكم وليس من أجل نفسه، فلا هو يأكل من الحقول التي غرسها لكم أشجاراً

مثمرة، ولا هو يشرب من أنهاركم، ولا يطلب الدفءَ من المَجرّات التي علّقها في السماء مثل قناديل لا يتضاءل نورها. فإنّ فرح الله كبير عندما يراكم

تفرحون. وكثيرون منكم يأخذون من يد الله ولا يشبعون، وبعضكم يجهلون فضله عليهم، ويعتقدون أنَّ العطاء قد جاء منهم وليس منه.

فما أجمل ذلك الفيلسوف الذي أدهش الناس بأفكاره العظيمة، وملأت الدنيا أخباره، فاستدعاه ملك الرعيَّة إليه، ولمَّا وقفَ أمامه، وسأله عن أحواله، أراد أن يكافئه، فنادى إلى كاتب الدولة أن يعطيه ألف دينار، فتعجَّب الفيلسوف وقال: "أنا ما فعلتُ ما يستحقُّ أن أقبض ثمنه. ولا أتذكَّرُ أنَّني كنت أملك شيئاً وأعطيتُ منه للناس. فإنّ هناك مَن هو أعظم شأناً وقدرة منِّي، وهو الفيلسوف الأوّل الذي وضع فِيّ أفكاره فأزهرتْ وأغنت، فكيف أسمح لنفسي بأن أدَّعي ما ليس لي؟... نعم أيُّها الملك الجليل، لستُ سوى أداة في يد تحرّكها، وإنّي أصغر من طائر يغرّد في حقل، وأقلّ قيمة من اللون في الوردة، وأحقر من قطرة ماء في البحر الهادر. ولو أراد الله لجعلني حشرة تدبُّ على الأرض. وقد رأيت في حياتي كثيراً من الأشجار الباسقة لكنّها لا تثمر، ورأيت الناس يتحدّثون بفخر عمَّا جادت به أفكارهم، وليتهم يقولون: إنّ أفكارنا هي في الحقيقة أفكار من الله تعمل فينا."

نعم يا أحبّتي، إنّ مَن يزعم أنَّ حبّة القمح التي يأكلها قد جاءت من حقله لا يعرف الحقيقة، وكم هو صعب أن تكون الحقيقة أمام أعيننا ولا نراها!

 

المتواضعون

 

المتواضعون هم الذين يخفضون رؤوسهم أمام الحقيقة، والمتكبّرون هم الذين يرفعون جباههم إلى فوق كما ترتفع السنديانة العاتية أمام الريح، غير أنّها تعجز عن الوصول إلى الكواكب المضيئة.

والمتواضعون هم الذين يقولون: نحن نجوم ضئيلة، وقد بقيَ فيها بعض النور، ومن هذا النور نحن نبدع ونعطي، أمّا المتكبّرون فيقولون: نحن شموس كبيرة، لولا أنورنا لغرق العالم في ظلمة.

أنظروا إلى الأشجار العالية كيف أنّها لا تصنع العبير، وانظروا إلى الياسمينة التي تنحني كيف أنّها تسكب لكم من عطرها ولا تبخل.

ومن المتكبّرين مَن يفرحون بتكبّرهم، فلولا نعمة التكبّر عليهم لماتوا مهمَلين ومنبوذين، ومن المتواضعين مَن يتألّمون بتواضعهم، لأنّ الناس يرفضون أن يعرفوهم، فهم بذلك يشبهون الأكواخ المتداعية التي لا يدخل إليها أحد.

وتسمعون كثيرين يتحدّثون عن أنفسهم، وعمّا فعلوه في حياتهم، وعن أموالهم وأمجادهم، فلا تتعَجّبوا منهم، لأنّ حبّهم لأنفسهم طبعٌ لا تستطيع الأزمنة أن تغيّره، أمّا أولئك الذين يعملون بصمت، فصمتهم ألم، وألمهم خلاص.

لقد مرّ على الأرض كثير من الأنبياء وعلّموا الأجيال دروساً عن المحبّة والغفران والتواضع والسلام، ولكنّ أغلب الناس لا يحبّون المعرفة، ولو عاد الأنبياء إلينا لبكَوا من جهلِنا.

وما أقبح الذين يتظاهرون بالتواضع وهم في الحقيقة متعجرفون ومغرورون. هؤلاء يخْفضون عيونهم في خشوع وصلاة عندما يعتقدون أن الله يراهم، وعندما يحلّ الظلام ويتراءى لهم أنّ العتمة حجبت عيون الله عنهم يعودون إلى غرورهم، ولو كانوا وحيدين مع أنفسهم. أما رأيتم كيف أنّ بعض الأغنياء يتباهون بما معهم من أموال وما لديهم من قصور، وكيف أنّ الفقراء يشكرون الله على نعمة الخبز والماء على موائدهم. فالأغنياء يأكلون ويشبعون، والفقراء يأكلون ويشبعون أيضاً. أمّا الذين يشتهون أن يأكلوا ممّا على موائد الآخرين فقد كُتب الفشل على جباههم.

وبعض الناس يريدون منكم أن تتواضعوا، ويمعنون أمامكم في الحديث عن نكران الذات، حتّى تظنّوا أنّ هؤلاء من المصلحين والفلاسفة. ولكنْ تمهّلوا قبل أن تصدّقوا هؤلاء الذين يضعون أقنعة على وجوههم فلا ترونهم، ويتزيّنون بثياب الربيع لكي يغطّوا خريف أرواحهم. فلقد كانوا يُظهرون افتخارهم عندما كانوا أقوياء، وعندما شعروا بضعفهم ورأوا ما صنعتموه بأيديكم وعقولهم، أحرقتْ قلوبهم الغيرة والحسد، فجاؤوا إليكم متظاهرين بأنّهم أنبياء، وقرأوا لكم من كتبهم الصفراء مواعظ وحِكماً، وكلّ ما يسعون إليه أن يتوقّف طموحُكم، وتنعقد ألسنتُكم، وتتجمّد أفكارُكم في عُلب. وعند ذلك يمكنهم أن يسيطروا عليكم، ويتفوّقوا بأعمالهم الهزيلة. إنّ هؤلاء المبشّرين الكاذبين بالتواضع يشبهون رجلاً عليلاً أراد أن يشارك في سباق، وعندما رأى أنّ الجميع يسبقونه، أجهش بالبكاء، فتوقّف الآخرون عن الركض، وعادوا إليه لكي يطْمَئنّوا إلى حالته، فقام وسبقهم إلى خطّ النهاية. وما أكثر الذين يتظاهرون ​بالقدرة على شفاء الأمراض وهم مرضى وعليلون!

إنّ التواضع يا أبنائي وأحبّائي لا يعني أن تنكسر شوكتكم، وأن تستسلموا للأعاصير، ولا أن يكذب عليكم الناس، فتنطفئ أنواركم ويأكل مصابيحكم الصدأ. التواضع ليس هزيمة، والنجاح ليس عيباً، كما أنّ عزّة النفس ليست شتيمة على صاحبها.

إذهبوا يا أبنائي في القرى والمدن، لابسين رداء التواضع والحكمة، وانشروا عبير المحبَّة في الأرجاء، وليكن كلامكم رقيقاً كالربيع، لكن ليكن أيضاً قاطعاً وشجاعاً. واعملوا في حقولكم وبيادركم، وفي مصانعكم ومتاجركم لكي تُغْنوا وتغتنوا. فكلّ شيء يخرج من بين أيديكم سيكون جميلاً، ولكنّ الجمال في أرواحكم التي تقول للشيء: كن فيكون. وإذا سألكم أحد: هل أنتم مَن صَنعتم هذا؟ فقولوا: نعم، إنّ الله صنعه لنا، وقد أعطيناه لكم من أجل أن تفرحوا.

إنّ قول الحقيقة ليس افتخاراً ولا تكبُّراً، بل التكبُّر هو أن يدّعي الإنسان ما ليس فيه. فلا تكونوا كالمدّعين، ولا تتكلّموا كالمتشامخين، بل ليكن كلامكم مختصراً، لأنّ الحقيقة لا تكون بالكلام الذي يتبدّد في الرياح، بل تكون بالكلام القليل الذي تنحته الإرادة المؤمِنة على ألواح الخلود.

 

الخوف

 

أنتم تخافونَ من المجهول لأنّكم لا تعرفون ماذا يخفي لكم. وتخافون من الغيلان والأشباح في الليالي الظلماء، وهم لا يوجدون إلاّ في أفكاركم وفي القصص التي ورثتموها من الأقدمين. ولو لم يكن الليل حالك السواد لما كنتم تخافون منه، فإذا سار أمامكم في الطريق رجل يحمل قنديلاً لكي يضيء لكم، لهدأت قلوبكم وذهب منها كلّ خوف.

إنّ القنديل لا يبدّد الظلام فقط، بل هو يبدّد ما في داخلكم من رهبة، كأنّه عندما يضيء لكم يضيء فيكم أيضاً.

وأنتم تخافون من أشياء كثيرة لأنّكم تفتقرون إلى الشجاعة، والشجاعة هي معرفتكم بأنّكم ستنتصرون على ما هو أقوى منكم. فإذا كانت لديكم تلك المعرفة تسيرون في العتمة كأّنكم تسيرون في وضح النهار.

إنّ الشجاعة تُلبسكم درعاً، والجبانة تجعلكم عراة أمام العواصف والرعود. والشجاعة التي تأتي من إيمانكم بالله هي أعظم شجاعة.

ذات يوم كان كاهن يصلّي في معبد، ولم يكن في المعبد سوى امرأة عجوز، فحدثَ زلزال واهتزّت جدران المعبد، فترك الكاهن صلاته وفرّ إلى الخارج على عجل لكي ينجو بنفسه، وبقيت المرأة خاشعة في صلاتها، ولم تخَف لأنّها تعرف أنّ الإله الذي يستمع إلى صلاتها لن يتركها، أمّا الكاهن فقد هرب من صلاته ومن الموت، وقد يأتي الموت من طريق آخر.

لقد أفلح الجبابرة في استغلال الخوف الذي يطغى على الإنسان، فأذاقوه من المرّ ألواناً وجرّعوه كؤوس الذلّ والمهانة، وهو صاغر لا يحرّك ساكناً، لكنّ البشريّة عرفت أيضاً أناساً تمرّدوا على الخوف، وأعلنوا الثورة على الجمود، وما تزال أسماؤهم تتردّد في العصور. هؤلاء هم البحّارة العتاة الذين اقتحموا العتمة والأمواج فأخضعوها، ومن وراء الحجب الداكنة أشرقت أنوار العدالة. وسيأتي جبابرة كثيرون في العصور، فكونوا أمامهم كالجبال العالية التي لا تنحني، وقولوا كلمة الحقّ في وجوههم، وإذا رأيتم إنساناً يئنُّ ويتوجّع ممّا صنعه هؤلاء، فساعدوه لكي ينهض من ألمه ويتجدّد.

ومن الناس مَن يخافون ممّا فعلوه لأنفسهم، فهم يكذبون ويزيّفون ويسرقون ويحقدون ويشتهون، ولا يعِيرون لمشاعر الآخرين آذاناً صاغية، بل هم يفرحون بما تجنيه أيديهم، وعندما يأتيهم رسول من حاكم المدينة يأمرهم بأن يمْثلوا أمام المحكمة ترتعد فرائصهم ويموتون فزعاً. إنّ هؤلاء يشبهون امرأة غرست أشجاراً في كرْمها وانتظرت موسم القطاف، ونصحها مَن يحبّونها بأن تبْني سياجاً للكرْم لأنّ الثعالب تأتي ليلاً فتأكل الزرع، ولكنّ المرأة لم تسمع النصيحة، حتّى أكلت الثعالب ما زرعته، فلطمت وجهها وجزعت جزعاً شديداً.

أنتم لن تكونوا مثل تلك المرأة لأنّكم تسمعون بآذانكم وعقولكم وأرواحكم، وتجعلون لكرومكم سياجاً هو سياج الفضيلة، ولن تخافوا من الظلام لأنّه نور في الأصل وقد شعر بالنعاس فنام وقتاً قصيراً. ولن ترهبَكم العواصف والرعود وأنتم تسيرون في البراري. كما لن يستطيع الطغاة أن يخنقوا أصواتكم، فإذا تعرّيتم من الكلمة لا يعود لوجودكم معنى. إنّكم تشبهون جنديّاً ذهب إلى الحرب وقرّر أن يعود منتصراً أو يموت شهيداً،

فأصبح انتصاره مجداً أبدياً له. وتشبهون مغامراً ذهب في رحلة وراء الجبال البعيدة، وانقطعت أخباره عن أهله، وعندما رجع إليهم كنسْر ممزّق الجناح، استقبلوه بفرح عظيم، ورفعوا له تمثالاً ليمجّدوا الشجاعة التي يحملها في قلبه. نعم يا أخوتي وأحبّائي، إنّ البحر الذي ترونه يمتدّ إلى البعيد البعيد، ويخاف الكثيرون أن يقتحموا أمواجه، وما هو إلاّ قطرة من الماء، لكنّها قطرة كبيرة، والجبان الجبان هو الذي يخاف أن يغرق في قطرة ماء.

 

رجل يعرف الله

 

جاءني رجل غريب إلى المعبد، وقال إنَّه من بلاد بعيدة جدّاً، وأهلها لا يشبهوننا، ولا يعرفون شيئاً عن الإله الذي نعبده. وقال الرجل الغريب إنَّه يعرف الله والله يعرفه، فتعجّب منه بعض صحبي وامتعضوا من زعمه، وغضب آخرون وانتظروا منّي أن أعترض على كلامه أو أطرده من المعبد، وازداد تعجّبهم عندما رأوني أبتسم له، وأقترب منه متودّداً وسائلاً: متى عرفتَ الله يا بنيّ ومتى عرفك؟

أجاب: عرفته منذ زمن بعيد لا أذكره، وكنت فتى يافعاً، أمّا هو فقد عرفني قبل أن أولد، وسيعرفني بعد أن أموت، وهو يسمع ما أقوله لك، ويراني واقفاً هنا بينكم... فهل أنتم منزعجون منّي ومنه؟

أجبتُ الرجل على عجل، بينما كان صحبي ينظرون أحدهم إلى الآخر، وهم يقلبون شفاههم: لا... نحن لسنا منزعجين منك، إلاّ أنّ هؤلاء الرجال لا يفهمون كلامك مثلما أفهمه، ويعتقدون أنّك ضللتَ الطريق.

سأل الرجل مرّة أخرى: وهل ضلَلتُ؟

أجبته: أنت تشبه رجالاً كثيرين عاشوا في العصور الماضية وقالوا إنهم عرفوا الله والله عرفهم، وتعرّض أولئك الرجال للمحاكمة والعقاب، وعُلّقت أجسادهم على الأعمدة لكي تأكلها الطيور الجائعة. أمّا في هذا المعبد الذي تراه أمام عينيك، وقد جعلناه لجميع الشعوب، فلسنا نعاقب أحداً على إيمانه، وإنّ الله نفسه لم يأمرنا بأن نحاسب الناس

على أعمالهم. وصدقاً أقول لك أيّها الغريب وأمام هؤلاء الرجال: أنّك عندما لا تسرق، ولا تقتل، ولا تحقّر أحداً، وعندما تسامح وتكون طيّب القلب والضمير، فالله لا يطلب منك أكثر من هذا. ولكنّ الناس هم الذين يطلبون وكأنّ الله أوكلَ إليهم أن يعاونوه في عمله، أو أن ينطقوا باسمه عندما يكون غائباً. والله لا يغيب ولن يغيب. وهؤلاء الأحبّة الجاهلون الذين تراهم أمامك يعتقدون أنّك غير مؤمن لأنّك تختلف عنهم، فأنت تشبه طائراً ضلّ طريقه ووقع على شجرة فيها سربُ طيور من غير جنسه... إنّ مشكلتك ليست في معرفة الله أو عدم معرفته بل في معرفة هؤلاء القوم أو عدم معرفتهم. وبعض البشر يطلبون منك أن تسير في ركْبهم فلا يكون لك رأي ولا اعتراض.

قال الرجل: لماذا لا تعلّمهم إذن، وأنت كاهن المعبد؟

انفرجت أسارير وجهي وقلت له: ومَن قال لك إنّني لا أعلّمهم، ولكنّهم بطيئون لأنّهم يقرأون الكتب ولا يقرأون ما كتبه الله على أفئدتهم بحبر لا يزول. وإنّي أنصحك يا بنيّ بأن تتجنّب القول إنّك تعرف الله، وإنْ يكن يعرفك، فأنت تعرفُ بعضاً منه، وستمضي عصور طويلة ولن يعرف الله أحد... أنت تعرف أنّ الله قويّ لأنّه أعطاك القوّة، وكريم لأنّه أعطاك الكرم، ومسامح لأنه وهبك نعمة المسامحة، وجميل لأنّه خلق لك السهل والجبل والوادي والنهر الذي يرنّم وهو يتدفّق إلى المحيط الواسع. وعندما تفقد هذه الصفات تفقد شيئاً من الألوهة التي هي جزء منك. وهذه الألوهة موجودة فينا جميعاً، وكم يجدر بنا أن نبحث عنها في دواخلنا ونكنتشفها! ومن الناس مَن يعرفون الله

بألسنتهم، فهؤلاء هم المراؤون، ومنهم مَن يعرفونه بقلوبهم، فهؤلاء هم المغمورون بأنوار الله، وهناك مَن يعرفونه بعيونهم، وهؤلاء هم الذين ينشغلون بالمشاهد التي تمتدّ أمامهم عن الجوهر الذي جعل تلك المشاهد على صورته. وإذا كانت معرفتك قليلة عن الإله، فذلك ليس عيباً، لأنّ العيب هو ترفض المعرفة ولا تسعى إليها.

فرح الرجل بكلامي، ونظر إلى الرجال الذين حولي وقال لهم: أرأيتم؟ إنّكم ترون بعيونكم ولا ترون بقلوبكم.

قال ذلك وانحنى، ثمّ خرج من المعبد يجرّ أذياله. كنت أراقب خطواته وهي ترسم على التراب آثاراً خفيفة. وما إن توارى عن نظري، حتّى التفتُّ إلى صحبي، وخاطبتُهم برفق: أجل يا أبنائي، إنّ الرجل الذي مضى في سبيله يرى ما لا تستطيعون رؤيته، فلا تحاكموا أمثاله، واشكروا الله لأنّهم لا يحاكمونكم أيضاً... لقد جاء الأنبياء ولم يستطيعوا رؤية الله بعيونهم، ولكنّه رأوه بقلوبهم التي غمرتها أنوار السماء. ولو كانت الرؤية في العيون فقط، لما كنتم تغمضونها في الليل عندما تنامون، وتذهبون في أحلامكم إلى أماكن بعيدة.

 

المرأة والغلام وقصّة الماء

 

حدث في ذلك الزمان جفاف عظيم، فغارت الأنهار في الأرض وسكنت الينابيع، وكانت في الغابة عين ماء صغيرة أشرب منها ويستقي منها الحطّابون والفلاّحون والعابرون من مدينة إلى أخرى. وفجأة لم يعد في تلك العين ماء. وكانت هناك بئرٌ أمام المعبد تتجمّع فيها مياه الأمطار فجفّت أيضاً. ولم يبق في الغابة مصدر للماء أعرفه، فسألتُ الحطّابين الذين يمرّون من أمام المعبد عن ينابيع أخرى فقالوا إنّ العين الوحيدة التي يشربون منها هي تلك العين التي اختفت ماؤها ولم تبقَ منها دمعة ظاهرة للعيان. وجاء بعض الناس من بلدة قريبة يطلبون ماء في الغابة فعادوا منها وجرارهم فارغة.

وذات صباح كنتُ في المعبد أنفض الغبار عن كتاب قديم، فانفتحت النافذة المطلّة على الساحة الصغيرة ودخلتْ منها نسمة باردة، فتركتُ الكتاب من يدي وأسرعتُ لأقفل النافذة، فوقعت عينِي على غلام في العاشرة من عمره يسير ببطء في الساحة، ثمّ ينحني إلى الأرض ويرسم في التراب دوائر بإصبعه. وبعد قليل رأيته ينظر إلى السماء البعيدة ويقول شيئاً لم أتمكّن من سماعه. تسمّرتُ إلى النافذة وأخذتُ أراقب كلّ حركة يأتي بها ذلك الغلام، وتعجَّبت كيف أنَّه جاء إلى هذا المكان النائي وليس من أحد معه. قلت في نفسي: لعلّه ابن أحد المزارعين وقد غاب عن أنظار والده، فتاهَ في الغابة حتّى وصل إلى الساحة. وبينما كنت أتفكَّر في أمره، كان هو يجُول في المكان، ويراقب كلَّ

حجر من حجارة المعبد بعينين مفتوحتين، ويتمتم كأنّي به مأخوذ برهبة ما يراه. وبعد لحظة خرجتْ من وراء الساحة امرأةٌ جميلةٌ، طويلة القدّ، سوداء الشعر، وكانت تنظر إلى ما حَولها بقلق، فعرفتُ أنَّها تبحث عن الغلام، وازدادت دهشتي لأنّ المرأة لم تأتِ إلى هنا في وقت سابق، ولم أرَها تصلّي في المعبد ولا احتفلتْ مرّة مع المعيّدين.

قال الغلام عندما رأى المرأة تدخل إلى الساحة: ها أنتِ مرّة أخرى تريدين أن أخرج عن أطواري. ليس عندي وقت لكي أصغي إليك، وأنتِ لا تراعين مشاعري، وتريدين أن أتخلّى عن طفولتي، وأكونَ ساحراً في المدن والقرى.

عندما انتهى الغلام من كلامه، رأيت مسحة من الحزن والأسى على وجه المرأة، وكأنّ دمعة نزلت من إحدى عينيها، فقالت للصغير وهي تردّ خصلة من شعرها إلى الوراء: أنتَ دائماً تعذّبني، ولا تصغي إلى كلامي. وعليّ أن أبحث عنك في كلّ مكان فلا أجدك، وإن وجدتك بعد طول عناء، تعاملني بقسوة وتؤلمني.

تأثّر الغلام من كلام أمِّه، وقال: سامحيني يا امرأة، إذا كنت لا أفهم دائماً ما تقولينه لي. لكنَّني أحبُّكِ كثيراً، وأقّدّرُ ما تفعلينه من أجل الناس. فهل عندك لحظةٌ واحدةٌ ترتاحين فيها؟ وهل تنام عيناك المتعبتان ليلة من غير قلق وهمّ؟... إنَّ مَن نحبُّهم يا حبيبتي لا يحبّون أنفسهم، ونحن نزرع من أجلهم ويحصدون ولا يشكرون. هم أحبّتنا الجاهلون الذين لو جهلنا مثلهم لسقطوا في هاوية العدم.

قالت الأمّ: على الرغم من ذلك، فقدَرنا أن نحبّ ونسامح... ولولا هذا الحبُّ العظيم الذي يجود كالبحر، لما كان للحياة معنى. وعندما تكبر يا بنيّ، ستعرف جيّداً معنى الكلام الذي أقوله لك الآن، والذين يتنكّرون للحُبّ سيكون لهم معك شأن عظيم.

ارتعدت فرائص الولد، وكاد ينفعل، لكنّ ابتسامة رقيقة من ثغر الوالدة أعادته إلى هدوئه.

تابعت المرأة الجميلة كلامها برفق: لقد عطِشوا يا بنيّ، وأطفالهم يصرخون من الألم، وأجسادهم الرقيقة تكاد تنهار من القيظ... هل فهمت الآن لماذا أتبعك من مكان إلى مكان؟ ووالدك يسأل عنك في الدروب، فيقول الصبْية إنّهم لم يروك منذ أيّام.

سارت المرأة ببطء تسحب أذيال ثوبها الطويل، وغادرت الساحة، والغلام ينظر إليها بشفقة ويلاحق خطواتها بعينين ذابلتين.

ولم يمضِ ذلك اليوم، إلاّ وقد تفجّرت مياه العين القريبة من المعبد، كما تدفّقت الينابيع في المدن المجاورة. وأقسمَ الحطّابون الذين كانوا يقطعون الاشجار في الغابة أنّهم رأوا ولداً صغيراً قرب العين، وقد أصابه العطش، فطلب منها أن تعطيه ماء.

ومنذ تلك الساعة لم تجفّ مياه العين مرّة واحدة لا في الصيف ولا في الشتاء، ولم يرَ الناس ذلك الغلام ولا أمّه مرّة أخرى في هذه النواحي.

 

الذين يسيرون في العاصفة

 

رأيت الذين يسيرون في العاصفة وهي تحطّم كلّ شيء حولهم.

كانوا يمتطون خيول الروح إلى مطارح بعيدة، هي أبعد من الحلم واليقظة. وكانوا يفرحون لأنّ الشتاء يغمرهم والرعود تفاجئهم عند كل مفترق.

هؤلاء هم المؤمنون، الرائعون، الخالدون، والقادرون أن يحفروا أسماءهم في كتاب الزمان.

يمكن للعاصفة أن تقطع الأشجار من أصولها، وأن تحجب الشمس وراء الغيوم، لكنّها لا تستطيع أن تقتل الأرواح التي تخرج من قشورها عارية، وتقتحم الوجود.

لا تتركوا أرواحكم محبوسة في القبور، ولا تصغوا إلى صوت الأمس يناديكم ويشدُّكم إليه، فالأمس يريدكم أن تخضعوا لمشيئته، ومشيئته باطلة، والغد الذي قيل لكم إنّه غريب عنكم، أو إنّه يسكن في جزيرة نائية هو الأقرب إليكم، فارفعوا أشرعتكم البيضاء وتوجّهوا إليه فوق الأمواج العالية، ولا تخافوا لأنّكم أقوى من الخوف.

إنّ الجبناء والمتردّدين مكانهم في القبور وإن كنتم ترونهم يسيرون أمامكم ويتحدثون على مسامعكم، أمّا الأشدّاء والمغامرون فمكانهم في كواكب لا ينطفئ نورها ولا يخبو.

لا تسألوا الرجل مَن أبوه وأمّه، بل اسألوه إن كان يستطيع أن يجعل بينه وبين

المستحيل جسراً، وإن كان يستطيع أن يحمل النار بيديه ليضيء للعالم.

لا تخبروا أولادكم قصص الغيلان التي ترعبهم، بل اخبروهم قصص الأنبياء والعظماء والمكتشفين لكي يملأوا أرواحهم بعبير العظمة. وخذوا الكتب اليابسة التي تعلّم القعود والهزيمة إلى مقابر العدم، لأنّ الحرف الذي لا يهْدر هو حرف مزيّف، والكلمة التي لا ترفع إنساناً إلى أعلى من النجوم هي كلمة هزيلة لا تستحقّ الحياة.

ما أغبط أولئك الذين يزرعون لكم لتأكلوا، ويعصرون لكم لتشربوا، ويصنعون لكم محراثاً يشقّ صدر العدم. وما أعظم الكاهن الذي يضيء لكم الطريق لكي تبصروا، ويخرجكم من التعاليم الضالّة التي تحبسكم في العتمة. وما أجمل تلك المرأة التي تربِّي أبناءها على الفضيلة لكي ينشئوا مدينة فاضلة للحبّ والسلام. وما أشجع ذلك الطفل الذي يلقي بطيّارته الورقيّة في الهواء لتطير إلى عوالم مجهولة، ويرتفع قلبه وروحه مع كلّ خلجة من خلجاتها، حتّى إذا انقطع خيطها واصطدمت برؤوس الأشجار، ذهب ليصنع طيّارة أخرى كأنَّه يرفض أن يستسلم للجمود!

وما أقبح أولئك الذين عزلوا أرواحهم في كهوف الخيبة، وبكَوا على الماضي والحاضر، ولا يصدّقون أنّ الأرض تدور، والأزمنة لا تتوقّف، فهؤلاء يرضون بالفُتات، ويشربون من المستنقعات الضحلة.

إنّ أرواحكم هي الأجنحة التي تطيرون بها ولا تغادرون أجسادكم، فهل رأيتم طائراً تصطدم جناحاه بالأرض؟... إفهموا هذا الكلام، ولا تصدّقوا مَن يقولون لكم: كونوا أبناء الروح، ولا أولئك الذين يبشّرونكم بأنّكم بأجسادكم تنتصرون، فطالما أنتم أحياء يجب

أن تؤمنوا بأنّ الجسد والروح يتحاوران كما تتحاور الموسيقى مع الكلمة. والإنسان ينتصر بهما معاً على الظلمة والقيود. فالروح والجسد يأتلفان في الحياة، ولكنّ الروح تنتصر على ضعف الجسد في الموت.

إنّ الذين يكونون بأجسادهم لا يختلفون عن الأشجار الخضراء التي لا تنفع لشيء إلاّ لحطبها، والذين يكونون في الروح يشبهون النواة التي في الثمرة. وإنّ الروح لا تسير وحدها على الطريق، والجسد لا يكتمل من غير الروح. فكونوا أنتم ثابتين بأجسادكم وأقوياء بأرواحكم، ولا تقولوا إنّ الله قد خلقنا ضعفاء، بل قولوا إنّ الإرادة التي فينا يمكنها أن ترفع الأرض إلى عنان السماء.

نعم يا أحبّائي وصحبي، إذا سرتم في العاصفة كما سار آباؤكم وأجدادكم، فلا تدعوا الريح تعرّيكم كما تعرّي الحقول، بل عرّوا أنتم العاصفة، واتركوها تبكي وتئنُّ في الدروب الوعرة، وليكن لانتصاركم على الظلمة صدى تردّده الأجيال وتتحدّث عنه الكتب.

المرأة عند الشاطئ

 

تمتدُّ الغابة إلى البعيد البعيد، وعند أقدامها يتكسَّر البحر بأمواجه، ويعزف الموج أغنية لا يفهمها إلاّ العباقرة. وكان يطيب لي حيناً أن أسير على ذلك الشاطئ المترامي، وأنا أنظر إلى عظمة الله، وأمجّدها في ما تنطق به الطبيعة من أسرار.

وبينما كنت في ذات يوم أراقب الطيور البيضاء التي ترفرف على الصخور، وتفرش أجنحتها على الأفق الأزرق لمحتُ امرأة جالسة على رمال الشاطئ، وهي تنظر إلى البعيد وتتحدّث إلى المجهول بصوت مرتفع. ظننتُ في بادئ الأمر أنّها تخاطب أحداً، لكنّني لم أرَ حولها بشراً، فقلت في نفسي: لعلّها فقدتْ أحداً في البحر وهي تناجيه.

اقتربتُ من المرة، فرأتْني وصمتت عن الكلام، ثمّ التفتتْ إليّ وقالت:

هل أنت تراقبني أيّها الكاهن؟

قلت بعجل: كلاّ يا ابنتي. لقد كنت مارّاً من هنا، فرأيتكِ... لا أقصد أن أزعجكِ.

-أنتَ لا تزعجني، ووجودك في هذا المكان يؤنسُني ويبدّد وحدتي... لقد طال الزمان قبل أن يعودوا... أولئك الذين رحلوا إلى هناك... هل تراهم يا أبتِ كما أراهم؟

كنت أحاول أن أفهم ما تعنيه المرأة في كلامها. ولم تترك لي مجالاً لكي أجيبها، فأردفتْ:

كلّ موجة تتكسّر على الشاطئ تحمل أصواتهم، وتبوح بما يفكّرون به وهم يغامرون إلى بلاد لا يمكن لأحد أن يكتشفها إلاّ الملهَمون. كلّ قطرة هي حياة تولَد وتسير وتقطع مسافة قبل أن تلفظ أنفاسها على الرمال. استمعْ إليها وهي مثلنا تتحدّث وتفصح عن ذاتها وتئنّ... إنّها تفرح بالوصول، على الرغم من معرفتها بأنّها ستتبدّد ولن يبقى منها غير الزبد.

قلت: لكنّ الأمواج لا تموت. منذ العصور والأمواج تذهب وتعود كأنّها معزوفة تتردّد أصداؤها ولا تنقطع. ولو كانت الأمواج تموت لكان البحر نضب من مائه، وتحوّل إلى صحراء يابسة.

قالت المرأة، وهي تتنفّس بعمق: كلّ يوم وفي ساعة معيّنة أعود إلى هذا المكان، لكي أنتظر بحّارة أشدّاء، صعدوا إلى مراكبهم وتوجّهوا إلى جزر الخيال... لقد مرّت أزمنة وراء أزمنة وهم لا يظهرون، لكنّني أعرف أنّ عودتهم محتومة... وأهلي غاضبون لأنّني أفكّر كما لا يفكّرون، وقد جاؤوا إليّ بالأمس وضحكوا من بساطتي، وقال لي أبي إنّ الأمواج لا تشعر ولا تتألّم، فلماذا أحدّثها؟ لكّني لم أهتمّ لكلامه، وقلت له: إنّ الأرواح التائهة التي لا يراها هي التي تشعر وتتذكَّر أّننا نحبُّها.

توقّفت المرأة عن الكلام قليلاً، ثمّ تابعتْ وأنا أنصتُ إليها بكلّ جوارحي: قد لا تعود المراكب في القريب، ولست أنتظر أن أسمع أصوات البحّارة وهي ترتفع بالغناء عند الخليج، لكنّ قلبي لا يصدّق أنّ الرحيل يكون في اتجاه واحد. إنّ الرياح نفسها لا تعرف الموت والجمود لأنّها تسير في اتجاهات متعدّدة.

سألتُ المرأة: هل فقدتِ أحبّاء لكِ؟

أجابتْ: نعم... ولكنّ البكاء لا يغيّر شيئاً من الحقيقة، بل يزيدها تعقيداً. نحن نعرف شيئاً من الحقيقة عندما نعترف بأنّ الموت يعرّي الزهرة من ثيابها لتدوس عليها خيول الزمن، غير أنّ قدَر الخريف أن ينتهي، وقدر الزهرة أن تنتصر، على الرغم من ضعفها أمام جبروت العاصفة... ليس من بداية من غير نهاية كما ليس من نهاية من غير بداية. إنّ النجوم المنطفئة نفسها تضيء عندما تنعكس عليها أنوار الشمس. ونحن نجوم منطفئة لكنّ فيها بصيصاً من الضوء وضعه الله فينا، وهو النور الذي يضيء في الحياة بعد أن نموت.

دهشتُ من كلام تلك المرأة، وتعجّبتُ من أفكارها، وقلت في نفسي بعد أن ودّعتُها: هذه امرأة من أعظم الشعراء... وليتني أستطيع أن أتحدّث إليها كلّما مررتُ من هنا لكي أتعلّم منها.

وفي الأيّام التالية قصدت الشاطئ، فلم أجد لها أثراً. وفهمت أنّ المراكب التي كانت تنتظرها قد خرجت من غياهب البحر، وعاد من كانوا عليها إلى أهلهم وأحبّائهم بعد غياب طويل.

إنّ الأجساد تولد لكي تتحطّم، كما تتحطّم القناديل التي تضيء إلى حين، ثمّ يرمي بها أصحابها على صخور النسيان. أمّا الأرواح فكلّما غابت عن أنظارنا، رأيناها بيننا، تحدّثنا عن الصباح الذي يتجدّد، وعن الخلود الذي يناقض الموت والغربة.

الإله يحبُّكم

 

أحبّوا الإله الذي يحبُّكم، لا الإله الذي يرعبكم.

واذهبوا مع إلهكم في مسالك النور، ولا تدعوا إلهاً أعمى يقودكم، لأنّ الهاوية ليست بعيدة.

صدقاً أقول لكم إنّ فيكم آلهة كثيرة، بعضها للغضب، وبعضها للشهوة، وبعضها للفضيلة، وبعضها للحبِّ والسلام، فاعلموا أنّ الآلهة التي تأخذكم إلى الشرّ هي آلهة مزيّفة قد صنعتموها بأنفسكم، أمَّا الإله الذي يقودكم إلى الخير فهو الإله الحقيقيّ الذي وجد نفسه بنفسه، فلا يتعب ولا يموت. وأنتم لن تحزنوا وأنتم تمجّدون الإله الذي يعطيكم الأمان.

وكلّما رأيتم إلهاً يخرج منكم ولا يعود، فلا تتبعوه إلى الغابات والبراري لكي ترجعوه، فالإله الذي يحبّكم لا يغادركم، والإله الذي جاء لكي يضع أمامكم عثرات هو الذي يغضب من عدم استجابتكم له، فيرحل عنكم وهو يُولوِل ويلطم وجهه.

ليس من إله يضطهدكم، كما ليس من إله تضطهدونه، فاحملوا إلهكم في قلوبكم وأرواحكم، ولن يأخذه منكم مجد ولا سلطان.

وإيّاكم أن تدافعوا عن إلهكم إذا تعرَّض للقسوة، فإنَّه لا يحتاج إليكم، لأنّه يتكلّم بلغات كثيرة، ويسمع بآذان، ويرى بعيون، وإنَّ كثيرين ممّن يُرافعون في المحاكم لا آذان لهم ولا عيون.

٣٤

وقد تطلبون إلهكم أحياناً فلا تجدونه، فلا تقولوا: لماذا هو غائب عنّا؟ بل اسألوا أنفسكم لماذا أنتم غائبون عنه؟ وعندما يكون إلهكم قريباً منكم، اغتبطوا وافرحوا، وادعوا المرنّمين إلى منازلكم. وصدقاً أقول لكم إنَّ الإله لا يأتي إليكم لو لم تفتحوا أبوابكم، وتنفضوا الغبار عن موائدكم، ولو لم تكسروا من خبزكم لتعطوا الجياع والمحرومين.

وعندما تصلّون لإلهكم، فاعلموا أنَّه يسمعكم ولو كانت أصواتكم لا تصل إلى البعيد، فإنّ الذين لا يتكلَّمون يبتهلون بصمت، كما تبتهل الأودية والمروج والأشجار العالية. إنّ الكلام لا يصنع لكم صلاة، بل إنّ الصلاة هي ما يصنع لكم كلاماً تتمجّدون به ، وتفرح به السماء.

وإنّ كثيراً من الناس يتظاهرون بأنَّهم يحبّون إلههم، ولكنّ إلههم لا يشبههم، ولا يتحدّث عنهم. أمّا الذين يحبّون إلههم بصدق، فكلَّما ذهبوا إليه، فتح لهم أبوابه، واستقبلهم بوجه بشوش، وخاطبهم برفق كما يخاطب الأب أبناءه. ولكن لا تيأسوا إذا أقفل الإله بابه ولم يستقبلكم، بل عودوا إليه مرّة أخرى. فإنّ أكبر خطيئة لم تتحدّث بها الكتب هي أن تقولوا: إنّ الله لا يحبّنا.

ومنكم أناس يحبّون إلههم في كلّ يوم، فهؤلاء هم المختارون. ومنكم مَن يحبّونه في بعض الأوقات، فهؤلاء يتبعون نزواتهم إلى حين، وعندما يتعبون منها يبحثون عن إله يريحهم ويسامحهم. وهناك من لا يحبّون إلههم إلاّ عندما يحتاجون إليه، فأولئك هم المخادعون الذين يدخلون إلى السوق ومعهم بضاعة يبيعونها، ويطلبون من الله أن يبيع معهم، فإذا استجاب لهم وربحوا في تجارتهم أحبّوه، وإذا لم يستجب قالوا له: أنت لسنا منّا ولا نريدك بيننا.

٣٥

وكم هو صعب، أيُّها الأحبّةُ، أن يطلب الإنسان شيئاً من الله ولا يجده، ولكنَّ الله ليس على صورتنا ومثالنا، بل نحن على صورته ومثاله، والله ليس بائعاً متجوّلاً ولذلك لا يمكنه أن يكون كما نريد ونشتهي، كما لا يمكننا أن نتخيَّل إلهاً يأتمر بأوامرنا، ونقول له: إفعل فيفعل.

وكما أنَّ الله لا يعرف الحقد والضغينة، فكونوا أنتم كذلك، ولا تكتفوا بأن تعطوا المحبَة للناس، بل كونوا المحبّة التي تسير على الأرض، وتعصر من عناقيدها للعطاش. وما أتعس الذين يسيرون بينكم والشرُّ في قلوبهم، فالله يعرفكم ويعرفهم، ومهما اختبأوا وراء الأقنعة، فإنّ وجوههم ظاهرة للعيون... وحين يقول الأشرار والمخادعون والجبابرة: نحن في أمان، ولا أحد يستطيع أن يرانا، يكونون عراة أمام الحقيقة، والحقيقة لا يستطيع أحد أن يخدعها.

 

العازف الصغير

 

مرّت أزمنة منذ أوصيتُ أبناء الناحية التي كنت أسكن فيها بأن يصنعوا السلام وأن يدعوه يعيش ويكبر في بيوتهم وشوارعهم. وقلت لهم، كما أذكر: "إذا رأيتم سلاماً يتجوّل في دروبكم وتحت أشجاركم، فلا تقولوا له: أنت غريب... بل سلّموا عليه وحدثوه واسهروا معه، واصغوا إلى كلّ كلمة يقولها"...

وقلت لهم أيضاً: "اصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كلّ حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كلّ بيت شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام"...

وعلمتُ فيما بعد أنّ بعضاً من صحبي الذين كانوا يأتون إلى المعبد قد عملوا بوصيّتي، وذهبوا ليصنعوا السلام، ولكنّهم رجعوا خائبين ومرهَقين، وقصدوني لكي يخبروني بما حدث معهم ويطلبوا مشورتي.

قال أحدهم: لقد فعلنا يا سيّدي كما أوصيتنا، فرأينا سلاماً يتجوّل في شوارعنا وتحت أشجارنا، ولمّا ذهبنا لنسلّم عليه وندعوه إلى بيوتنا، فرّ من أمامنا، وقال لنا: لست أعرفكم، فلماذا تأتون إليّ؟

وقال رجل آخر: ذهبتُ لكي أزرع في حقلي شجرة للسلام، وبعد حين رأيتها يابسة، والغربان تنعق على أغصانها، فحزنتُ عليها، وقلت في نفسي: كيف تيبس شجرة وضعتها في تربة جيّدة وسقيتها ماء صافياً؟

وقالت امرأة: وأنا أيضاً حاولت أن أضيء في منزلي شمعة للسلام، فكلّما

أشعلت عود ثقاب كانت تهبّ عاصفة هوجاء، فتخلع النافذة، وتنطفئ شعتي قبل أن يغمرها النور.

وعندما انتهى أبنائي الثلاثة من كلامهم، قلت لهم: سامحكم الله أيّها الأحبّة الجاهلون، وهل أنتم تختلفون عن أولئك الذين يسمعون بآذانهم، ويرون بعيونهم... ولا يفهمون ماذا وراء الكلام؟

نظر الأحبّة الثلاثة الواحد إلى الآخر وكانوا لا يعرفون ما أقصده من كلامي، فإنَّ الحكمة التي وصلتُ إليها ما تزال بعيدة عن مداركهم. ولكي أشرح لهم ما كنت أعنيه في وصيَّتي، قلت لهم: ليتكم تفعلون مثل ذلك الفتى الشجاع الذي صنع سلاماً لأهله.

قالوا بتعجُّب وهم يقلبون شفاههم: ومَن هو ذلك الفتى؟

قلت: إنَّه من بلاد بعيدة كانت فيها حرب بين شعبين، وكان ابناً لرجل فلاّح، وقد أعطاه الله موهبة العزف على المزمار، فكان كلّ صباح يبدع في عزفه، فتصغي الأرض والسماء، وتركع الأشجار بخشوع لكي تمجّد الله. ولكنّ العازف الصغير كان يرتعد ويبكي عندما يسمع أصوات الرصاص في مدينته، ويهرول إلى منزله ليحتمي في أحضان أمِّه.

وذات ليلة خطرت للفتى الصغير فكرة، وكانت الحرب قد أكلت الأخضر واليابس، وقتلت أناساً كثيرين. وكانت بين المتحاربين ساحة صغيرة، فأخذ الفتى آلته إليها وأخذ يعزف من غير توقّف. عزف في الليل والنهار، وفي الصيف والشتاء، وكان المتحاربون ينظرون إليه متعبين، ولا يجرؤون على إطلاق الرصاص خوفاً على النغم أن يضيع، وانتظروا طويلاً أن يغادر الساحة

لكي يعودوا إلى القتال، ولكنّ انتظارهم طال، حتّى ضجروا وصدئت بنادقهم، فذهب بعضهم إليه وسأله أن يخلي الساحة لهم. فظلّ يعزف وهم ذاهلون لرقّة النغم، وعاجزون عن مقاومة النشوة التي تملّكتهم. وجاء رجال آخرون من الجهة الثانية، فقالوا له: أما تعبتَ من العزف؟ لقد تلفتْ أسلحتنا ونحن ننتظر أن تغادر هذه الساحة. ولكنّه لم يجب، بل كان ينفخ في مزماره ويدور بينهم، وقد أخذ منه الطرب كلّ مأخذ. وما هي إلاّ دقائق حتّى أخذوا يرقصون ويتمايلون، وقد عانق أحدهم الآخر. ولم يعودوا يتحاربون بعد ذلك. ومرّ في المكان تجّار يحملون بضاعتهم على عربات تجرّها خيول فرقصوا. ومرّ كهنة كانوا عائدين للتوّ من صلواتهم فرقصوا أيضاً، وجاء أطفال فرقصوا مع الكبار، وكانت نساء يعملن في حقولهنّ فهرولن إلى الساحة ورقصنَ. وتوافد أناس من كلّ جهة لكي يرقصوا...

كنت أخبر الرجلين والمرأة تلك القصّة وهم لا يصدّقون ما يسمعون. قلتُ لهم أيضا: إذا كنتم تبشّرون بالسلام، فلا تتعبوا، ولا تيأسوا، ولا تقولوا إنّ الطريق طويل، فمهما كانت رحلتكم صعبة لن تكون أصعب ممّا تجرُّه الحروب من ويلات ومصائب. وإنّ لغة السلام لا تقولها الألسن بل الأرواح التوّاقة إلى الانتصار. كونوا مثل الفتى الذي جعل من عزفه على المزمار نغمة للحبّ، وتلك النغمة السماويّة هي التي محت آثار الليل، وعطَّلت البنادق، وجعلت الوردة تتمرّد على غضب الشتاء.

الضعف والقوة

 

كلّما وقفتم أمام مرآتكم تسألونها: هل نحن أقوياء أم ضعفاء؟

أنتم أقوياء عندما تثبتون أمام العواصف، وعندما تزرعون وتحصدون، وتبنون بيوتكم بسواعدكم فلا تهدمها الأعاصير.

وأنتم أقوياء عندما تصبرون، وعندما تقرأون وتكتبون. وعندما تطمحون إلى البعيد.

وأنتم أقوياء عندما تصْدُقون، وتفعلون الخير، وتسامحون.

ولكنّكم ضعفاء أيضاً، وضعفكم يبدو في حزنكم وألمكم، ويظهر في أجسادكم عندما تمرضون، كما يظهر عندما تغضبون وتفعلون الشرور.

فكيف يقول أحد عنكم إنّكم أقوياء وجبابرة؟

اسألوا الملوك الأقدمين الذين حكموا المدن والقرى واضطَهدوا سكّانها، ورفعوا قصورهم على عظام الأبرياء، هل كانوا أقوياء فعلاً؟ وإذا كانوا أقوياء فلماذا انهارت عروشهم، ونعق الغراب على أبراجهم، وأصبحوا خبراً في الكتب العتيقة؟

إسألوا البحّارة المغامرين الذين دفعوا بمراكبهم على الأمواج العالية، وعن الكنوز التي حملوها من جزر لا تصل إليها عين: أين أصبحت مراكبهم وأين الكنوز التي كانت لهم؟

إسألوا الجبال العالية التي تعرّيها الريح وتضربها الزلزل فلا يبقى منها سوى

حجارة مرمية في الأودية وعلى المنحدرات.

اسألوا السنديانة التي كانت تخترق الغيوم، كيف نزلت عليها فأس الحطّاب، فقطعت جذعها وأغصانها وجعلتها وقوداً للشتاء.

أنتم تولدون أقوياء، فتشقّون حجاب العدم لتعانقوا النور، ولكنّكم ضعفاء عندما تبكون في لحظة الولادة.

أنتم أقوياء عندما تتزوّجون وتنجبون، ولكنكم ضعفاء أيضاً عندما تجوعون وتعطشون، وتطلبون من الأرض أن تعطيكم فتبخل، وتخافون أن تعضّ الحاجة أولادكم.

وأنتم أقوياء عندما تكتشفون وتذهبون في أفكاركم إلى كواكب مجهولة، ولكنّكم تعترفون بضعفكم عندما تجدون أنّ ما وصلتم إليه من العلم ليس أكثر من قطرة في بحر.

أنتم أقوياء عندما تقرأون في كتب الفلاسفة وتحفظون منها، وإذا سألكم جاهلٌ سؤالاً تحُكّون رؤوسكم وتقفون مشدوهين أمامه من غير جواب، فأين شوكتكم يا مدّعي العلم والعظمة؟

إن الذين قالوا لكم: أنتم أقوياء، كانوا ينظرون إليكم بعين واحدة، وقد أرادوا أن تنظروا أنتم أيضاً إلى أنفسكم بعين الوهم، فتظنّوا أنّ بعض حقيقتكم هو الحقيقة كلُّها.

وقالوا لكم: أنتم كاملون، فلماذا تطلبون ما يجعلكم كاملين؟

وقالوا لكم: إنّ ما تبحثون عنه في الغيب لا وجود له، فالوجود يبدأ فيكم ولا ينتهي في أيّ مكان. وهكذا تتحوَّل الحقيقة إلى ترف لا يهمُّكم، وتعتقدون أنّ

الإله الذي يعطيكم القوّة والثبات هو خدعة جاءت بها الأزمنة وتوارثتها الأجيال. فإذا صدّقتم ما يزعمه أولئك المخادعون، فأنتم تشْبهون طفلاً صغيراً ألبسوه ثياب الرجال، فضحك من نفسه وأضحك مَن حولَه... وتشبهون العشبة اليابسة في جدار، وقد أرادت أن توهم الناظرين بأنّها وردة الصباح، فتطاولت وكسرتها العاصفة.

لا تخافوا من الاعتراف بضعفكم كما تتفاخرون بقوّتكم، وصدقاً أقول لكم إنّ الذي يتخفّى لكي لا تراه الحقيقة إنّما يضلّل نفسه قبل أن يضلّل الحقيقة نفسها. أمّا مَن يتجرّأ على معرفة ذاته فهو الشجاع الذي صهرته المعرفة بنارها فخرج منها خلقاً جديداً.

نعم، أنتم ضعفاء في أمور كثيرة، ولن تكونوا أقوياء من غير ضعف إلاّ عندما تبلغون الحقيقة الكاملة، وليس من حقيقة كاملة إلاّ الله، وأنتم لن تعرفوه ولو وُلدتم كثيراً من المرّات، وأصبحتم أعظم من الفاتحين، فارفضوا التعاليم الخادعة، ولا تجعلوا عداوة بينكم وبين إلهكم، لأنّكم تكونون به وحده، وقد أعطاكم من قوّته، وبه وحده تتغلّبون على ضعفكم.

الغنيُّ الفقير

 

زارني في المعبد أخَوانِ من مدينة بعيدة. فقال الأوَّل إنَّه حزينٌ جدّاً لأنَّه أمضى حياته كلَّها في جمع المال، فمنذ كان فتى يافعاً كان يساعد والده في عمله، وعندما اشتدّ ساعده اتّخذ له تجارةً، وكان يقوم في الصباح الباكر لكي يطارد القرش حتّى ساعات الليل. وأخبرني بأنّه كان يضع القرش تحت وسادته، فإذا استيقظ من النوم أمسك به، ورفعه نصب عينيه وخاطبه قائلاً: يا سيّدي القرش، لقد وهبتُك حياتي، وأعطيتك شبابي، فلا تخيِّب أملي، ولا تهرب منِّي في الدروب. كنْ صديقاً وفيّاً وادخل إلى مملكتي عزيزاً مكرّماً، وستجد عندي ملاذاً آمناً ودفئاً لا تجدهما في مكان آخر.

وأخبرَني الرجل أيضاً بأنّه نادم شديد الندم، لأنَّه صرف عمره يلهث وراء المادّة، ولم يكتشف أنَّ عنده روحاً وأنَّ لها معنى.

أمَّا الرجل الثاني فقال إنَّه منذ صغره لم يحبَّ المال ولم يسعَ إليه، فقد هجر أهله واستقرَّ في كوخ منعزل عن الناس، حيث عاش يأكل الخبز اليابس ويشرب الماء. وعلى الرغم من الفقر الذي كان فيه، فإنَّه لم يطلب عملاً، بل كان يرضى بالفُتات ولا يطمح إلى شيء.

وقال أيضاً إنَّه يشعر بالأسى والندم، بعدما انقضى عمره وأصبح شيخاً، ولم يعرف من أعوامه إلاّ شظف العيش وضيق اليد.

قلت للرجلين: أنتما مخطئان. وإذا أتيتما إليّ من أجل الشكوى والتبرُّم، فقد

سمعتُ منكما ما يبعث على القنوط، وإذا كنتما تطلبان أن تتغيَّر حياتكما، فالأمر بسيط.

فرح الرجلان من كلامي، ونظرا إليّ بأمل، وسألا: كيف ذلك؟

قلت: إنَّ الرجل الغنيَّ بماله، والذي لا يعرف الروح يمكنه أن يعطي الرجل الفقير شيئاً من ماله، فيستعيد هو روحه، ويستعيد الفقير ما خسره من الثروة.

قال الرجل الغنيّ: لقد قرأتُ في الكتب أنّ المعلّم الأكبر أوصى شابّاً غنيّاً بأن يعطي من ثروته للفقراء، فحزن الشابّ ومضى في سبيله لأنّه لم يكن قادراً على التخلّي عن ثروته، وإنَّني لن أفعل مثله، بل سأعمل بنصيحتك وأعطي أخي من مالي.

مدّ الرجل يده إلى جراب كان يحمله، وأخذ منه ذهباً وفضّة، وأعطى إلى أخيه الذي كان لا يصدّق ما يرى.

قال الفقير وقد أصبح غنيّاً في غمضة عين: شكراً لك يا أخي على ما فعلته، وإنّني سأذهب إلى السوق لكي أشتري ثياباً جديدة، وسأبني بيتاً على أنقاض الكوخ الذي كنت أسكن فيه...

قال الرجل الغنيّ وهو ينظر إليّ بعينين فيهما قلق ورجاء: وأنا كيف سأتغيَّر؟

أجبتُه على الفور: إنَّ أخاك الذي أعطيتَه مالاً سيتغيّر في هيئته لأنّ المادَّة قشور، ولكنَّ روحه لن تتغيّر إلاّ إذا عبد المادّة وقرّر أن يتخلّى عن روحه مثلما فعلتَ أنت في عمرك الطويل، أمّا أنت فلن تتغيّر في هيئتك لأنّ الروح جوهر، والجوهر لا يبدو للعيان، بل هو في العمق... وعندما تشعر بالسعادة، والرضى، وبالمحبّة والخير، ستكون قد تغيَّرتَ من الداخل، فهل أنت مسرور لأنّك أعطيت

أخاك، أم حزينٌ لأنّ ما حصل عليه أخوك هو خسارةٌ لك؟

هتف الرجل وكأنّ كلامه يسابق أفكاره: إنّ سروري بما فعلتُه لأخي لا يعادله سرور، وما الذهب والفضّة اللذان فقدتهما سوى جزء يسير من ثروتي، ولو عشت سنوات طويلة لن أستطيع أن أصرف جميع ما عندي من الكنوز والأموال. نعم أيُّها الكاهن الجليل... لقد فهمتُ كلامك، فإنّ الثروة وحدها لا تساوي شيئاً، ولكنّها مع الروح هي القيمة والغنى، ولقد أصبحتُ الآن غنيّاً حقيقة، كما أنّ أخي غنيّ...

ظللتُ صامتاً والرجل يتحدّث، بينما أخوه انصرف إلى السوق ذاهلاً عن نفسه. وكان حديث الرجل الغنيّ ينطوي على حِكمٍ وأفكار عظيمة، فكأنّه فيلسوف وُلد لتوّه من التجربة. وكم كنت مغتبطاً لأنّ تلك الأفكار كانت تصدر عن اقتناعه... لقد أدرك فعلاً أنّ الروح والمادّة يتكاملان، وبكمالهما معاً يتحقّق الإنسان.

طبيعة الفوضى

 

إحذروا وأنتم تسيرون في المدن والنواحي البعيدة أن تقْربوا الفوضى، فإنَّها تهدم ولا تبني. وسوف تجدون أناساً يدْعون إلى الثورة على الماضي وتقاليده، ونفوسهم مليئة بالجمود، فهؤلاء هم المراؤون الذين يستغلّون الناس من أجل غاياتهم. وإنّهم يحصدون من غير أن يزرعوا، ويأكلون من غير أن يتعبوا، وقد أطاعهم البسطاء وصدّقوهم، فاستخدموهم إلى حين. أمّا أنتم فكونوا مفكّرين ومتبصّرين لئلاّ تقعوا في تجربة.

وستستمعون إلى مفكّرين يحاضرون في الساحات ويقولون لكم: تخلّوا عن كلّ ما ورثتموه من الماضي وابدأوا عهداً جديداً من النور.

وهؤلاء المفكّرون يضلّلونكم، لأنّ النور قد يكون من الماضي ومن الحاضر معاً، وإنّ كثيراً من القيَم التي تعرفونها هي أغلى وأثمن من قيَم قد لا تعرفونها. فليس عليكم أن تخالفوا القوانين والأنظمة لكي تتحقّق الفوضى التي يصرخ بها البعض، وكأنّهم يريدونكم أن تتركوا حقولكم وبيوتكم وعائلاتكم وأبناءكم وبناتكم لكي تطاردوا ما تجهلونه وقد يكون غير نافع لكم.

ولقد نادى فلاسفة في العصور الماضية بأن يتمرّد الإنسان على المألوف من العادات والديانات والمفاهيم، فماذا حدث؟ ذهبتْ كلّ التعاليم الضالّة كما تذهب الرمال في الرياح، ولم يبقَ منها سوى آثار في بطون الكتب تقرأونها لكي تتعلّموا وتقارنوا بين ما هو حقيقة وما هو باطل.

ودعا فلاسفة إلى تهديم التماثيل والمعابد والقصور التي بقيت لكم منذ قديم الزمان، فهل رأيتم أناساً يحملون المطارق ويهاجمون المدن فيدمّرونها ويشرّدون سكّانها إلاّ مَن كانوا مجرمين؟ وهل استطاع أحد أن يكتب لنا لغة جديدة لتحلّ محلّ اللغات التي ننطق بها؟

لقد حاول سقراط أن ينشر الفوضى في أثينا، وعلى الرغم من عظمته ومجده، فقد خابت آماله، وأصبح المعلّم الكبير موضوعاً للسخرية في مسرحيّة "السحُب" لأريستوفانس. وصدقاً أقول لكم إنّ سقراط هو واحد من المعلّمين الأوائل الذين درستُ على أيديهم واحترمتُ ما جاؤوا به من أفكار وتعاليم جليلة، ولكنّ الفيلسوف يخطئ كما الإنسان العاديُّ، وليس من أحد معصوماً من الخطأ. ومثلما فعل سقراط فعل مِن بعده كثيرون، وكأنّي بهم يؤمنون بالمثل القائل: "خالِف تُعرَف" فإذا بأفكارهم برّاقة في قشورها وجافّة في جوهرها، ولو أطاعهم الناس وتبعوا خطاهم لقامت أمّة على أمّة ومملكة على مملكة، وما عاد الأخ يحبّ أخاه. إنّ تلك التعاليم التي قد تعجبون من غرابتها إنّما تكون كالثمار التي ترونها ناضجة على الأشجار، وعندما تطلبونها لتأكلوا منها تجدونها مُرّة الطعم ومهترئة من الداخل.

ومن المفكّرين مَن وضعوا نصب أعينهم الهدم، وقد تأثّر بعض هؤلاء بتعاليم السيّد الناصري الذي قال: "لقد جئت لأفرّق". ولكنّ كلام المعلّم الأكبر لا يجب فهمه بالمطلق، بل ينبغي التمعُّن به والغوص في أبعاده. فالفرقة هنا هي بين المؤمن وغير المؤمن، وبين من يتبع الحقيقة ومن يتبع الضلال، فافهموا يا أحبّتي الجاهلين، ولا تأخذوا الكلام بآذانكم بل بقلوبكم وعقولكم التي لا تخطئ فيفي الفهم والتحليل. 

أنتم تذهبون لكي تصلحوا بين الناس، ولكي تقيموا المحبّة والصدق والعدل والتسامح، فلا تميّزوا بين الملوك والمساكين، وبين أجناس البشر وأديانهم، ولا تفرّقوا الأب عن ابنه ولا الصديق عن صديقه. وإذا دخلتم إلى مملكة، فاعملوا بحسب نظامها ولا تخالفوا القوانين، فالثورة من أجل الثورة لا فائدة منها، أمّا الثورة من أجل العدالة والخير والفضيلة، فتلك هي ثورتكم التي ستمجّدها الأمم وتتمثّل بها الأجيال.

لقد تعلّمتم أن ترتدوا ثياباً في العيد، فلا تخلعوها عن أجسادكم لكي تصيروا عراة ويسخر بكم الناظرون. وتعلّمتم أن تتزوّجوا وتنجبوا وتعمَلوا في حقولكم ومتاجركم، فلا تهجروا العمل من أجل البطالة، فالبطالة أمّ الجوع. وتعلّمتم أن تحتفلوا في أعيادكم بالغناء والشموع، فلا تكفّوا عن الغناء ولا تطفئوا الشموع من أجل أن يقال إنّكم تحبّون الحرّيّة، فالحرّيّة تكون بمقدار، كما حرّيّة النهر الذي يفيض كما شاء له ولكن لا يخرج عن ضفّتيه إلاّ لينشر الموت والدمار.

هكذا أوصيكم أيّها الأبناء، وأريدكم أن تضعوا هذا الكلام في أذهانكم فلا تضلّوا في الطريق ولا تضلّلوا أحداً. فإنّ الضلال ينتج عن الجهل، على الرغم من أنّ كثيراً من الجهلة يدّعون أنّهم أعلم الناس وأفهمهم.

 

كلامكم

 

كانت الكلمة في البدء لكي لا تنتهي، ومَن لا يبدأون بالكلمة لا يغتنون بها، فاجعلوا كلمتكم تطرق على كل باب، ولا تطرقوا الأبواب بأيديكم، لأنّ من الكلام ما يحطّم الأبواب، ويعبر في التاريخ كعاصفة تعرّي لتخلق من العراء عالماً جديداً يختلف عن الصمت والجمود.

ليس من حواجز بينكم وبين الحقيقة التي تسعون إليها وإن كنتم لن تصلوا إلى أعماقها. وفي رحلتكم بين الأمس وما بعده ستجدون أناساً يستعبدون الكلمة ويجعلونها خادمة لهم، كما أناساً تستعبدهم الكلمة ويكونون خدّاماً لها. فلا تكونوا أنتم عبيداً بل أحراراً، ولا تحقّروا كلامكم على مسامع الناس فتحتقروا أنفسكم، لأنّ كلامكم مرآةٌ لوجوهكم.

إنّ من يسكبون عبير الكلمة في كؤوسكم لتشربوا وتفرحوا هم الشعراء والفلاسفة والمغنّون والرسّامون والنحّاتون الذين يختصرون الكلمة العذبة في ألوان من صنع خيالاتهم، وبها يعْبرون بأجنحة أرقّ من النسيم إلى خلودهم. وكم هو ضعيف ذلك الفنّان الذي يعجز عن اختراق الحجب التي تفصل بين أمسه وغده، كما عظيم ذلك الذي يجعل غده قبل أمسه، وينتصر على الزمان.

الكلمة الحقّة لا تُعرف إلاّ بنورها ولا يُعرف النور إلاّ بها، فالفكر كواكب، والسطور مجرّة، والأفكار مراكب تحملكم إلى الأبعاد لتسكنوا فيها، وتزرعوا في حقولها وتأكلوا من حصادها. والحبر على سواده يضيء، وكلّ حبر لا يضيء يموت عندما يولد، ويختنق من عذاب نفسه. وكلّ ما تقولونه إن لم يكن رقيقاً كالينابيع، ساحراً كالنغم، طليقاً كالرياح، مضيئاً كالبرق... يكون أحقر من عشب يابس على جدران الأبد، فلا تكونوا

أنتم من ذلك العشب الذي يعيش وهو ميت، ويصرخ من غير صوت.

وإنّ كثيراً من الأشجار ترفع أيديها إلى السماء ولا تقول شيئاً، وأجمل الأشجار هي التي ترفع أيديها للصلاة، وكلّما ابتهلت إلى خالقها أعطت الناس فاكهة طيبة وظلاًّ يقيهم من الهجير. أمّا أولئك الذين يتمتمون على أبواب المعابد وقلوبهم لا تقول شيئاً، فهؤلاء لا يسمع كلامهم أحد ولا يسمعون هم ما يقولون. وما أطيب مَن يبتهلون بصمت وعمق، فهؤلاء تطرُق كلماتهم أبواب الخلود.

وسترون أناساً يخافون من كلامكم لأنّه أجمل من كلامهم، وهم لا يعرفون كيف يصِلون إلى سموّ أفكاركم، فهؤلاء يكْمنون لكم في الطرق المهجورة، ويؤلّبون عليكم الجنّ الذين يتبعون آثامهم، وكلّما تحدّث أحد عن مآثركم، أرسلوا إليه مَن يعاقبه لأنّه قال عنكم الصدق، وهم يريدون منه أن يكذب. وقد تُغنّون في الساحات بأصوات عذبة فيطردونكم ويطاردونكم، ولكنّهم في اليوم التالي يكافئون الغربان على أصواتها البشعة، فاعلموا أنّهم يزوّرون الحقيقة كما يزوّر اللصّ هيئته لكي لا يعرفه أحد وهو يفرّ في الظلام. لكن اعلموا أنّ الأصوات البشعة سيكون مصيرها في غياهب النسيان، أماّ الأصوات العذبة والرقيقة فهي التي تتردّد في الوهاد ولا تمحوها العصور. إنّ كلام الضعفاء لا يمتدحه غير الضعفاء، فهل رأيتم مخادعاً يحبّ الصادقين؟

إنّ الملوك لا يحتاجون إلى مَن يرفع كلامهم، أمّا الصعاليك في منطقهم فيحتاجون إلى مَن يمدحهم لكي يغطّوا سقطوهم بالمديح.

كلّما أعطيتم الناس ذهباً من ألسنتكم، وطيوباً من شفاهكم سترون كثيرين يتجاهلونكم ويظهرون عدم الاهتمام بما تعطونه، وهؤلاء هم الحاسدون الحاقدون الذين يطمرون رؤوسهم في الرمال، ويظنّون أنّ تجاهلهم سيقلّل من شأنكم.

وقد يقول البعض غير حقيقتكم، فلا تجزعوا لأنّ الحقيقة تنطق بنفسها، والذين يشوّهونها لا ينقصون من شأنها بل ينقصون من شأن أنفسهم. وأقبح من هؤلاء مَن يشتمون ويحطّون من قدر الآخرين، فهؤلاء يرمون بكلامهم في القمامة لأنّهم يعرفون أين يجب أن يكون. فلا تستغربوا من الساقط أن يقول كلاماً ساقطاً، بل تعجّبوا عندما ينزل الفلاسفة بكلامهم إلى مستوى الساقطين.

والفاشلون هم الذين يتكلّمون أكثر من غيرهم، لذلك ترونهم في كلّ مكان يهذرون بكلام لا معنى له، بينما يتلفّظ العظماء بكلمات قليلة لكنّها أوسع من بحر وأعمق من مجرّات. فلا تنشغلوا بالكلام الكثير لأنه زبد، ولا يضلّلكم أحد بكثرة ما نطقَ به، فما أكثر الحروف التي تنطفئ قبل أن تشتعل، وما أعظم الكلام الذي يكون قليلاً لكنّه قلائد غالية في خزائن الوجود.

من كلامكم أعرفكم وأنتم من كلامكم تولدون، وإذا لم تكونوا على صورته، فاخلعوه عنكم واتركوه في الغياهب، لأنّكم لا تريدون أن تعيشوا مع الظلمة، بل مع نور الشمس الذي تسعون إليه منذ ولادتكم.

 

العالِم الأكبر والعالِم الأصغر

 

باركوا النهار الذي يضيء لكم دروبكم، وباركوا الليل لأنّكم فيه تذهبون في أحلامكم إلى أماكن بعيدة، وتلتقون بأناس لا تعرفونهم ولا يعرفونكم.

وافرحوا بالبحر الذي يعطيكم من مائدته، ويحمل أشرعتكم إلى جزر الخيال، وعندما يغضب لا تخافوا منه، بل انتظروا أن يهدأ، فكما أنتم تفرحون وتحزنون، فالبحر يفرح ويحزن. ولكن لا تلعنوا الساقية الشحيحة لأنّها تعطي قليلاً، فقد أخذت قليلاً وأعطت قليلاً كم البحر أخذ كثيراً وأعطى كثيرًا.

وكلّما رأيتم الحصّادين يجمعون غمارهم على البيادر، اغتبطوا معهم لأنّ حصادهم كثير، وهكذا كونوا مع كلّ مَن يصنع شيئاً يفيد الناس، ولا تقولوا: إنَّ ما صنعوه لنا ليست فيه فائدة، فما تعتقدون أنّه لا يفيدكم قد يفيد غيركم، وإنّ الذي يذهب إلى السوق لا يشتري جميع ما يراه أمامه، بل يشتري فقط ما يحتاج إليه. وليس على التاجر في السوق أن يغضب ممّن لا يشترون منه، وإلاّ عاش حياته فقيراً معدَماً.

وصدقاً أقول لكم، إنّ كلَّ مَن يعمل من أجل هدف هو عالِم. فالطفل الصغير الذي يرسم أحلامه على ورقة، والمرأة التي تخيّط لكم أثواباً لترتدوها، والخبّاز الذي يعطيكم خبزاً لتأكلوا... لا يقلّون علماً عن المخترعين الذين يقدّمون لكم الخير والفضيلة. وكم هم جاهلون أولئك الذين يلعنون العِلم ويقبّحونه، ويعتقدون أنّ ما جاءت به البشريّة في تاريخها هو من عمل الشياطين. وسترون هؤلاء ينشرون جهلهم في كلّ مكان،

ويعِظون في الساحات، ويطلبون من الناس أن يرتدوا جلود الحيوانات، ويمتطوا الإبل، ويسكنوا في القفار البعيدة كما سكن أجدادهم. وصدقاً أقول لكم إنّ هؤلاء يشبهون أناساً كان في مدينتهم عالِم جليل يصنع لهم أدوية لكي ينقذهم من المرض والوباء. وكان ذلك العالِم يغْني أبناء المدينة ويفتقر، فكان لا يهتمُّ باللباس والمأكل والمشرب، بل كان يقضي الليالي ساهراً يتفكّر في عمله. وكم كانت غبطته كبيرة عندما اكتشف دواء لمرض خطير! ولكنَّ رجلاً شرّيراً حرّض جماعة عليه، واتهمه بالسحر، فهجموا على بيته وأحرقوه، ففرّ العالم لينجو بنفسه. وبعد مدّة انتشر المرض في تلك المدينة، فمات كثيرون من السكّان، ولم يجدوا ذلك الطبيب لكي يساعدهم في محنتهم.

فلا تكونوا أنتم مثل هؤلاء الجاهلين الذين يحْكمون على القشور. وإذا كنتم تؤمنون بالله فآمنوا أيضاً أنّه متخيّل وعالِم، ورسّام، وفنّان. لقد أوجد الله العالَم من خياله، وهندسه بعلمه، ورسمه بألوانه، ومن غنائه أعطى للأطيار والينابيع المتدفّقه والأمواج التي تثرثر وهي تجري إلى الشاطئ البعيد. ولأنّ الله لا يريد شيئاً لنفسه، فقد وهبَكم من خياله وعِلْمه وفنّه لكي تبدعوا أنتم في الوجود، فلا تجعلوا يومكم يشبه أمسكم، ولا تجعلوا غدكم يرتدي أثواب يومكم.

مَن منكم إذا ذهب إلى حقله لكي يعمل يقول له الناس: عدْ إلى بيتك، فإنّ الأرض لا تحتاج إلى تعبك وإنّ الزرع ينبت من تلقاء نفسه؟

إذا سمعتم مَن يقول لكم ذلك وعملتم بنصيحته، فإنّ أبناءكم سيجوعون، وستكونون أنتم مسؤولين عن الكارثة التي حلّت بهم.

وقد يقولون لكم: لا تركبوا العربات، ولا تكتشفوا الكواكب، ولا تقربوا الطائرات... فكيف تنتقلون من مكان إلى مكان؟ وكيف تصعدون مع طموحكم إلى الأعالي؟ وكيف تزورون أهلكم في المدن البعيدة؟ فصدقًا أقول لكم إنّ الأنبياء أنفسهم لو جاؤوا في هذا الجيل لكانوا فعلوا مثلكم، ولو عاد ابن الانسان مرّة ثانية إلى عالمِكم، لما دخل إلى أورشليم على جحش ابن أتان.

أنظروا إلى الذين يسيرون إلى الوراء ولا يذهبون إلى حيث تأخذهم أفكارهم كيف يعزلون أنفسهم في أقبية الجهل. وإنّ الإنسان منذ ولد يسير إلى الوراء ولكنّه يرفض التسليم للزمان، لذلك ترونه يحتفل بالأعياد، ويضيء شموع الفرح كلّما تقادمت به السنوات. ولو كان البشر يحبّون الاستسلام لأبْطلوا الأعياد، وحزنوا على السنوات التي تذهب من أعمارهم.

أنتم علماء صغار على صورة العالِم الأكبر ومثاله، فاجعلوا الحياة التي تملكونها حقولاً مليئة بالثمر، وأنهاراً تروي العطاش، وبحاراً من الأحلام التي لا تعرف حدوداً. كونوا كالرياح التي تجري ولا تقف، وكالأمواج التي تندفع إلى الأمام وهي تعرف أنّها ستتكسّر على الشاطئ ولا يبقى منها غير الزبد.

وكونوا كالغيوم التي تتراكض في السماء لكي تغمر الحقول بفضلها وتملأ الآبار ماء للعطاش، وكونوا كالشمس التي تسكب أنوراها على الناس جميعاً، فلا تميّز بين فقير وغني، وبين ملك وخادم، وصدقاً أقول لكم: لو اجتمع كلّ ملوك الأرض وأجنادهم ليحجبوا قبساً من نور الشمس لما استطاعوا.

أغْنوا الآخرين من أعمالكم، ولا تنتظروا مكافأة، فإنّ الله هو الذي يكافئكم عندما تحوّلون أفكاركم إلى كواكب تنير في الدروب الوعرة ولا تنظفئ.

مرآتُكم

 

عندما تنظرون إلى مرآة أنفسكم فإنّكم أنفسكم تخدعون. فقد ترون أنّكم كبار وأنتم صغار، وقد تفرحون لأنّكم جبابرة وما أنتم سوى ضعفاء وساذجين، وتخافون من المرض والأحزان والعواصف. فإذا كانت المرآة تغشّكم فلماذا لا تكسرونها وترتاحون من عذابها؟ ولماذا تذهبون إلى السوق لتسألوا عن مرايا تشترونها وأنتم تعرفون أنّها لن تكون صادقة معكم؟

ما سمعتُ في حياتي أنّ أحداً أخذ مطرقة وانهال على مرآته تحطيماً لأنّها كذبت عليه، فالناس يحبّون مَن يخدعهم ويوهمهم بما ليس فيهم.

وإنّ أجمل مرآة هي التي تُظهركم عراة أمام الحقيقة، صادقين متواضعين، وعاشقين لعمل الخير والفضيلة، فإذا لم تجدوا مرآةً تُظهر لكم هذا فإنّكم تقفون عاجزين أمام الوهم.

أمّا مرآة أرواحكم فهي التي تحبّكم وتُبدي لكم الوفاء، فاحرصوا على أن تحفظوها، وأمنعوا الذين يخافون من أرواحكم أن يكسروها، فإنّ كثيرين منهم لهم وجوه بشعة وأرواح شرّيرة، وقلوب قاسية كالحجارة.

وعندما يصيبكم الغرور فإنّكم تشبهون رجلاً اشترى مرآة فوجد نفسه فيها عملاقاً وهو قصير القامة، وبدلاً من أن يردّها إلى من اشتراها منه، جعل لها في منزله مقاماً، وراح ينظر إليها كلّ يوم بفرح عظيم، حتّى ظنّ نفسه ملكاً. وعندما خرج الملوك إلى المبارزة ارتجفت يده وانعقد لسانه من الخوف والهلع.

إنّ الروح لا تَخدع كما تَخدع المرآة. والروح لا تتبدّد كما تتبدّد الصوَر. ففي الحياة تتوازن الروح مع الجسد، وفي الموت يزول الجسد وتبقى الروح ، فأيّهما أنفع لكم في النهاية يا قليلي المعرفة؟

الجسد يظهر لكم والروح لا تظهر، ولكنّها تسير معكم وتتحدّث إليكم. وقد تكونون في مكان وتشعرون بأنّ أحداً لامس أجسادكم. تلك هي أرواح الذين تحبّونهم ويحبّونكم وقد ذهبوا إلى شواطئ بعيدة، وكلّما اشتاقوا إليكم أرسلوا أرواحهم لكي تذكّركم بهم، وتعيدهم إليكم. وقد تظنّون أنّ ما يبدو لكم هو أفضل ممّا لا يبدو، فهل الليل الذي يظهر أجمل من النور الذي لا يظهر؟ وهل الصوت القبيح الذي تسمعونه هو أرقُّ من ترانيم الملائكة التي لا تسمعونها؟

قد تقفون أمام الناس وأنتم في أجمل حلّة، وتفرحون بما ترتدونه من القشور، ولو أنصف الذين ينظرون إليكم لكانوا سألوكم عن أرواحكم التي تغيب عن عيونهم : هل هي جميلة أم غير جميلة؟

فكم في الحقول من أزهار رائعة في لونها، لكنّ رائحتها لا تطاق، وكم هي بخيلة أمواج البحر التي تعلو وتهبط ويتناثر زبدها في الفضاء، فإذا عطش الصيّاد رفضت أن تعطيه قطرة واحدة ليشربها. وكم هي كريمة تلك الساقية التي تكاد مياهها تغور في التراب، لكنّ قطرة واحدة منها تكفي لإنقاذ رجل غريب يكاد يموت من العطش. وكم تلتقون بأناس يعطونكم من أفواههم عسلاً ومن قلوبهم وأرواحهم سكاكين!

وإذا مجّدكم أحد وامتدح أمامكم ما فعلمتوه من الخير ، فلا تصدّقوا جميع ما يقوله، بل حدّثوه عن الخير الذي لم تتمكّنوا من صنعه بعد، وقولوا له: إنّ كثيراً ​من الكلام هو كالرماد في المواقد المنطفئة، والرماد يندثر ويزول.

وبعض الكلام الجميل لا يكون مرآة صحيحة تنعكس عليها الحقيقة، كما أنّ الكلام الذي يحقّر الآخرين ويشوّه أفضالهم لا يكون صادقاً أيضاً.

وإذا كانت وجوهكم مزيّفة، فإنّها ستنكشف في عيون المُبْصرين، لكنّ الأرواح لا تتقنّع ولا تنحصر في حدود، فهل لديكم مرآة تسمعون فيها أصواتكم وترون أحاسيسكم، ونبضات قلوبكم، وتلاحقون فيها أحلامكم؟ فحذار أن تحبّوا مرآتكم كما يفعل المغرورون الذين يتعشّقون أنفسهم ولا يريدون من أحد أن يسرق شهرتهم... هؤلاء لا يحبّون أن يعرفوا شيئاً عن أنفسهم إلاّ ما يشتهون أن تكون عليه، ولكنّ ما يرونه هو الأقنعة التي تغطّي وجوههم، فكيف سيتصرّفون عندما تتلاشى الأقنعة، وليس من أقنعة تدوم إلى الأبد؟!

وخلودكم

 

أنظروا إلى الحجارة الباقية. كلّ حجر يخبركم عن أناس كانوا هنا ورحلوا. فمَن زرعَ هذا الحقل لابنائه من بعده؟ ومَن حفر تلك الساقية وأهرق فيها بعضاً من عرقه؟ ومَن رفع تلك الأعمدة الجبّارة التي تصل إلى عنان الفضاء؟

أسماء غابت كما تغيب الشمس، لكنّها تصرخ من خلال الزمن الغابر لتذكّركم بمآثرالأوّلين، فجريمة أن تغيّبوا أسماءهم وتنكروا فضلهم عليكم.

لا شيء يولد من تلقاء نفسه، ولو وجدتم لي شيئًا واحداً يولد من غير خالق، لاقتنعت بما ذهب إليه من ينكرون فضل الله عليهم. والله أقدم من كلّ شيء موجود، فلماذا تمجّدون الجبال، والقمم والأوطان، وتمجّدون أنفسكم وتمدحون ما تجيء به عقولكم وأفئدتكم من علوم وفنّ وأدب وفلسفة، ولا تذكرون الفيلسوف الأكبر الذي علّمكم كلّ هذا؟

اسألوا البحر، فهو يخبركم بأنّه قطرة صغيرة في بحر كبير، وأنتم تخافون من أن تغرقوا في قطرة ماء. فيا لضعفكم وجبانتكم!

اسألوا العصفور: من علّمه أن يغنّي لكم لتطربوا وإلى أيّ مدرسة دخل لكي يتعلّم الموسيقى؟

إسألوا الحديقة الغنّاء كيف تزيّنت بأجمل ثياب، وهي لم تذهب إلى خيّاط ليصنع لها رداء؟ وصدقاً أقول لكم إنّه لو اجتمع كلّ صانعي العطور، لما استطاعوا أن يصنعوا لكم من عطرها. فاعلموا أنّ مَن سكب فيها هذا العطر هو أعظم من جميع هؤلاء، فكم مرّة شكرتم صانع العطور في السوق ولم تشكروا معلّمه الأكبر؟

أنتم تقولون إنّ الغيوم تصنع البحر، والبحر يصنع الغيوم، وتحكّون رؤوسكم لتعرفوا أيّاً منهما خلَق الآخر، ولكنّي صدقاً أقول لكم إنّ هناك مَن خلق البحر والغيوم معاً، ولكنّكم بالعلم والمنطق وصلتم إلى جهل.

قالت الشوكة للزهرة: لماذا جعلك الله أجمل منّي، وأرقّ عبيراً؟ وبعد قليل جاءت العاصفة، فاقتلعت الزهرة، وبقيت الشوكة، فشكرت الله على نعمة القوّة التي أعطاها لها، وحرمَ الزهرة منها، ولو كانت الزهرة قويّة لما غلبتها العاصفة. وهكذا أنتم كونوا أقوياء وتحدّوا العواصف، ولكن لا تقولوا إنّ القوة التي فينا لا يغلبها أحد.

كان في الجبال البعيدة حقل مهمَل، تركه الفلاّح للشوك والأعاصير. وكان في جوار ذلك الكرم كروم أخرى سهرَ عليها أصحابها، وتعبوا فيها. ولمّا جاء الصيف حملتْ عرائش الكرم المُهمل بعناقيد كثيرة، وامتلأت الكروم الأخرى بعناقيد ممصوصة وذابلة، فمَن أنتم لتحاسبوا الخالق على الحكمة في ما خلقَه لكم؟

وكان في البحر ملاّح مغامر، حلّ عليه الظلام ولم يصل إلى مرفأ حتّى ضاع مركبه، وخاف على نفسه من الغرق، وبعد أيّام دفعت به الأموج إلى جزيرة فيها كنوز، فاغتنى، وانقلب خوفه وعذابه في المجهول إلى فرح عظيم. ولكنْ لا يجب أن يقول ذلك الملاّح إنّه أغنى من الصحراء وأعظم من الكواكب المنطفئة.

لا تخافوا إذا تقطّعت بكم السبل، ووصلتم إلى أماكن لا تعرفونها، كما لا تغضبوا إذا رفضكم الناس

ولم يسمعوا ما تقولون، فمَن يبغضون الكلمة هم الذين يبست الكلمات على أفواههم، وأحبّوا الشتيمة أكثر من القصائد المعلّقة.

وأنتم تعلَمون أنّ كثيراً من الجبابرة الذين عاثوا في الأرض فساداً، كانوا يعتقدون أنّ حياتهم لا تنتهي، وعندما بلغوا من العمر عتيّاً وجدوا أنّ ما يفْصل ما بين يوم ولادتهم ويوم رحيلهم ما هو إلاّ جزء يسير من الزمان. ويمكنكم أن تتخيّلوا مقدار الندم الذي أكل أرواحهم، وهم يستعرضون المآسي التي أوقعوا الأبرياء والمساكين فيها، فأين خلود هؤلاء؟ أهو في التماثيل التي أقاموها لهم في كلّ ساحة؟ أم في الكتب الصفراء التي تغفل كثيراً من المساوئ وتظهر قليلاً من الحسنات؟... ولو أنصف الناس لهدموا تماثيل الظالمين، وما أبقوا منها إلاّ الغبار الذي تطير به الرياح، ولأحرقوا تلك الكتب الكاذبة، وجلسوا يحبّرون كتباً غيرها لا يزوّرون فيها حرفاً واحداً. وكم هم عظماء أولئك الملوك الذين تواضعوا في حياتهم، فكان موتهم مجداً وكرامة لهم! هؤلاء فقط يُذكرون بالخير وليس القتلة ونابشو القبور.

العباقرة الأربعة

 

دخلَ إلى المعبد رجل لا أعرفه، وبدا هادئ الطباع، حادّ النظرات، له شاربان خفيفان. كان يتأمّل في أرجاء المعبد ولا يتكلَّم، وكأّنّي به أخذته دهشة، لأنّ المكان يختلف عمّا رآه في الماضي من الزخارف والأعمدة التي ترتفع في المعابد. وبينما كنت أرحّب به وأسأله عن حاله، دخل علينا لصٌّ يضع على وجهه قناعاً، ويحمل سكّيناً كبيرة، وقال: أعطياني ما لديكما من أموال. فارتعد زائري وانفعل، بينما كان يأخذ ما في جيبه من نقود ويضعه في يد اللصّ، ومثله فعلت أنا. فخرج اللصّ على عجل وتوارى عن الأنظار.
قال زائري ولم يذهب عنه الوجل: أرأيت كيف أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الخيّرين؟ أليس من رجال شرطة في هذه النواحي نشكو إليهم أمرنا، ونطالبهم بأن يقبضوا على هذا اللصّ ويعيدوا إلينا أموالنا؟
قلت له: سمعتُ أحد الحكماء يقول: "إنّ الخير إذا جاع يطلب الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة"... فأنت الكهف المظلم الذي جاء إليه الخير ليأخذ منه طعامه، وأنا المياه المنتنة الراكدة التي جاء يسعى إليها في تعطّشه. وإذا كنت تتعجّب من أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الأخيار، فلا شكّ في أنّك لم تسمع كلام القائل: "ليتَ الظباء تستطيع أن تعلّم السلاحف كيف تجري بسرعة".
رمقني الرجل بنظرة غاضبة، ولم يقل شيئاً، لكنّه هرول من الباب مسرعاً، ولم أعد أراه منذ تلك الساعة.

ولم تمض دقائق حتى دخل عليّ رجل لا أعرفه أيضاً، وبعد التحيّة، قال لي إنَّه من بلاد أخرى تقع وراء البحر الكبير، وقد أمضى حياته يبحث عن الله ولم يجده، حتّى وصل إلى قناعة مفادها أنَّ وجود الله ليس ضرورة، وطالما أنّ الإنسان فيه القوّة والإرادة والعزيمة، فلماذا يحتاج إلى الله؟
قلت للرجل: لستُ أحكم عليك ولا أدينك في ما ذهبت إليه، ولكنّي صدقاً أقول لك إنّ في ساحة المعبد شجرة كبيرة، وقد يبستْ منذ زمن بعيد، وأردتُ أن أقتلعها من جذورها لأنّها لا تنفع لشيء، وطلبتُ من المكارين الذين يمرّون من أمام المعبد أن يربطوها بالحبال إلى خيولهم ويحاولوا اقتلاعها، فلم يفلحوا، فهل تقدّم لي خدمة صغيرة وتساعدني في اقتلاعها بيديك؟
نظر إليّ الرجل بتعجّب وقال: كيف أقتلعها بيديّ الاثنتين وأنت تقول إنّ الخيول لم تتمكّن من اقتلاعها؟!
قلت للرجل: لكنّ الله يستطيع أن يقتلع الشجرة من أصولها، وأن يُنزل عليها صاعقة فتشقّها إلى نصفين، ويمكنه أن يبعث طوفاناً في اللحظة فيجرف الأرض وما عليها، ونبحث أنت وأنا عن سفينة نوح لكي ننجو.
ارتبك الرجل وتلعثم، وكأنّي به لا يعثر على جواب. وعندما ودّعني ليمضي إلى سبيله، كان يجرّ أذياله على التراب. وفيما غاب في الأشجار الكثيفة متوجّهاً إلى البحر الكبير، كنت أودّعه بنظراتي، وأطلب من الله أن يرافقه ويَظهر له، فيعرفه عن قرب ويوفّر عليه مشقّة البحث عن المعرفة والعذاب من أجلها.
وما كاد زائري يختفي حتى جاء زائران آخران، أحدهما شرقيّ السمات،

والأخر غربيٌّ أشقر الشعر. بقي الشرقيُّ خارجاً ولم يدخل إلى المعبد، بينما دخل الغربيّ وسألني بلهفة: هل رأيتَ صديقاً لي أضعته منذ أيّام؟ لقد تعبتُ ولم أعثر عليه.

قلت: لعلّه الذي كان عندي منذ قليل وذهب في الغابة... إنّه غريب من وراء البحار البعيدة، ويعتقد أنّ الإنسان ليس في حاجة إلى إلهه.
أجابني الغربيّ: عرفته، وقرأت له... إنّه فيلسوف عظيم... لكنْ... لكنْ ما شأني به؟ أنا أبحث عن شيطاني الذي تآمر مع الله، وجاء لكي يدلُّني على طريق الشرّ،

ويرافقني في كلّ خطوة أخطو بها.
استغربتُ كلام الرجل، وسألته: هل تآمر الشيطان مع الله لكي يوقع بك؟
أجاب: نعم. وقد تعاهدتُ مع شيطاني على البقاء معاً، لكنّه تركني بينما كنت نائماً وانصرف. وقد التقى به صديقي الآخر الذي يمكث خارجاً.
-عجيب كلامك يا رجل... ألم يخبرك صديقك إلى أين ذهب الشيطان؟
-لا. لقد صادفَه على جسر، وتحادثا. وأعلن الشيطان أنّه هو الذي وفّر للبشريّة سبل التقدّم ودلّها على مسالك العلم... قال الشيطان ذلك واختفى، ولا نعلم إلى أين ذهب.
-ولماذا لا يدخل صاحبك إلى هنا، ويخبرنا عمّا جرى له مع شيطانك؟
-إنّه لا يحبّ المعابد.
-وهل هو مؤمن؟
-نعم... يؤمن بالله على طريقته ولا يختلف مع المؤمنين الآخرين إلاّ ببعض القشور.

-إذن هو يعرف الله، وإلهه لا يختلف عن إلهنا... من ليس ضدّنا فهو معنا... هكذا يقول المعلّم الأكبر.
-لا يهمّني ماذا يقول المعلّم الأكبر، أريد شيطاني.
-ولماذا تريده؟
-لأنّه يزيّن لي طريق الشهوة ويساعدني على عمل الشرّ.
فكّرتُ في كلام الرجل، وأدركتُ كم هو جاهل، على الرغم من ادّعائه العلم. قلت له بعجل:
كم كان عمرك عندما جاء الشيطان إليك؟
قال: كنت في الثلاثين من عمري.
قلت له: لقد وقعتَ ضحيّة النسيان وخانتك الذاكرة أيّما خيانة. فهل كنت لا تفعل الشرور منذ ولادتك حتّى أصبحت في الثلاثين من عمرك؟ وهل توقّفت عن عمل الخطيئة بعدما فقدت شيطانك؟
أجاب وهو يحكّ رأسه وكأنّه يستعرض الماضي الغابر من حياته كشريط لا يتوقّف: نعم فعلت الخطيئة، وأنا أفعلها الآن.
قلت: أنت رجل صالح حين تعترف بأنّك كنت خاطئاً وما تزال، وإنّني أعرف أنّ فيك كثيراً من الخير، فليس من إنسان يخلو من الخير والشرّ، لكنّهما يتصارعان في نفسه، فتارة يغلب الخير وتارة يغلب الشرّ. صدقاً أقول لك إنّ اللصّ الذي سرق أموال المعبد سيُطعم أبناءه الجياع، وقد يصادف رجلاً فقيراً مُعدماً يشحذ على الرصيف فيعطيه قليلاً من الدراهم. عُدْ يا بنيّ إلى منزلك، ولا تدع الوساوس تهيمن عليك، فليس من شيطان خارج الإنسان، والله ليس في حاجة إلى الشيطان لكي يساعده على الإيقاع بك. وقد أعطاك العقل لتفّكر وتختار.

كان الرجل بفكّر بصمت، بينما تابعت كلامي قائلاً: إنّ كثيراً من البشر يتركون الشرّ يتملّك أرواحهم، فلا يبقى من الخير في نفوسهم إلاّ قطرات قليلة، تشبه قطرات الندى على غصن شجرة، فهؤلاء هم الطغاة والظالمون، وبعضهم يغرقون في الخير وفي محبّة الله حتّى الاعتقاد أنّهم والله واحد، وكم قرأنا في الكتب عن أناس تعرّضوا للعقاب والجَلد والحرق لأنّهم قالوا كلاماً لم يفهمه الملوك. فلا أعتقد أنّ عاقلاً يستطيع أن يقول إنّه إله، ولكنّ المبالغة في الكلام أوقعت الكثيرين في المهالك... هل فهمت ما أعني؟
وبينما كنت أنتظر من زائري جواباً، صاح الرجل الذي في الخارج قائلاً: لماذا نضيّع وقتنا في جدال لا طائل منه؟ إنّ أمامنا عملاً كثيراً، فقد لا نستطيع بعد الآن العثور على الشيطان.
قلت للرجل الواقف أمامي: هل سمعت؟ إنّه يسعى وراء الشيطان لأنّه صدّق أنّه مسؤول عن تطوّر الخليقة. وصدقاً أقول لك إنّ الله وضع في كلّ واحد منّا عقلاً، لا ليمشي إلى الوراء، ولا ليتحجّر في شرنقة الجمود... نحن المسؤولون عن التقدّم والتأخّر، ونحن نحمل رسالة وعلينا أن نوصلها... وكم يكون فاشلاً مَن يتعب من حمل الرسالة فيرمي بها في الرياح قبل أن يبلغ هدفه.
انحنى الرجل أمامي انحناءة تعبّر عن شعوره بالرضى والاحترام، ثمّ غادر لينضمّ إلى صاحبه الذي سمعته يهذر: لقد كان على الجسر، ودعوتُه إلى بيتي، فشربنا معاً... وبعد قليل طلبتُه ولم أجده... يا له من شيطان... يا له من شيطان!

راقصة المعبد

 

في ليلة العيد، وصلت إلى المعبد امرأة جميلة، وقالت إنّها راقصة من بلاد الهند، وكانت تسافر مع فرقة لها، فسمعتْ أنّنا في المعبد نُقيم عيداً كلّ سنة، فأرادت أن ترقص في الساحة، ولا تريد أجراً لذلك، ما دام العيد للإله الذي تحبّه، وهي من غير دِيننا.

فرحتُ بما قالته الراقصة وشكرتُها على طيبة قلبها، وقلت لها: لا بأس إذا كنتِ سترقصينَ في المعبد، وليست لدينا مشكلة في ذلك، فإنّ الله يحبّ الجمال، ونحن نحبُّ الجمال أيضاً.

وكان بعضٌ من صحبي يسمعون حديثي مع المرأة الغريبة، فاقتربوا منّي وهم متعجّبون، وقالوا لي: ألا ترى أيّها الكاهن الأكبر أنّ الرقص من مظاهر الفساد والخطيئة؟

قلت لهم: كلاّ يا إخوتي. فإنّكم تقولون ذلك لجهلٍ منكم، وكم يلزمكم من المعرفة قبل أن تحكموا على الأشياء. فمتى كنتم تتعجّبون إذا رقص الرجل ولم ترقص المرأة؟ فإنّ الخطيئة ليست في الجسد الذي تنظرون إليه، بل في عيونكم التي تشتهي ذلك الجسد... نعم، إنّكم لا ترون من الراقصة ما في روحها من براءة، ولا تقرأون ما في عينيها من الحكمة، بل أنتم تؤخَذون بما يظهر من جسدها الضعيف ، وبعد أن تشبَعوا من النظر إليها ، تحاسبونها على ذنبكم، ومنها تنتقمون. أما رأيتم الرجل كيف يسعى وراء المرأة، وقد يشتري المتعة من نساء يبعْنها، ثمّ يمضي عنهنّ وينعتهنّ بأبشع الصفات.

لا تستطيع الراقصة أن تقتلع جسدها وترمي به في الغياهب، فاقلَعوا أنتم شهوتكم، وتعالوا إلى المرأة كما يأتي المستكشف إلى قارّة جديدة، فإنّ قدميه لا تجرؤان على ملامسة الأرض التي نزل عليها. واعلموا أنّ العيون التي تنظر فقط إلى القشور هي سكاكين في عنق الحقيقة، أمّا العيون التي ينعكس عليها جمال الله وصورته إنّما هي حدائق للمعرفة. فاحترموا هذه المرأة التي أحبّتنا وتركت جماعتها وصحبها من أجل أن تبدع لنا، ولننظرْ إليها كما ننظر إلى الفراشة الملوّنة، وكما نرى زهرة بيضاء تتمايل في النسيم، وكما نحدّق في السهل والقمر والوادي.

ليس عيباً أن ترقص امرأة، بل عيباً أن نشوّه جمالها بعيوننا وبألسنتنا، وما أحقر العينَ واللسانَ اللذين يحقّران، فإنّهما أداة في يد الشرّ!

وعندما ترتدي الراقصة ثياباً تكشف عن ساقيها وصدرها، فاثبتوا في براءتكم، وبدلاً من أن تتهامسوا فيما بينكم، فكّروا في أن تنظموا لها قصيدة لتعبّروا عن إعجابكم بها، ولا عيبَ إذا خضعتم لنزواتكم وأحببتم جسدها، لأنّكم تحبّون كلّ شيء صنعته يد الفنّان القدير، ولكن لا تجعلوا حبَّكم للجسد يقودكم إلى أن تتخلَّوا عن أرواحكم وتسقطوا في الوحول.

تركتُ أحبّتي وهم ينظرون واحدهم إلى الآخر، ويفكّرون في ما قلته لهم. وانصرفت إلى المعبد لأقرأ في كتاب "الحقيقة غير الكاملة"، فوقع نظري على كتابة أنيقة تقول: "كانت المرأة مقدّسة في العصور الغابرة، وكان بعض الملوك يسجدونَ لها، ولكنّ الزمان تغيّر، فاستغلّ الملوك جسدها، وحوّلوها إلى راقصة في هياكلهم، وإذا كافأوها على جمالها، فإنّهم يكافئونها بالغدر والاحتقار."

عبادة الذات

 

إحذروا الذين يعبدون ذواتهم، فهؤلاء أخطر من القاتلين. فلا شيء يردعهم عن الخطيئة لأنّهم ولدوا منها ويموتون فيها.

سيتربّصون بكم على الطرق، وفي القفار البعيدة، فلا تأمنوا أن تديروا لهم ظهوركم، ولا تنخدعوا بالكلام الجميل الذي يصدر من أفواههم، فإنّهم أكثر الناس ادعاء بالمحبّة والتواضع والعبادة. وهم يملأون بيوتهم بصور الأتقياء والقدّيسين، بينما يعلّق الودعاء تلك الصور في قلوبهم.

ولا تقولوا كلاماً أمام هؤلاء، فإنّهم سيسارعون إلى الحاكم ويخبرونه بأنّكم حرّضتم الناس عليه، على الرغم من أنّ رسالتكم ليست ضدّ مَن يحكمون بل ضدّ مَن يتحكّمون.

الصالح يفعل ما هو صالح، وقد يفعل قليلاً من الشرّ، والشرّير يفعل ما هو شرّ، أمّا الخير الذي يفعله فيشبه حبّة رمل في محيط، ولو ارتدى الشرّير الثياب الجميلة، وتقلّد بالذهب، ووقف يخطب بالكلام الرقيق أمام الرعيّة، فاجتنبوه. فكم من وجوه سوداء تتخفّى لكي لا تراها العيون، وكم من قلوب مليئة بالحقد تتظاهر بالنقاء والفضيلة!

الإنسان يشبه الكرمة التي من غصنها تخرج عناقيد طيّبة وعناقيد مُرّة تدوس عليها الأقدام. فاحرصوا أن تكونوا أنتم العناقيد التي يأخذها الزارع إلى السوق ليعرضها ويفتخر بها، ولا تكونوا عناقيد ليس منها فائدة. وإذا كنتم في

يد الزارع وحقَد عليكم الحاقدون، فاعلموا أنّ هؤلاء لا يطيقون أن يروا أحداً أفضل منهم، وأنّ الشتيمة ولدت في قلوبهم وكبرت وترعرعت على ألسنتهم... إنّ كلام الحاقد لا ينقص من أجركم، بل يخبر عمّا في روحه من أذى.

الحاقد يتأبّط الشرّ، ولا يتخلّى عنه إلاّ عندما يصبح في القبر، وفي رحلته إلى الأبديّة ينشر الخراب والبؤس، ولو كان لا يجني منهما شيئاً. فالحقد لا يُباع ولا يُشترى، ولكنّه طبع في النفوس. وأنتم لن يعلّمكم أحد الحقد لأنّ في قلوبكم الإيمان.

أنظروا إلى الشمس كيف تدفق عليكم بالنور والنعمة، وعندما يحلّ الظلام تضيع بكم الدروب، فتضيئون مصابيكم. وحقاً أقول لكم إنّ المصباح ليس أقوى من نور الشمس، ولكنّه ينفع وينتصر على العتمة التي تحيط بكم من كلّ جانب، وإنّ شمعة صغيرة قد تنقذ إنساناً من الضلال.

النور على صِغره يحيي والظلام على صغره يميت، ومهما طغى الحقد وتجبّر فإنّه لا يمحو النور، والنور خالد.

لا تعرّضوا أنفسكم للخطر عندما تقابلون من يعشقون ذواتهم، وكونوا على يقين أنّهم يظهرون دائماً بمظهر العالِمين، فإنّ العلِم كلَّه يوجد فيهم. ولشدّة غرورهم وتعاليهم فإنّهم يحشدون أنصاراً لكي يمدحوهم ويتغنّوا بمآثرهم، وهم جميعاًيشبهون ملكاً ورِثَ الحكم عن والده، لكنّه نشر الظلم في الرعيّة وسلّم مفتاح المدينة للاعداء، ولكي يغطّي فشله، جمع حوله طائفة من المرنّمين لكي يتغنّوا بأمجاده، والأمجاد عنه بعيدة كما تبعد الثريّا عن الثرى.

أنتم المطر الذي يهطل من السماء، ولا أحد في جبروته وقوّته يمكنه أن يوقف

المطر عن الهطول إلاّ ربّ المطر، وجنود الأرض وقوّاتها ليسوا أقوى من الرياح التي تهبُّ على الغابة فتعرّيها، ولا أعتى من الأمواج التي تضرب الصخور وتفتّتها يوماً بعد يوم.

بهذا أوصيكم وأعلّمكم لكي لا تيأسوا وتستسلموا. فهل رأيتم سلطاناً يصدر أمراً باعتقال العطر الذي في الزهرة؟ وهل سمعتم أحداً يقول إنّه استطاع أن يصادر الأغنية العذبة ويرمي بها في غياهب السجون؟

أغنيتُكم هي سلاحكم، فأنتم لا تحملون السيوف كما يحملها أعداء الإنسان، ولا تقاومون مَن يشتمونكم ويحقّرونكم بالكلام الذي يشبههم، فلكي يعرفكم الناس ويعرفوا من أجل ماذا أتيتم، كونوا هادئين وثابتين في محبّتكم. واعلموا أنّ قوّة المرء ليست في الخراب الذي تصنعه يداه بل في البرّ يسعى إليه. وكم ترون أناساً يقفون على الخراب ويفرحون به، وترون آخرين يعملون البرّ ولا يتفاخرون.

إنّ لكم عيوناً ترى ما في الأعماق، وآذاناً تسمع ما وراء الكلام، وعقولاً تكتشف ما هو أبعد من البعيد، فافهموا أنّ مَن يكذبون عليكم يقتلونكم مرّتين، أمّا الصادقون، فصدْقهم على وجوههم، وهم الذين تحيَون بهم ويحيَون بكم، وعنهم لا تفترقون مهما كانت وعورة الحياة.

العدالة والقوّة

 

كان في مدينة بعيدة ملك جبّار، لكنّه غريب الأطوار.

وذات ليلة رأى حلماً، فاستدعى أحد مستشاريه وأخبره به، فقال: رأيتُ أبي، رحمه الله، ينزل من السماء ويقول لي: عليك أن تجعل أغنى الأغنياء فقيراً وأفقر الفقراء غنيّاً وأن تقيم العدالة بينهما، وإذا لم تفعل ذلك، فإنّ الأعداء سينتصرون عليك، وسيدخلون إلى المدينة ظافرين فيقتلون الأبرياء، ويهدمون البيوت، ويأخذون النساء والأطفال عبيداً.

ارتعد المستشار ممّا سمعه، وبعد تفكير قال للملك: ليس لي رأي يا مولاي سوى أن تحقّق ما طلبه والدك منك، فماذا تخسر لو فعلت ذلك؟

وفي اليوم التالي، طلب الملك من جنوده أن يبحثوا عن أغنى الاغنياء وعن أفقر الفقراء، ويجيئوا بهما إليه.

وحضر الرجل الغنيّ والرجل الفقير إلى القصر، فسألهما الملك عن أحوالهما، فقال الأوّل إنّ كرومه تفيض بالغلال، وأملاكه واسعة، وقد اشترى ذهباً وكنوزاً كثيرة. وقال الثاني إنّه لا يشكو من شيء وإنّه راضٍ بما قسمه الله من نصيب.

قال الملك للفقير: ولكنّ جنودي أخبروني بأنّ هذا الرجل الثريّ يضطهدك ويحمّلك الأحمال الكثيرة، فهل صدْقٌ ما رواه الجنود؟

أجاب الفقير بتلعثم: لا... لا... يا جلالة الملك... لم أرَ من سيّدي إلاّ الخير.

قال الملك بصوت قويّ: إسمع أيُّها الكاذب. إذا لم تقل الحقيقة فإنّني سأرميك في السجن ولن أخرجك منه وأنت حيّ. هل فهمت؟ وأنتَ أيُّها الغنيّ، لا تكذب عليّ وإلاّ كان مصيرك السجن أيضاً.

قال الغنيّ: أنا أعمل يا جلالة الملك بحسب الشريعة التي أعرفها. فهذا العامل واحد من أملاكي، أستخدمُه في حراثة الأرض، وفي الزرع والضرع، وفي رعاية الماشية، ولي الحقّ أن أفرض عليه العمل من الفجر إلى الليل.

قال الملك: ولكنّي سمعتُ أنّك أرهقتَه بأعباء لا يقوى عليها، فإذا اصطكّت ركبتاه ضربتَه بالسوط وأمرتَه بأن يتابع عمله من غير شفقة ولا رحمة. وسمعتُ أيضاً أنّك تركب الحمار إلى الجبل وتجعل هذا المسكين يسير وراءك، وعندك كثير من الحمير التي ترعى في الحقل ولا تسمح له بركوب واحد منها... هل هذا صحيح؟

أجاب الغنيّ بخوف: نعم أيُّها الملك الجليل... أنا أفعل ذلك.

نزل الملك عن عرشه وخطا بخطوات قليلة نحو الرجلين وقال لهما: حسناً إذن، منذ هذه اللحظة، سؤخذ أموال الغنيّ وأملاكه وبيوته وتُعطى للفقير، ويصبح الغنيّ عاملاً لديه، ويعامله بمثل ما عامله...

ارتعدت فرائص الغنيّ وكاد يسقط على الأرض خوفاً ودهشة، وأراد أن يحتجّ، لكنّ لسانه انعقد.

وبعد برهة قال متسائلاً: كيف... كيف ذلك؟... الرحمة أيُّها الملك العظيم... الرحمة...

وبينما هو يقول ذلك أخرجه الجنود، وتبعه الفقير الذي لا يصدّق ما تسمع

أذناه.

… وبعد مُدّة، أراد الملك أن يعرف عن أحوال الغنيّ والفقير شيئاً، فاستدعى إليه الفقير الذي أصبح غنيّاً، فجاء إليه ولم يكن يرتدي ثياباً غالية الثمن، ولا يتزيّن بالجواهر. فسأله الملك عن حياته وعمّا إذا كان يعامل الغنيّ الذي أصبح فقيراً بمثل ما كان يعامله، فقال الرجل: سامحني يا جلالة الملك على صدق نيّتي وقلبي الرقيق، فإنّني لم أستطع أن أظلم سيّدي كما كان يظلمني، وقد عانيتُ من عذابه الكثير، فأشفقتُ عليه أن يذوق عذاباً مشابهاً...

قال الملك بحدّة وغضب: لقد خالفتَ أوامري، وأنت تستحقّ العقاب... وسأدعو السجّان في الحال لكي يضع الأصفاد في يديك... كيف تجرؤ على عدم إطاعتي وقد أغنيتك بعد فقر، وأنعمت عليك بما لم يخطر في بالك... يا ناكر الجميل؟

قال الرجل الذي أصبح غنيّاً وهو يرتجف من الخوف: هل تسمح لي يا مولايَ بكلمة؟... إنّ هناك في معبد الروح كاهناً للحكمة، فأرجو أن تسمح باستدعائه وأخذ رأيه قبل أن تحكم عليّ...

-ومن هو هذا الكاهن؟

-إنّه رجل عجوز، وقد صادفتُه ذات يوم بينما كنت أنقل الحطب على دابّتي... وتحدّثتُ إليه...

-هل المعبد قريب من هنا؟

-كلاّ... ليس قريباً... مسيرة يوم واحد... أنا مستعدّ أن أذهب إليه وأستدعيه... وأقول لك الحقيقة: أنا أحبُّ هذا الكاهن، وقد ذهبتُ إليه بعدما أصبحتُ غنيّاً،

ونصحني بأن أكون عادلاً ولا أظلم أحداً... وهكذا فعلت.

-أمرُه غريب. إذهبْ إليه وليأتِ إلى هنا... لديك مهلة يومين، وإلاّ فالويل لك!

***

حضرَ الكاهن إلى القصر، وبعد التحيّة خاطبه الملك قائلاً: أنتَ الكاهن في معبد الروح الذي أشار على أحد أبناء رعيّتي بأن يخالف أوامري.

قال الكاهن وهو ينحني باحترام: أنا هو الكاهن، وقد جاء يسألني عمّا يفعله لكي يقيم العدالة.

-وهل العدالة تسمح بأن يكون المرء غنيّاً فيصبح فقيراً، وأن يتحوّل الفقير إلى غنيّ.

-لست أعلم كيف حدث هذا. ولكنّني أعلم أنّ الحكمة أعلى مقاماً من العدالة.

-أنت تخالف الشريعة.

-الشريعة لا تقول كلّ شيء كما نفهمه. علينا أن نفكّر كثيراً قبل أن نحمّل الشريعة كلّ ما نرتكبه من أخطاء...

-هل تقول إنّ ما فعلتُه كان خطأ؟ أنت تهين أمجادي.

-سامحني يا جلالة الملك، فقد طلبتَني لكي أكون صادقاً لا لكي أكذب عليك.

-إذن، عليك أن تبرهن لي كيف أنّ الحكمة أقوى من العدالة. وإذا أقنعتني سأعفو عن الفقير الذي أصبح غنيّاً، وإذا لم تقنعني فسوف أعيده فقيراً معدَماً، وسأعاقبه أيّما عقاب.

فكّر الكاهن قليلاً، ثمّ سأل: هل عندكم سجناء في هذه المدينة؟

أجاب الملك مستغرباً: عندنا مساجين... بالطبع... وهل تريدنا أن نطلق

سراحهم لكي تنتصر الحكمة على العدالة؟

-معاذ الله يا جلالة الملك. ولا شكّ في أنّهم مجرمون وسارقون ومغتصبون وصانعو الإثم... إنّ المجرم يجب أن يعاقب لكي لا يكرّر فعلته، فإذا فتحنا باب السجن لجميع المجرمين ووجدنا لهم أعذاراً لكي نعفو عنهم، لامتلأ العالم بأساليب القتل والدمار. لكن ليس علينا أن نعامل البشر كما تعامل الحيوانات. فللإنسان كرامته وإن كان قاطع طريق...

تعجّب الملك من كلام الكاهن، وسأله: إلى أين تريد أن تصل؟ هل تختصر وتفيد؟

-نعم... سأختصر. فإذا كنّا يا سيّدي نعاقب المجرمين على أفعالهم، فكيف نحاسب غير المجرمين؟ وهل نجازي الناس على شرورهم كما نجازيهم على فضائلهم؟ إنّ الذين فقدوا أبصارهم يميّزون بين فاعلي الشرور وفاعلي الخير.

-لم أفهم بعد...

-إنّ الحكمة تقضي بأن يبقى الغنيّ غنياً، وأن يعطي من أمواله للفقراء والمساكين ويرحمهم. وقد جاء إليّ الفقير الذي اغتنى فنصحته بأن يعيد كثيراً من أمواله إلى سيّده، غير أنّهما لم يعملا بنصيحتي خوفاً من سوء العاقبة. وبما أنّك يا سيّدي قرّرت أن تُغْني الفقير وتفقر الغنيّ، فهذا لا يمنع حديث النعمة أن يكون بريئاً وفاضلاً ورحيماً... وإذا عاقبت هذا الإنسان البريء فإنّ حاله ستكون كحال مَن سجنتهم من أصحاب الشرور، وليس من شريعة ولا من حكمة ولا من قوانين تساوي بين مَن ينزلقون إلى هاوية الخطيئة، ومَن يصغي إلى صوت ضميره ويريد أن يكون طاهراً وبريئاً.

فكّر الملك لحظة، وهو يمشّط لحيته الشقراء بأصابعه، وقال بينما كان يتأمّل الكاهن من رأسه إلى أخمص قدميه:

صدقتَ أيّها الكاهن الحكيم. لقد أقنعتَني بصدق نظرتك، فشتّان بين مَن يقتل ومَن يرفض القتل لرحمة في قلبه... سأطلب من الفقير الذي أصبح غنيّاً أن يعيد من أمواله إلى الغنيّ الذي أصبح فقيراً... فإنّه لن يخسر شيئاً إذا فعل ذلك، وسأكافئه لأنّه غفَر لمن أساء إليه، وإنّ أبي الذي في السماء لن يغضب، بل سيكون فرحاً ومغتبطاً بما فعلناه جميعاً.

 

​الوردة والعبير

 

كان يوم ربيع... نيسان أخضر يمدّ بساطًا ويفترش الحقل، لكنّ وردة وقعت من يده، فارتفعت في الفضاء، تتباهى بجمالها. وتتمايل مع النسيم العليل كراقصة تاهت في رقصها، وتهادت في غلالة رقيقة تكشف عن أسرار جسدها.

النسمات الرقيقة لا تحبُّ أن تجْرح الوردة فيتألّم الربيع، وتسيل دموع على الأزرار الصغيرة التي لم تتفتّح بعد، كأطفال ما زالوا في أسرّتهم.

لم يكن شيء في ذلك الصباح المشرق يشْبه تلك الوردة الأنيقة، ولعلّها كانت تعرف مقدار البهاء الذي انْطبع في وجنتيها، فأمعنتْ صُعداً في الكبرياء حتّى كادت تنقطع، وتسقط على الأرض جثّة بلا حياة.

غير أنّ الهواء الذي كان يدور حول الوردة ويضمّها، لم يستطع أن يملأ من عبيرها في رئتيه، فاستغرب وسألها: أين هو العطر الذي يخرج من أنفاس الورود وينسكب في كؤوس رقيقة، فيسكَر ويُسكر؟

خجلت الوردة ممّا سمعت، ولم تنبس ببنت شفة. فأردف الهواء قائلاً:

لقد رأيت في أسفاري البعيدة كثيراً من الأزهار والورود التي يسطو عليها السارقون وتُغير عليها الفراشات، فإذا بعبيرها لا يزول ولا ينتهي. فأرجو ألاّ تحزني من صراحتي... لقد ولدتِ جميلة وترعرعتِ في أحضان الجمال، لكنْ ينقصكِ الكثير... وإنّ في جعبتي بعضاً من العطر الذي أستطيع أن أسكبه فيكِ، فماذا تقولين؟

قالت الوردة: لكنّني من جسد والعطر من روح. أنا على الأرض وهو في

السماء. تبّاً له من أحمق... لقد مرّ من هنا بالأمس، ورجوته أن يخفض جناحيه، فارتفع وغاب عنّي ولم يسمع كلامي.

قال الهواء مستغرباً ما سمعه: لا تحزني أيّتها المخلوقة النبيلة. فإنّ مِن صفات الروح أن تعلو، ومن صفات الجسد أن ينحدر، فالروح لا تعانق التراب، والجسد لا يرتفع إلى الأثير. والويل لمَن انحدرت روحه وجسده في قت واحد، أمّا أولئك الذين يرتفعون بأرواحهم وأجسادهم معاً، فهم المختارون، ووجودهم نادر. إنّهم يشبهون كنزاً مخبوءاً في جزيرة بعيدة، وعبثاً يبحث عنه المغامرون، وقد يظهرون بيننا من حين إلى حين، فنتبارك منهم ونغتني من أفضالم... لا تستسلمي لليأس والقنوط، ولا تقتنعي بأنّ الجمال الذي فيكِ هو كلّ الجمال، فالربيع هو الذي وهبك الحياة، وأرادك أن تكوني ما أنتِ عليه، ولا أحد يستطيع أن يعاقب مَن يعطي على عطائه.

-أخشى على العطر أن يموت معي لو جاء الشتاء، وكسرتني العواصف، وغمرني الفيضان... سأتبدّد أنا من غير شكّ، وهو كذلك...

-كلاّ يا ابنتي. إنّه لن يتبدّد، وأنتِ لن تموتي أيضاً... العطر سيذهب معي إلى الخلود، فأحمله في جعبتي وفي طيّات ثوبي... وأنت ستولدين من وردة أخرى ستشقّ التراب وتخرج من العدم، في المكان نفسه، وفي هذا الحقل بالذات.

اغتبطت الوردة بهذا الكلام، وتفضت قطرات الندى عن أوراقها، ونظرت إلى الشمس المشرقة التي تنحدر عن قمّة الجبل لتلامس بحنانها ورفقها أشجار الغابة. وشعرت بما تشعر به العروس قبل ليلة من موعد زفافها إلى العريس. ولم تمضِ برهة، حتّى كانت موجة من الرحيق تحيط بها وتحلّ في قلبها، وارتفعت بعد ذلك أصوات البلابل والشحارير في الجوار، تغنّي قصيدة جديدة، وتُمجّد الروح والجسد اللذين تعانقا بفرح، ويطمحان للبقاء معاً إلى ما بعد الأبد.

غبيّ مَن يقول إنّها كذلك

 

المرأة ليست خادمة لكم، ولا جارية تتعرّى في أسرّتكم. فمزّقوا الكتب القديمة وحطّموا التماثيل التي رفعها الغابرون في أفكاركم. واحملوا نساءكم في أرواحكم لكي لا يخرجوا منها بعد. لقد رأيتكم تضطهدون النساء وتأخذون زوجاتكم إلى الحقول فيعملنَ في الأرض اليابسة ويعصرنَ من الكروم خمرة ولا أشهى، ويعجنّ ويخبزنَ لتأكلوا، أفلم تشبعوا بعد من خمرة العصور ومن الخبز والجسد.

وسمعت أنّ المرأة عندكم آلة تحبّونها عندما تكون جميلة وتكرهونها حين تكبر وتشيخ، فهل أنتم لا تكبرون ولا تشيخون؟ وهل نظرتم في مرايا أنفسكم لتعلموا كم أصبحتم عاجزين عن الفهم والتخيّل، ولتفهموا أنّ المرأة ليست شجرة إذا أثمرت تقدّسونها، وإذا يبست تقطعونها من الجذور؟

وعندما تحبّ المرأة رجلاً غير زوجها، فأنتم تعاقبونها وتصفونها بأقبح النعوت، فهل عاقبتم الرجل الذي أحبّها هو أيضاً وتحتقرونه كما احتقرتموها؟ أم هي أحبّت وحدها واضطجعت مع رجل من الخيال لا تعرفونه وليست لديكم وسيلة للعثور عليه؟

إذا كانت امرأة تبيع جسدها، فإنّ رجلاً يشتري منها، وكلُّ واحد يبيع لأنّه محتاج، وكذلك مَن يشتري. وقد رأيتكم تحاكمون مَن يبيع ولا تحاكمون مَن يشتري. وصدقاً أقول لكم إن التاجر الغنيّ الذي يأخذ بعضاً من ذهبه وفضّته إلى السوق، ولا يجد من يشتريه،

لا يتركه عندما تقفل السوق أبوابها لكي يسطو عليه السارقون، أو يستولي عليه المارّة، بل إنّه يحمله ويعود به إلى البيت لكي يخبّئه في صندوقه.

وعندما يبيع الرجل نفسه إلى امرأة، فمَن تحاسبون؟

إنّكم أيضاً تحاسبون المرأة، وتعفون الرجل إذا اشترى أو باع، فأين عدالتكم يا قليلي الإيمان؟

وليست كلّ امرأة تعطي جسدها من أجل المال، فالمرأة التي تحبّ قد تعطي جسدها أيضاً، في الحالتين يعطي الرجل جسده أيضاً. فلا تنظروا بعين واحدة وتهملوا العين الأخرى، فقد تكون العين التي أهملتموها هي التي ترى بصدق، وتلك التي تنظرون بها لا تعرفون بها الحقيقة إلاّ كما تريدون أن تعرفوا.

وتطلبون من المرأة أشياء كثيرة لا تطلبونها من الرجال، والله لا يميّز بين أبنائه، أمّا التقاليد التي تميّز فأنتم وضعتموها لغاية في أنفسكم، ولكي تنفعكم... وليس من أجل الحقّ.

جاءني رجل بالأمس إلى المعبد وكانت زوجته تسير وراءه وكأنّها تابعة له، فقلت لهما: كان أجدى بكما أن تسيرا معاً، فلا أحد منكما يسبق الآخر، لكي تتمجّدا بالحبّ الذي أعطيَ لكما، ومن غيرِه لا معنى للحياة. وعندما ذهب الرجل إلى عمل له أوصى امرأته برعاية الماشية، وبأن تطحن القمح، وتأخذ الماء من النبع الذي في الغابة إلى المنزل البعيد. وما إن غاب الزوج حتّى اشتكت المرأة من التعب الذي يسحق أيّامها ولياليها، وقالت إنّها أصبحت لا تطيق أن ترى رجلاً بعد أن عانت من اضطهاد زوجها لها، فقلت لها: إنّ الأرواح القويّة لا تتعب، بل الأجساد هي التي تتعب، وأنتِ تحملين الأحمال الثقيلة

لا من أجل زوجك بل من أجل الحياة التي تحتضنكما معاً ولا تفترقان. ولست أقول هذا لكي أدعوكِ إلى مزيد من المعاناة، بل لكي تصبري، والأجدى أن تتقاسمي مع الرجل أعباء تلك الحياة، ولا تقولي أمام الناس إنّك تكرهين الرجال، فالضغينة ليست من عمل الإنسان بل هي دخيلة عليه، بسبب الشرّ الذي ينتصر على الخير ويطعنه في الصميم بينما يكون نائماً. وكم رأيت من النساء اللواتي يرفعنَ الصوت من أجل الحرّيّة، فما أكرمهنّ وما أعظمهنّ! وكم رأيت من النساء اللواتي يحتقرنَ الذكور، فإذا احتلّت المرأة منصباً كبيراً جاءت بكلّ النساء ليعملنَ معها ورفضت كلّ الرجال ولو كانوا أكثر قدرة وعلماً وفكراً، فإنّ هذا انتقام بشع لا يستقيم مع الحضارة، وتمييز مهين لا يليق بالمرأة التي ناضلت طويلاً لكي تمحو آثار التمييز عن جسدها ومن تاريخها.

وإنّي لأسألكم: ما هو ذنب الأبناء إذا كان آباؤهم قد ارتكبوا جريمة أو فعلوا إثماً؟ وهل يُعفى من العقاب مَن يعاقب الناس على ذنب لا يعلمون عنه شيئاً؟

غبيّ من يقول إنّ المرأة لا تساويه، وغبيّة من تقول إنّ الرجل لا يساويها. كلاهما جزء من الكلّ، وأساس في البيت الذي إذا انهارَ ركن من أركانه لا يسلم قاطنوه من الخراب، وإن كانوا عنه غائبين.

 

الرجل العائد من الحرب

 

أخبركم عن رجل ذهب إلى الحرب التي اندلعت نارها في المدن القريبة، ومات فيها كثيرون، وتهدّمت بيوت.

كنتُ في المعبد آنذاك أصلّي لإله السلام لكي ينتصر على الإله الآخر الذي استعبد الأرواح وأذلّها... كان الإلهان يتصارعان في أرواح الناس، وما نتج من ذلك الصراع هو هزيمة ليس أبشع منها. غير أنّني لم أغضب من أولئك المتحاربين، وكنت أدعوهم إلى وليمة السلام الجميل الذي يُزهر في حدائقهم ويثمر في كرومهم، وقد سمعوا دعوتي بعد سنوات من الحصاد المرير، وعادت

أنوار الحبّ والفضيلة تشعشع فوق المنازل التي كانت بالأمس تودّع أبناءها وتبكي عليهم.

عرفتُ الرجل أثناء الحرب، ولكنّني بعدها عرفته إنساناً آخر. كان يأتي كلّ يوم إلى المعبد فيصلّي بحرارة، ويبكي أحياناً بكاء صامتاً، فتنهمر الدموع من عينيه. وذات يوم اقترب منّي وسألني: هل تسامحني الشريعة بعدما صبغتُ روحي بالسواد وقتلتُ الإنسان الذي في داخلي؟

قلت للرجل وأنا أشفق عليه من عذاب نفسه: إنّ الحرب لا تقتل الأعداء فقط، بل تقتلنا نحن أيضاً، ولذلك فإنّ جميع من حاربوا في الماضي البعيد وانتصروا على أعدائهم ما زالت أصداء انكساراتهم تتردّد في العصور. وإذا فتحنا كتاباً وقرأنا فيه عن انتصارات فإنّها انتصارات عابرة، هي كالملح في الماء، لأنّ مَن ​ينتصر اليوم ويحتفل بأمجاده

 ينهزم في اليوم التالي وتنهار أمجاده تلك... لقد غرقنا في الوحول حتّى أعناقنا، فماذا جنينا؟ وما هو الزرع الذي تركناه لأبنائنا وقد أصبح نصفهم في القبور والنصف الآخر ينتحب عليهم ولا يعرف كيف يسير في دروب الحياة؟ وصدقاً أقول لك إنّ الأحياء قد يعانون من جرّاء الموت أكثر ممّا يعاني الأموات أنفسهم.

-حقيقة ما تقوله أيّها الكاهن، ولذلك أقف أمامك حزيناً ومتألّماً، ولا تذهب من خيالي تلك الصورة البشعة... فكيف أنسى وأسامح ذاتي؟

-الزمان يعلّمك النسيان. ويوماً بعد يوم ستتلاشى الصَور التي تلحّ عليك، ولن تراها إلاّ في أزمنة متباعدة...

- إلاّ صورة واحدة... لن تبرحني ما دمت حيّاً. ولا تزال صرخ في ضميري، كما كان قايين يسع صوتاً من السماء، ويهرب في البراري...

-أنت تهرب إذن، وتدخل إلى هذا المعبد لكي تنجو بنفسك...

-صحيح أيّها السيّد، فإنّني أشعر هنا بمتعة الاختباء، مثلما يشعر الطائر الذي يطارده الصيّاد بالأمان وهو يلتجئ إلى الصخور العالية حيث لا تصل عين. لكنّ خيبتي تلاحقني أينما اتجهت، ومرارة في حلقي لا تفارقني في الليل والنهار.

-هل قتلتَ أحداً؟

-أنت تسألني هذا السؤال وتعرف أنّ من يذهب إلى الحرب لا يستطيع أن يبرّئ نفسه من الجريمة، مهما أوجد لنفسه من الأعذار. وبعض الناس يتظرون إلى الذي يدافع عنهم على أنّه بطل، ولا يسألونه إذا كان قد قتل أحداً أم لا، وإذا سألوه فالأجدى أن يبالغ في الحديث عن فظائعه وإلاّ اعتبروه جباناً ولا يستحقّ صفة البطولة. ولذلك سمعتُ من رجال كانوا

يحاربون معي قصصاً لا تُصدّق عمّا ارتكبت أيديهم من جرائم... لقد قتلتُ... نعم... قتلتُ مرّة واحدة... لكنّها كافية لأن أتّهم نفسي بأّني قتلت الناس جميعاً، وقتلت معهم روحي أيضاً.

كان الرجل يمضي في كلامه، وقد تهدّج صوته، واصفرّت ملامحه، وكأنّ مشهداً مرعبًا قد مثل للتوّ أمام عينيه. وبعد أن زاغت نظراته في أرجاء المعبد، نظر إليّ بانكسار، وقال: قتلتُ صديقاً لي...

تعجّبت ممّا يقول، ولم أسمع من قبل أنّ الأصدقاء يتقاتلون في الحروب. وتابع محدّثي كلامه قائلاً: كنّا طفلين بريئين في القرية، نلعب معاً، ونتسلّق الصخور ونجري إلى البيادر. ولم نكن نعرف إلاّ البهجة من حياتنا. وكنّا نسكن في منزلين متجاورين، فوالده ليس من القرية نفسها، ولكنّه جاء إليها مع أسرته من مكان بعيد، فاشترى أرضاً وبنى عليها بيتاً، وكان له متجر صغير يشتري منه أهل القرية ما يحتاجون إليه... كبرتُ مع صديقي في تلك القرية ولم يكن لي صديق غيره... وذات يوم، بينما كنّا في الوادي تعثّرتْ رجلي وسقطتُ عن صخرة عالية، وكدت أموت بسبب الجروح التي أصابتني في جميع أنحاء جسدي. وقد حملني صديقي على ظهره إلى القرية، بعدما صرخ طويلاً ولم يسمعه أحد، وهكذا نجوتُ بفضله، ووعدته منذ تلك الحادثة بأّني سأردّ له جميله أضعافاً... وعندما نشبت الحرب، ترك أهله القرية وانقطعت أخباره، ولم أعد أعرف إلى أين ذهب... وما حدث لنا لم يكن غريباً في تلك الأيّام، فقد تفرّق الأهل، وناصب الأخ لأخيه العداء... ولم يكن غريباً أيضاً أن أحمل السلاح، فقد كان زينة الرجال وعلامة المجد الفارقة... وكنّا عندما نعود من القتال تنثر النساء علينا الورود وكأنّنا في عرس...

توقّف الرجل برهة عن الكلام، فقلت له وأنا أهزّ برأسي مشفقاً على حاله: إنّه الجهل الذي ما بعده جهل يا بنيّ... لقد كان أحرى بأولئك النساء أن ينثرنَ الورود على الحياة التي تستقبل أبناء الحياة، وعلى النهر الذي يسقي العطاش، وعلى الطريق التي توصل إلى الخير والفضيلة... وكان عليهنّ أن يشعلنَ الشموع في المعابد لإله السلام لكي يعود ويبسط يمينه على الأمم، وأن يأخذنَ البنادق من أيدي الرجال ويعطوهنّ زنابق ليزرعوها في حدائق الأمل...

قال الرجل: كان أهل القرية غائبين عن عقولهم ومخّدرين من رائحة البارود والنار... أبشع ما في الحروب هو أنّها ضدّ النور والحقيقة.

-عين الصدق ما تقوله، فما رأيت إله السلام كارهاً للحقيقة، وأبناؤه دعاة لها في مشارق الأرض ومغاربها. وكم أغبط أولئك الفلاسفة والمفكّرين الذين رحلوا عنّا، وما زالت أفكارهم تسير بيننا وتدعونا إلى الصواب، أمّا الذين دعوا إلى الشرور فقد صاروا خبراً أسود في الكتب العتيقة. وليت الناس يتعلّمون من الكتب!

-كيف تريد من الجاهل أن يتعلّم من مشارق الشمس، وعيناه عالقتان بالغروب؟... لقد كنت أنا أيضاً من طائفة الذين غرقوا في جهلهم، حتى أصمّوا آذانهم، وححبوا أعينهم إلاّ عن الظلام الذي يشبه أرواحهم. وعندما استيقظتُ من العتمة كان الوقت متأخّراً على الولادة من جديد. وإذا كان الله يرفق بي ويأخذني بيمينه كما يؤخذ الابن الضالّ بيمين والده، فإنّني لا أسامح نفسي، وأبشع الخطيئة هي تلك التي لا يغفرها صاحبها... فكيف إذا كانت براءة الضحيّة كبراءة الأنبياء؟

-تقصد ذلك الصديق الذي قتلته؟

-هذا ما أقصده بالطبع. لم أكن أعرف أنّه هو... فقد دخلنا إلى منزل واعتقدنا انّ مَن يسكنونه هم أعداء لنا، فوجدنا في داخله رجلين وامرأة مقتولَين ورجلاً آخر يئنّ من جرح أصابه. كان ممدّداً على بطنه ولا يظهر من وجهه شيء. فأجهزتُ عليه برصاصة واحدة أسلم بعدها الروح. وكم كان المشهد رهيباً عندما اكتشفتُ أنّه الصديق الذي كبرتُ معه ووعدته بأن أكافئه على إنقاذه لحياتي... بكيتُ بمرارة وأنا أتأمّل في وجهه الطفوليّ. وحملته على يديّ راجياً منه أن يعود من موته فلم يضغِ إليّ... تعجّب رفاقي الذين كانوا معي في المنزل ممّا أفعله، فطلبتُ منهم أن يغادروا ويتركوني وحدي... وما أزال وحيداً في عالمي... أبكي وأتألّم فمَن يسمع بكائي؟

انهمرت دمعة كبيرة من مقلة الرجل، ووجدتُ أنّ عليّ أن أتركه في وحدته وتأمّله وذكرياته... خرجتُ إلى باحة المعبد، فرأيت أحبّتي يزيّنون الساحة الصغيرة بالورود ويضيئون شموعاً، فاليوم هو عيد السلام الذي نحتفل به كلّ سنة منذ انتهت الحرب. وفي هذا اليوم نغنّي جميعاً أغنية جديدة، وتغنّيها الأجيال من بعدِنا.

كالريح في الأوراح الجامدة

 

إذهبوا في كلّ اتجاه كما تذهب الرِّيح، وافعلوا مثلَها في الأرواح الجامدة، فإنّ العواصف لا تهدأ قبل أن تغيّر في معالم الطبيعة وتنحت بإزميلها المبدع في الغابات والقِفار. ولا تعودوا وأيديكم خالية، فإنّ المتسوّلين أنفسهم لا ينامون وليس في أيديهم شيء.

وستواجهون من يكرهون الحقيقة، فأصحاب الضغائن والأحقاد لا يغيظهم سوى أن تقولوا الحقيقة عنهم. وهؤلاء يريدون أن يُعْموا بصائر الناس، وأن يأخذوهم إلى مجاهل الكذب والرياء. والمخادعون ليسوا قلّة، بل هم فئة من المبْدعين في الإثم، بينما أنتم تبدعون الفضائل، وليس من السهولة أن تنتصروا على من يتنكّرون ويَظهرون بغير وجوههم.

وكلّما أتيتم بفكر جميل ازداد أهل القباحة غيظاً، فأنتم وهؤلاء تشبهون أخَوين أعطاهما والدهما أرضاً ليزرعا فيها زرعاً طيّباً، فغرس الأوّل في أرضه نوعاً واحداً من الشجر، وزرع الثاني سبعة أنواع، وعندما جاء وقت الحصاد، قطف الأخَوان من أشجارهما خيراً كثيراً وذهبا إلى السوق ليبيعاه، فلم يشترِ الناس من الأخ الأوّل إلاّ قليلاً، واشتروا من الأخ الثاني حتّى فرغت صناديقه، فعاد في المساء إلى بيته فرِحاً، وأخبر زوجته وأولاده بأنّه ربح مالاً وفيراً، فاغتبطوا. أمّا الأخ الثاني فاستشاط غضباً، وبدلاً من أن يذهب إلى حقله في الصباح لكي يغرس أشجاراً أخرى مثلما فعل شقيقه، أضرم النار في زرع أخيه. فاعلموا أنّ الذي في روحه شرّ لا يبارك الخير، ومن يباركون الخير

هم أقلّ من أصابع أيديكم.

وستقولون: لماذا نزرع كثيراً إذا كان الناس سيضرمون النار في حقولنا؟ وأنا أطلب منكم أنْ لا تقولوا ذلك، فأنتم لستم كافرين وملاعين، ولن تنكروا فضل أبيكم الذي أعطاكم أرضاً خصبة، وشمساً تشرق عليها، وأنهاراً تفيض من أجلها فتنمو وترتفع. كما لن تستسلموا للحقد الذي يتربّص بكم على مفارق الدروب. فضعوا هذا الكلام في قلوبكم وأفكاركم، واعملوا به لئلاّ تعطوا للأشرار قوّة الانتصار عليكم. ولا تخافوا من كثرة العدد، فالإيمان يحرّركم من خوفِكم، وإنّ قطرة ماء واحدة قد تعيد إنساناً من موته.

وربّما تقابلون بَشراً يسيرون وراء البشاعة، ويكرّمونها في كلّ ناحية، وينْكرون فضل الجمال الذي يرونه في وجوهكم وأفكاركم، فهؤلاء يحتفلون بالبشاعة لأنّ الجمال بعيدٌ عنهم كما المسافة بين الأرض والسماء. والفرق بينكم وبينهم يشبه الفرق بين أطيار الصباح التي تغرّد وتملأ الأجواء سحراً، وخفافيش العتمة التي تضطرب من النور وتلعن النهار. وستسمعون من الماكرين تحقيراً للصدق لا يخطر في بال، وسيقولون إنّ ما اقترفوه من كذب ليس غروراً، ولكنّ الحقيقة التي تقولونها ولا تزيدون فيها حرفاً واحداً هي الغرور.

وستجِدون في مدن بعيدة مَن يعرضون أكاذيبهم في عين الشمس، فيمجّدهم الناس ويطلبون رضاهم، لأنّ الذين ضعفت أرواحهم يخافون من الفجور، فالذي يرتكب معصية الكذب لا يمنعه شيء عن ارتكاب الفظائع مهما عظم شأنها، ولذلك ترون أنّ للمزوّرين منازل كثيرة، ومَن يدورون في فلكهم

شعوب وقبائل، بينما يبحث أنقياء القلوب عمّن يساعدهم ويؤويهم في الشتاء،

وقد لا يجدونه... لكنْ شتّان ما بين الزهور والأشواك، فبينما تنشر الزهرة عبيرها بصمت في الهواء ولا تلتفت إلى الصغائر، فإنّ الأشواك تبغض العبير وتتمنّى لو أنّها تستطيع أن تنشب أظفارها في الأزهار وتهشّمها تهشيماً. وليس من أحد له عينان لا يميّز بين الأوراق الناعمة والأظافر التي تجرح. فاسكبوا العبير في كلّ مكان، ودوسوا على الأشواك وأنتم حفاة، وستجدون أنّها أضعف من أن تؤذيكم.

إنّ أعتى الملوك لا يستطيعون أن يحبسوا كواكب السماء، وإنّ الرماح التي في أيدي الأشرار لا تجرح الأمل، ولا توقف الأرض عن الدوران.

احملوا قناديلكم في الليل، فمهما كان الليل عظيماً ينكسر أمام شعلة صغيرة ويندثر. وانحتوا أفكارهم على الصخور، في جذوع الغابات، في العواصف والرعود، وكلُّ ما تتركونه وراءكم لن يمحوه الزمان، ولن تقوى عليه النهاية. أمّا أولئك الذين ينطقون بالقشور فإنّ أفكارهم محكومة بالموت وآثارهم ستأكلها العتمة في مقابر النسيان.

وبينما أنتم تسكبون من جراركم في كؤوس الجاهلين، احذروا أن تسيروا أمام الذين يكذبون، فإنّ الكاذب يُتعبكم، أمّا الصادق الأمين فيريحكم من عناء النظر إلى الوراء.

 

المرنّمون

 

كنت أسير في الحقول ومن ورائي أناس يرنّمون بأصوات ملائكة.

يرنّمون للأرض التي هي ابنة الإله، ومن يديه تعطي وتبدع.

يرنّمون للفلاّحين الذين يرسمون في التراب خطوطاً منها يولد الزرع وينمو.

يرنّمون للنساء اللواتي يبذرنَ القمح، فمن أيديهنّ بيادر الخصب.

يرنّمون للعناصر التي رسمتها يد الخالق ووضعت فيها قبساً من أنواره.

يرنّمون للهواء، والسماء، والبحر والغابة... لأنّها كلّها صوَر عن المبدع الأكبر وبلسانه تنطق...

سألني بعض الغرباء: مَن هم هؤلاء الناس الذين ينشدون بألحان نقيّة؟ فأجبتهم: هؤلاء هم المختارون، الذين لا تموت أصواتهم، بل تخلد في الشمس والعاصفة وعلى صخور الوادي العميق. قلوبهم فيها المحبّة وأرواحهم تصرخ بالسلام الأبديّ. أبنائي الذين أرسلهم إلى كلّ مكان ويُضطهدون في القصور والمجالس، لكنّهم عازمون على الحياة، والحياة في أعينهم هي الحقيقة، وإذا تعذّبوا على أيدي الظالمين فعذابهم قيامة.

أبنائي لا يخافون من الجلجلة، لأنّ غبطتهم كالبحر العميق، وهم يواجهون الإدانة، وما أعظم الإنسان الذي يدوس على ألمِه ليصبح الألم لعنة تحت قدميه، ومن صوته تهتزّ العروش!

أبنائي ليس في صناديقهم ذهب الملوك، ولا يرتدون الثياب الغالية، بل يكتفون

بخبز وماء، ولديهم كنوز الروح التي لا يملك العظماء مثلها.

وإذا كان الأباطرة يرسلون جنودهم إلى الأصقاع البعيدة ليحتلّوها ويذلّوا أهلها بالسيف والنار، فإنّني أرسلهم في كلّ اتجاه، ولا يعيقهم شيء، لكي يبسطوا أيديهم على العالم بكلمة "سلام"، ويحرّروا الأفكار من قيود العبوديّة.

نعم يا أهلي. سوف يرتعد السلاطين من البراءة التي في أعين الصغار. ولن يبقى حجر على حجر في أورشليم الحقد والضغينة. سيدخل أبنائي إلى الممالك حفاة عراة، لكي يقلبوا تماثيل الرخام، ويُخرجوا الحمام من الأقفاص، فقد طال زمن الخوف والرعب، وإنّ العيون التي تغرق في الدموع، سيصبح لها صوت وستُغِيرُ على جحافل العدم.

أبنائي هم أطفال وُلدوا للتوّ من الشجاعة، وكبروا فجأة بعدما أكلوا وشربوا على مائدتي، وليس بينهم خائن. وإنّ خدّام الهيكل لن يستطيعوا ملاحقتي واعتقالي، لأنّ ألسنتهم جمدت، وقلوبهم أصبحت كالحطب الذي تنتظره النار. الهياكل تهدّمت، والبحار ارتفعت لتُغرق الظلمة.

هكذا سيكون، وقد رأيت بشراً يعانون من ظلام الأيّام، وما انتصر أحد إلاّ للشرّ، أمّا البئر التي أغدقت بمائها على العابرين، فقد رجمها أبناء البؤس، ولم يعد فيها ماء للعطاش.

للمحبّة أبني، والمحبّة تبني من يحبّونها. والذين ورائي سيرفعون لها برجاً للعبادة، ومن ركام المعابد القديمة، سيكون معبد لإله جديد يطلب منّا ذبيحة واحدة، هي ذبيحة الشرّ الذي فينا، ونحن سنطيعُ الإله من أجل أن ينتصر الخير وتزهر المعرفة.

مثلي يرتدي البراءة لباساً

 

أيّها المقدّمون إليّ ذهباً، أخشى على ذهبكم أن يأكله الغبار.

وأيّها القادمون من بلاد وراء جبال الثلج، تحملون إليّ حريراً، أتركوه في خزائنكم، فمثلي يرتدي البراءة لباساً.

ويا مسافرين على ظهور الجِمال، لا تهرقوا على أعتاب المعبد خموراً غالية، فإنّ خموركم ستكون أطيب لو بقيت في خوابيها لتحرسها الأعوام.

أنتم تعتقدون أنّني أطلب منكم، وقد صدَقتم لأنّني أطلب منكم أن تأتوا إلى معبدي وليس في أيديكم شيء، ولا في أفواهكم إلا ترانيم سماويّة يُسمع صداها في البعيد البعيد.

ليس عندي خزائنُ تضعون أموالكم فيها، فخزائني هي أيدي الفقراء التي ترتعش في الشارع الممطر، وقد أصبحتْ مع الشتاء والعاصفة والرعود واحداً. وأنا مثل هؤلاء المشرّدين، فلماذا أضع على جسدي الضعيف ثوباً لأحميه؟

لا أيّها الأحبّة، فإنّني لو أخذتُ أثوابكم لبردتُ أكثر، ولخفتُ من الرياح أن تلفح أبناءكم الصغار، وعندما تضعون ثوباً على جسد لا أعرفه ولا يعرفني، فعند ذلك أشعر بدفء وغبطة.

وأنا في السوق لا أبيع ولا أشتري، ولذلك أرضى بالقليل من الخبز. وعندما

حمل إليّ أحد القرويّين طعاماً ووضعه على مائدتي، خفتُ على مَن يحبّهم أن يجوعوا. ولكنّه ألحّ عليّ، وقال إنّه جاء من مكان بعيد، وسيشعر بالإساءة لو

رفضتُ هديّته، فأخذتُها على مضض وقلت له: أنت ستغتَني لأنّك تكرّمت عليّ بهذا الطعام.

وظنّ الرجل أنّني أقول هذا لكي أعبّر عن امتناني له. ثمّ انصرف عنّي وأنا أراقبه وأدعو له بالخير.

وبعد مدّة عاد الرجل مسرعاً، فسألتُه: هل اغتنيت؟

أجابني: كلاّ أيّها الكاهن في معبد الروح، لكنّ عندي نبعةً كانت قد جف ماؤها وغارت في الأرض حتّى لم يبقَ لها أثر، فإذا بها تتدفّق من جديد وكأنّها وُلدت لتوّها بعد مخاض طويل... وكان عندي كرم أتعب فيه وأشقى فلا يعطيني إلاّ عناقيدَ ممصوصة لا تشتهي أكلها الطيور، فإذا به يفور بالعناقيد... وكانت بيادري خالية من القمح فامتلأت... ولا أعرف كيف حدث هذا.

قلت له: إنّك تشبه رجلاً ذهب في زيارة إلى الحاكم، ولم يكن عنده ذهب ليهديه، فأخذ له من حقله كيلاً من الذُّرة، وبينما كان الناس ينحنون أمام الحاكم ويضعون بين يديه الذهب والفضّة والعطور التي اشتروها بأثمان غالية، تقدّم الرجل المسكين خجِلاً، ووضع أمام الحاكم كيل الذُّرة، فضحك الناس منه وسخروا من بساطته، لكنّ الحاكم نهض عن كرسيّه وربّت على كتفه قائلاً له: إنّ هذه الهديّة المتواضعة التي جئتَ بها إليّ هي أثمن ما رأيتُ في يومي هذا... وستغتني يا بنيّ ممّا فعلتَه من أجلي.

وانصرف الرجل إلى بيته يفكّر في كلام الحاكم. وفي صباح اليوم التالي أرسل الحاكم بعض جنوده، وأعطاهم جرّة مليئة ذهباً، وقال لهم: إذهبوا إلى كوخ الرجل المسكين واتركوا هذه الجرّة عند بابه، واحرسوها لكي لا يأخذها أحد

غيره، ولا تدعوا الرجل يراكم أبداً، وعندما يعود من حقله في المساء ويعثر على الجرّة، عودوا إلى القصر ولا تخبروا أحداً بما فعلتموه.

… أخبرتُ هذه القصّة للرجل الخيّر الذي وضع من طعامه على مائدتي، فأخذ يتفكّر بها مليّاً، ويقارن بين ما حدث له وما حدث للرجل المسكين الذي حملَ إلى الحاكم كيل الذُّرة... وبعد قليل قلت له:

نعم يا أخي، أنا لا أريد شيئاً لنفسي، والحاكم أيضاً لم يطلب شيئاً لنفسه، لكنّ له عيوناً ترى وقلباً يشفق، وجنوده ساهرون عند الأبواب، والناس لا يرونهم لأنّ أجسادهم ليست من تراب.

 

لا تحتقروا أحداً من الناس

 

لا تحتقروا أحداً من الناس، فإنّ الشحّاذين قد يكونون أغنى من النبلاء، وإنّ الذين يخدمون في القصور قد تكون أفكارهم أجمل من أفكار الشعراء.
كانت امرأة تبيع جسدها في الطريق، فرأت رجلاً يسقط عن صهوة جواده، فتركتْ تجارتها وأسرعت إليه لكي تساعده، فكم هي بائسة في بيعها، وكم هم بائسون مَن يشترون منها، لكنّها عظيمة عندما أعطت ولم تأخذ. فلا تقولوا: هذا غنيٌّ وهذا فقير، فالفقراء يملكون ما لا يملكه الأغنياء، وقد يشتهي الأغنياء الذين في أرواحهم جليد ممّا في قلوب الفقراء من الحبّ والطهارة.
لقد رأيت ملوكاً يشحذون رغيفاً، ورأيت صعاليك يصنعون للشمس عقوداً وأساور. والتقيت بأناس يأكلون ولا يشبعون، فهؤلاء هم المحتاجون، فمَن يساعدهم؟
كلّما التقيتم بفلاّح يعمل في الحقل فانحنوا له، ومجّدوا تعبه لأنّه يعطيكم خبزاً لتأكلوا وتطعموا أطفالكم. وصدقاً أقول لكم إنّ الرسّامين والنحّاتين يعرضون أعمالهم في معارض لكي ينظر إليها المعجَبون ويشتروا منها، أمّا الفلاّح فلا حاجة به إلى أن يفعل مثلهم، لأنّ الطبيعة معرضه، وكلّ ثمرة تخرج من بين يديه لوحة من الجمال رسمتها يد المبدع.
وكلّما رأيتم حدّاداً ينزل بمطرقته على الحديد، فقدّموا له وردة من أجل عرقه الذي يبذله من أجلكم. وهكذا افعلوا للنجار والخبّاز والراعي والمرأة التي تطحن

وتعجن وتهزّ السرير بيمينها، فهؤلاء هم الملائكة الذين يسيرون بينكم، وإن كانت ثيابهم ممزّقة ويكسوها الغبار والسواد، فمِن حدائقهم زنابق، ومن أفواههم صلوات. وإذا سمعتم أحداً يسخر ممّا يرتدون، فامنعوه، لأنّ لا أحد يسخر من الشرف والفضيلة.
كان ملك عظيمٌ يتفقّد أحوال رعيّته وحوله رهط من جنوده ووزرائه، فمرّ على شاطئ البحر وشاهد طفلاً صغيراً يرتدي ملابس حقيرة، ويقف أمام كوخ من التنك. كان الطفل يراقب طيّارة من الورق ويمسك بخيطها، فنزل الملك عن حصانه واقترب من الولد وسأله:
هل تسمح لي يا أخي الصغير بأن أمسك هذا الخيط دقيقة واحدة؟
تفاجأ الطفل ممّا سمعه كما تفاجأ الجنود والوزراء. وعندما أمسك الملك بالخيط كان مغتبطاً، ثمّ أعاد الخيط إلى الطفل وقال له:
أشكرك يا أخي الصغير على ما فعلته، لقد أعطيتَني كثيراً من السعادة.
وبينما كان الملك عائداً إلى مدينته، سأله وزير من وزرائه عن سبب فرحه وهو يشارك طفلاً من الفقراء في اللعب، فقال الملك: اسمع يا وزيري، لقد فتحتُ العواصم، وملكتُ خزائن من ذهب وفضّة، لكنّني لم أستطع أن أفعل شيئاً يقرّبني من السماء، كما فعل ذلك الولد...
كونوا أنتم كهذا الملك الذي عنده من الحكمة ما يعجز عنه المكابرون، ولا تكونوا كأولئك الملوك الذين يتبجّحون بنعمة ليست منهم، ويتوهّمون بأنّ السماء تصغي إليهم، وتأتمر بأمرهم، وما أرواحهم إلاّ من تراب.
لا تعاشروا مَن يمعنون في تحقير الآخرين لكي يُظْهروا أنّهم الأفضل، فالناس

ليسوا أغبياء، والأقنعة لا تظلّ طويلاً على الوجوه. فإلى أيّ مدى تستطيع القباحة أن تتغنّى بجمالها، ويستطيع الظلام أن يقول إنّه يضيء للعابرين في الطريق؟ حقيقةً أقول لكم إنّ الذين يصدّقون أنّ الظلام نور سيكتشفون حقيقته عندما يتعثّرون ويسقطون.
إذا حقّركم أحد فلا تردّوا عليه، لأنّ الذي ينطق بالحقارة لديه بضاعة رخيصة لا ينظر إليها أحد، وأنتم في أرواحكم كنوز، فإذا أظهرتموها في كلّ مكان، فقد يستولي عليها اللصوص.

الحرّيّة للشعوب

 

أسرّ إليّ بعض أحبَّتي بأنّ ملكاً في بلاد قد وصلوا إليها كان يحكم القبائل ويفرض على أبنائها أن يخضعوا له. وذات يوم أعلنت تلك القبائل ثورة من أجل حرّيّتها، فغضب الملك وأرسل جنوده فأحرقوا المنازل، وقتلوا الأبرياء، وشرّدوا النساء والأطفال، واقتادوا رجال الثورة إلى أعواد المشانق. وسألَني صحبي: أيّهما على حقّ، أذلك الملك أم الذين ثاروا عليه؟

قلت لهم: لا يغرّنّكم الملوك بما لديهم من كنوز وأمجاد، ولا تستخفّوا بالضعفاء الذين يبذلون أرواحهم من أجل كرامتهم. إنّ الله لم يخلق الناس ليكونوا أملاكاً لمَن هم أقوى منهم، والملوك الذين يظلمون شعوبهم إنّما يحكمون على أنفسهم بالموت وعلى عروشهم بالزوال.

وتسمعون أنّ قدر الشعوب أن تعيش في دوَل، وهذا أمر جيّد لو أنّ تلك الشعوب قد اختارت بنفسها أن تعيش مجتمعة تحت راية واحدة، ولكنْ أن يُفرَض عليها أن تكون في أمّة مع شعوب لا تفهم لغتها، ولا تعرف تقاليدها، ولا تؤمن بقيَمها، فهذا لا يستقيم مع المنطق والعدالة. فكيف سيتعامل في التجارة والصناعة والزراعة مَن لا يقبل الآخر، وقد يحتاج إلى مترجم كلّما أراد أن يتحدّث إليه؟

وتسمعون أنّ مَن يريدون الحرّيّة هم خائنون، والملك الذي أعمل سيوفه في أعناق الناس إنّما فعل ذلك لأنّه اعتبرهم خائنين، وخارجين على سلطة ورثها

من أجداده، وما هي السلطة إلاّ الشعور بالقوّة والاعتداد والهيمنة على مصائر الضعفاء؟

وإذا سألكم سائل عن أولئك الأبطال الذين جاهدوا من أجل مصير أبنائهم، فقولوا إنّهم من المختارين، وذكّروهم بتلك الأمم التي تفرّقت برضَى أبنائها، فذهبت كلُّ مجموعة منهم في طريقها، ولم يعاقب الحكّام أيّاً منهم، ولا زجُّوا بهم في السجون. أمّا الكتب الجامدة التي ما زال يلوكها مَن عتمت قلوبهم ورفضوا أن يسيروا في مواكب الضياء، فلا تصدّقوا حرفاً واحداً ممَّا جاء فيها. وهؤلاء يتغنّون بالحرّيّة وأفكارهم في سجون هي أضيق من نعوش، ويتفاخرون بالمعارك والحروب والمآثر القديمة التي لا يد لهم فيها، ولا قيمة لها في الحاضر. وكم هو رائع أن يتذكّر المرء تاريخه، وأن يتعلّم منه ويعلّمه لأبنائه! ولكنّ التاريخ ليس حجراً، ولا آثاراً متعفّنة تضربها الرياح وتعرّيها، فالتاريخ يتحرّك إلى الأمام، ونحن نقود العربة إلى المكان الذي تشعّ فيه الكواكب، وتصرخ مواكب الخير والفضيلة.

ومهما طغى ذلك الملك وتجبَّر، فإنّه لا يستطيع أن يبني سدّاً في وجه العاصفة التي تهبُّ من كلّ جانب. ولو وضع سلّماً إلى السماء، فإنّ جبابرة الأرض سيلاحقونه وينزلونه من عليائه. وسترتفع أعلام الحرّيّة في كلّ ساحة، لأنّ الحرّيّة من صنع الإله، وقد أعطاها من يديه لكي يغتبط بها البشر، والطغاة أعجزُ من أن يرموا بها في دهاليز العدم.

 

لتنتصر الياسمينة على الخوف

 

تعالوا إليّ لنسير معاً إلى مشرق الشمس، ونغنّي مع الربيع والجدول. للسلام نغنّي، بعدما بكينا طويلاً، وسكنَ الحزن في قلوبنا.

الرجال سيغنّون، ويمحون من ذكرياتهم أيّاماً سوداء، كأنّها شبح يرتدي ثياب العواصف والرعود.

والنساء سينشدنَ بألحان سماويّة: طوبى للذين يعودن إلى حقولهم ليزرعوها قمحاً ويغرسوا في الوادي أشجار زيتون وتين. وطوبى لمن يحطّمون أغلالهم، ويفرّون من الموت الذي كان يستعبدهم، وينطلقون بخطى ثابتة إلى زمان جديد.

والأطفال سيغنّون قصائد جديدة ليس فيها كلام عن الرحيل والدموع والنسيان، بل فيها كلام عن الوردة والعطر وهديل الحَمام.

والشيوخ سيردّدون مع المغنّين: لقد طرحنا عن أنفسنا رداء الغضب، وخرجنا من عتمة رهيبة ضاع فيها أبناؤنا ولم يعودوا... سنلتقي بهم من جديد ونفرح. سنكسر الخوابي العتيقة ونشرب خمراً عصرناها من كرومنا، صافية، رقيقة كأنغام كمان.

والفقراء سيأكلون على موائد عامرة، ولن يجوعوا بعد الآن.

والأغنياء سيفتحون صناديقهم لأنّ أعمارهم قصيرة والكنوز لا تدخل إلى القبور.

تعالوا إليّ لكي نُخرج المدن من حرائقها، ونعطي للعابرين كتاب حياة.

وداعاً يا كلمات الرثاء، ويا أناشيد البطولة، ويا حكايات المجد البائدة.

وداعاً للقصائد المعلّقة التي تتحدّث عن فرسان القبائل، وللدماء التي ما زالت تصرخ في رمال الصحراء. وداعاً للسيف والبندقية والحجر، ولتنتصر الياسمينة على الخوف، وليتمجّد حبر القلم.

سنمضي في الغابات والقفار حتّى نصل إلى البحر الهادر. سنخاطب الطيور البيضاء التي تنشر أجنحتها على الموج قائلين: نحن مثلك أيّتها الطيور... لا نسأل عن بيوتنا، ولا من أين جئنا، ولا ماذا نأكل ونشرب. نعرف أنّ الله يعرفنا ويجعل لنا مساكن في قلبه، وهو الزمان والمكان والعناوين كلُّها، وهو يطعمنا من حصاده، ويسقينا من ينابيع لا ينضب ماؤها.

تركْنا السلاح على الرصيف ليأكله الصدأ، فنحن لا نريد البكاء بعد اليوم.

لا نريد الثأر، ولا نريد القبيلة.

مَن يقدّسون الدماء فبالدماء يموتون، ومن يعبدون الروح فبالروح يعيشون. فلنحيَ نحن بأرواحنا، ولنترك أبناء الجسد يموتون في أجسادهم، ويبكون عليها ولا أحد يسمعهم سوى أعمدة القبور.

للسلام نبني لأنّ السلام حياة. وكم فقدنا من أحبَّة لنا، عندما أعمى الحقد عيوننا، وتلطّخت ثيابنا بالدخان. ومن بقيتْ له عينان فلينظر إلى الوراء، وسيرى كم من العذاب يطارده، فإنّ الذين بدأوا الحروب لم ينتصروا، والذين رفعوا سلاحهم ليقتلوا الأبرياء لم يبقَ منهم سوى صفحات في كتب، وتماثيل عرّتها الرياح في ليالي الخريف.

لتعودوا يا أبنائي وأحبّتي إلى البيوت البيضاء التي بنيتموها في القرى، وأشعلتم فيها نار المواقد، وغنّيتم للفصول... لتعودوا إلى آباركم وحكاياتكم... إلى غناء الجدول وهديل اليمام على السطوح... وإلى أرواحكم التي غادرتموها ولم تودّعوها، وهي تبكي بألم وتسأل عن أبنائها فلا يجيب سوى الفراغ.

أنتم تحزنون على أحبّاء لكم رحلوا في مراكب الجهل والضياع. رحلوا وأقفلوا أبواب الزمان، وقطعوا أشجارهم وكرومهم وألقوا بها في أحضان الليل... فمتى ينتهي الحزن، وتضحك الأيّام؟

إنّ صوت الله هو صوت البراءة، فلا تفقدوا براءتكم، لأنّ الأرض التي أطلعتكم لا تريدكم أن تتحاربوا من أجلها... لقد غضبت تلك الأرض من عاركم، وكتبت أسماءكم على ألواح الهزيمة، فكيف تقرأون تلك الأسماء وتقولون: ها نحن مذكورون في سفر الخلود؟... إنّ خلودكم يكون في مَن أحببتم ومَن ستحبّون. والحقد لا يجعلكم خالدين، لأنّه والموت واحد، فابحثوا عن البقاء في مدينة الأحياء، ولا تحملوا بعد الآن نعوشكم وتسيروا إلى العدم، فإنّ العدم نفسه لا يشتهيكم وأنتم ترتدون ثياب الضغينة وتحتفلون بالثأر والدمار.

انتهى

جميع حقوق النشر محفوظة للأديب د. جميل الدويهي ومشروع "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي من أستراليا.